التيه في حياة المسلمين وبني إسرائيل

حسان أحمد العماري

2017-07-31 - 1438/11/08
عناصر الخطبة
1/ الغفلة عن حقيقة الحياة الدنيا وما بعدها 2/ مفاسد التعلق بالدنيا وزينتها 3/ مظاهر التيه في حياة الأمة المسلمة 4/ سبل الخروج من المحنة 5/ سمات الأمة المسلمة 6/ وجوب نصرة القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى المبارك 7/ فضائل المسجد الأقصى 8/ وجوب مراعاة حقوق المساجد وصيانة حرمتها.

اقتباس

إن الأمة بخير ما دامت تؤدي حقوق المساجد وترعى حرمتها، وهي في مأمن ما دامت تعمر المساجد وتحمي رسالتها، وهي في عزة ومنعة ما دام أبناؤها وقادتها يترددون على المساجد، ويستمدون هدى الله من منابرها، ودروس حلقاتها، والتربية في ساحتها وبين جدرانها. ويوم أن تساهلت أمة الإسلام في ذلك حكاماً ومحكومين ورعاةً ورعية، أصاب هذه الأمة الوهن، ونالها الضعف، وهانت في عين العدو.

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي تفرَّد بالعز والجلال، وتوحَّد بالكبرياء والكمال، وجلّ عن الأشباه والأشكال، أذل من اعتز بغيره غاية الإذلال، وتفضل على المطيعين بلذيذ الإقبال، بيده ملكوت السماوات والأرض ومفاتيح الأقفال، لا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه وهو الخالق الفعال.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, له الملك, وله الحمد وهو علي كل شيء قدير. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدٌ عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه الذي أيده بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، وزيَّنه بأشرف الخصال وعلي آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته واقتدى بهديه و من اتبعهم بإحسان إلي يوم الدين ونحن معهم يا أرحم الراحمين.

 

أما بعد: أيها المؤمنون/ عباد الله: إن الغفلة عن حقيقة الحياة وما بعدها والتعلق بالدنيا وزينتها، وضعف الخوف من الله ومراقبته، والتقصير والتساهل في العبادات والطاعات جعل حياة كثير من الأفراد والمجتمعات والشعوب ميدان صراعات وعداوات وحرب وانتقام، حتى تحولت الحياة إلى جحيم لا يُطاق، فهلك الحرث والنسل، وسُفكت الدماء وحل الدمار وظهر العنف في أبشع صوره، وغاب الحب والتراحم والتعاطف والتعاون من قاموس الحياة..

 

قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 115- 116].. وقال تعالى: (وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [البقرة:281].

 

وكل شيء أعمالك في هذه الحياة مسجَّل ومحسوب ومراقَب وموثَّق.. قال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف:49]، وقال تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة:6].

 

دخل أبو الدرداء -رضي الله عنه- الشام فقال: "يا أهل الشام! اسمعوا قول أخٍ ناصح، فاجتمعوا عليه فقال: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون؟! إن الذين كانوا من قبلكم بنوا مشيدًا وأمَّلوا بعيدًا وجمعوا كثيرًا، فأصبح أملهم غرورًا وجمعهم ثبورًا ومساكنهم قبورًا.."، وصدق الله إذ يقول: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد:20].

 

هذا هي الحياة.. التي يدور حولها الصراع الذي يفقد الإنسان آدميته ودينه وأخلاقه.. مجرد حطام.. هذه هي الحياة التي تاهت فيها قيمنا وأخلاقنا وإنسانيتنا، وإلا لماذا يقتل الأخ أخاه؟ ولماذا يظلم الإنسان غيره؟ ولماذا قست القلوب وقامت العداوات بين البشر؟ ولماذا فسدت أخلاقنا وساءت أعمالنا، وضاقت قلوبنا على بعضنا البعض؟!

 

ولماذا تحولت جهودنا وقدراتنا وأموالنا على بعضنا البعض في حين أن عدونا يحتل المدن، ويدنِّس المقدسات، ويسفك الدماء، ويعتقل ويقتل ويحاصر ويتآمر على المسلمين في كثير من بقاع الأرض؟

 

لماذا يعيش العالم من حولنا في أمن وأمان وتطور وازدهار.. وكثير من بلاد المسلمين تعيش حياة العنف والقتل والتدمير بين أبنائها وبين دولها؟.. لماذا يعيش في بريطانيا مثلاً.. أو أمريكا أو الهند أو أستراليا المسلم والنصراني واليهودي والهندوسي والبوذي والبروتستانتي والكاثوليكي واللاديني وغيرهم في وطن واحد، ولا يوجد بينهم حروب ولا صراعات، وإن وُجدت خلافات فإنها تصبّ في مصلحة الوطن والأرض والإنسان، فلا توجد ثقافة القتل ولا العنف ولا التدمير ولا الإقصاء؟!

 

ونحن وُجدت بيننا العصبيات الجاهلية والمناطقية والحزبية والمذهبية والطائفية.. وأصبحت دماء المسلمين تُسفك بأيدي المسلمين، وأوطانهم وديارهم تهدم بأيديهم.. من أين جاءت هذه الثقافة التي حاربها الإسلام من أول يوم صدع الحق في هذه الدنيا وجمع القلوب بعد توحيد الله على أخوة الدين والعقيدة، قال –تعالى-: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 92]، وفي الآية الأخرى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون: 52].. وقال -سبحانه وتعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) [آل عمران: 103].

 

وإذا كان بنو إسرائيل قد كتب الله عليهم التيه والضياع أربعين سنة بسبب تبديلهم وتحريفهم وعدم استجابتهم لأمر الله ورسله؛ فإن تيه هذه الأمة قد طال زمانه، وتعددت ألوانه، وجنت الأمة بسببه الكثير من المصائب والكوارث، ويا ليته كان تيهًا حسيًّا كما كان لبني إسرائيل، ولكنه تيهٌ في الأفكار، وتيهٌ في التصورات، وتيهٌ في المشاعر، وتيه في السلوك، وتيه في الأخلاق، وتيه في تعلم العلوم النافعة، وتيه في إصلاح أوضاع المجتمعات، وأنواع أخرى من التيه.. فهل من إفاقة من هذا التيه الذي تعيشه أمتنا؟! وهل من عودة حقيقية إلى قيم ديننا العظيمة والتي فيها سعادة الفرد والمجتمع والأمة.. ولا طريق للنجاة غير ذلك.

 

عباد الله: إن أمتنا اليوم تعيش في دائرة التيه وعدم وضوح الرؤية أفراداً وشعوباً ومجتمعات؛ وإن من مظاهر ذلك كثرة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والابتلاءات بالفقر والمرض، والحروب والصراعات بين أبنائها ومع أعدائها، حتى أصبح الكثير من المسلمين في حالة يأس من تبدُّل الأوضاع وتغير الأمور، وبدأ البعض -ممن ضعُف إيمانهم- يشك في دينه ومعتقده، والعياذ بالله، وهذا من ضعف الإيمان وحب الدنيا ونسيان الآخرة، وعدم الفهم لسنن الله في هذه الحياة، والتي تقتضي وجود الابتلاء الذي لم يسلم منه أبونا آدم وجميع الأنبياء والمرسلين -عليهم صلوات الله وسلامه-.

 

وقد يكون هذا التيه إما عقوبة على ذنب ومعصية؛ وهذا ما حدث لبني إسرائيل عندما عصوا أمر الله ورسوله، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [المائدة 20-26].

 

وفي حال المعصية، يطلب من العبد التوبة والرجوع إلى الحق أفراداً وجماعات ودول حتى يرفع البلاء، وإما أن يكون التيه على سبيل الامتحان والاختبار والتمحيص ورفع الدرجات والتمييز بين صدق الإيمان وقوة العقيدة يقول الحق سبحانه: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ * ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ) [العنