الحب الحقيقي

أحمد شريف النعسان

2016-06-01 - 1437/08/25
عناصر الخطبة
1/ مكانة الحب في الإسلام 2/ الحب الحقيقي في الإسلام ومقتضياته 3/ تشويه الناس للحب الحقيقي 4/ حقيقة عيد الحب وبعض مفاسده 5/ نصائح وتوجيهات للمروجين والمحتفلين بعيد الحب

اقتباس

الظُّلْمُ في هذهِ الأَزْمَةِ قَد عَمَّ وَطَمَّ، حَتَّى وَصَلَ هذا الظُّلْمُ إلى الحُبِّ الطَّاهِرِ، إلى الحُبِّ المُقَدَّسِ، إلى الحُبِّ الذي دَعَانَا إِلَيْهِ الإِسْلامُ، إلى الحُبِّ المُتَبَادَلِ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالوُجُودِ كُلِّهِ، أَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: "أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" [رواه الإمام البخاري عَن العَبَّاسِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-]؟ الحُبُّ الحَقِيقِيُّ هُوَ الحُبُّ الذي يُقَرِّبُكَ من اللهِ -تعالى-. الحُبُّ الحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ يُحِبَّكَ اللهُ -تعالى- من خِلالِ مَا يَحْتَوِيهِ قَلْبُكَ.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: دِينُنَا الحَنِيفُ الذي قَالَ فِيهِ مَوْلانَا -سُبْحَانَهُ وَتَبَارَكَ وتعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3].

 

هُوَ دِينُ الحُبِّ الحَقِيقِيِّ، بهذا الحُبِّ الحَقِيقِيِّ يُصْبِحُ العَبْدُ المُحِبُّ مَحْبُوبَاً عِنْدَ اللهِ -تعالى: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54].

 

بالحُبِّ الحَقِيقِيِّ يُحْـشَرُ المُحِبُّ: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: بالحُبِّ الحَقِيقِيِّ يَحْشُرُ اللهُ -عزَّ وجلَّ- المُحِبِّينَ يَوْمَ القِيَامَةِ في الجَنَّةِ على مَنَابِرَ من نُورٍ، وَيُكْتَبُ على جِبَاهِهِم: المُتَحَابُّونَ فِيَّ؛ كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الترمذي عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: الْـمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ".

 

يَا عِبَادَ اللهِ: الظُّلْمُ في هذهِ الأَزْمَةِ قَد عَمَّ وَطَمَّ، حَتَّى وَصَلَ هذا الظُّلْمُ إلى الحُبِّ الطَّاهِرِ، إلى الحُبِّ المُقَدَّسِ، إلى الحُبِّ الذي دَعَانَا إِلَيْهِ الإِسْلامُ، إلى الحُبِّ المُتَبَادَلِ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالوُجُودِ كُلِّهِ، أَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: "أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" [رواه الإمام البخاري عَن العَبَّاسِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: الحُبُّ الحَقِيقِيُّ هُوَ الحُبُّ الذي يُقَرِّبُكَ من اللهِ -تعالى-.

 

الحُبُّ الحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ يُحِبَّكَ اللهُ -تعالى- من خِلالِ مَا يَحْتَوِيهِ قَلْبُكَ.

 

الحُبُّ الحَقِيقِيُّ هُوَ:

 

أولاً: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِمَّا سِوَاهُمَا، روى الشيخان عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-، عَن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْـمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" فَالحُبُّ الحَقِيقِيُّ أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِمَّا سِوَاهُمَا.

 

ثانياً: أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- أَحَبَّ إِلَيْكَ من نَفْسِكَ، روى الإمام البخاري عَن عَبْدِ اللهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ واللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: "الْآنَ يَا عُمَرُ".

 

فَالحُبُّ الحَقِيقِيُّ أَنْ يَكُونَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- أَحَبَّ إِلَيْكَ من نَفْسِكَ التي بَيْنَ جَنْبَيْكَ.

 

ثالثاً: أَنْ تُحِبَّ أَخَاكَ في اللهِ -تعالى-، روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-، عَن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ" -وَعَدَّ مِنْهُم-: "وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ"، فَالحُبُّ الحَقِيقِيُّ أَنْ تُحِبَّ أَخَاكَ في اللهِ -تعالى-.

 

رابعاً: أَنْ يُوصِلَكَ إلى مَحَبَّةِ اللهِ -تعالى-، روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدَاً دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانَاً فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ؛ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانَاً فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ؛ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ"، فَالحُبُّ الحَقِيقِيُّ هُوَ الذي يَكُونُ سَبَبَاً لِأَنْ يُوصِلَكَ إلى مَحَبَّةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالى-، فَأَيُّ حُبٍّ أَشْرَفُ وَأَسْمَى من هذا الحُبِّ؟!

 

يَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد انْتَشَرَ الظُّلْمُ وَعَمَّ وَطَمَّ، حَتَّى وَصَلَ هذا الظُّلْمُ إلى الحُبِّ الحَقِيقِيِّ، فَأَصْبَحَ الحُبُّ مَظْلُومَاً، وَأَصْبَحَ المُحِبُّ ظَالِمَاً لِنَفْسِهِ، عِنْدَمَا اسْتَبْدَلَ الذي هُوَ أَدْنَى بالذي هُوَ خَيْرٌ.

 

يَا عِبَادَ اللهِ: ما هذا العِيدُ الذي سَمَّاهُ النَّاسُ: عِيدَ الحُبِّ؟ عِيدُ الحُبِّ هذا هُوَ دَعْوَةٌ إلى الفُجُورِ والعُهْرِ، دَعْوَةٌ لارْتِكَابِ الفَوَاحِشِ مَا لا يَخْطُرُ على بَالٍ، ولا يَقْبَلُهُ شَرِيفٌ، وَبِهِ يُسْتَدْرَجُ النَّاسُ إلى حَمَأَةِ الشَّهَوَاتِ والرَّذِيلَةِ، هُوَ دَعْوَةٌ من أُنَاسٍ قَالَ اللهُ -تعالى- فِيهِم: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا) [النساء: 27].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: من الأَسْبَابِ التي أَوْصَلَتْنَا إلى هذهِ الأَزْمَةِ التي كَثُرَ فِيهَا سَفْكُ الدِّمَاءِ، وَدَمَارُ البِلادِ، هُوَ: عِيدُ الحُبِّ الذي بِسَبَبِهِ انْتَشَرَتِ الفَاحِشَةُ، وَبِهِ اسْتَحَقَّ العِبَادُ عِقَابَ اللهِ -تعالى-؛ كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الـشَّرِيفِ الذي رواه الإمام أحمد عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-، عَن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-".

 

يَا عِبَادَ اللهِ: قِفُوا مَعَ أَنْفُسِكُم لَحْظَةً وَفَكِّرُوا، هَلِ اسْتَبْدَلْنَا الذي هُوَ أَدْنَى بالذي هُوَ خَيْرٌ ؟

 

يَا شَبَابَ هذهِ الأُمَّةِ، وَيَا شَابَّاتِ هذهِ الأُمَّةِ: قِفُوا مَعَ أَنْفُسِكُم لَحْظَةً وَفَكِّرُوا، هَلْ هذا الحُبُّ يُقَرِّبُنَا من اللهِ -تَبَارَكَ وتعالى- أَمْ يُبْعِدُنَا؟ هَلِ اسْتَبْدَلْنَا الذي هُوَ أَدْنَى بالذي هُوَ خَيْرٌ؟

 

وَأَمَّا أَنْتُم يَا أَصْحَابَ المَحَلَّاتِ التِّجَارِيَّةِ: قِفُوا مَعَ أَنْفُسِكُم لَحْظَةً وَفَكِّرُوا، مَا أَنْتُم قَائِلُونَ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالى- يَوْمَ العَرْضِ والحِسَابِ؟ يَا مَنْ يُرَوِّجُ لهذا العِيدِ، الذي هُوَ دَعْوَةٌ للفُجُورِ والعُهْرِ، وَخَاصَّةً في هذهِ الأَزْمَةِ التي شَمَلَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.

 

اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدَّاً جَمِيلاً، آمين.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

المرفقات

الحقيقي

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات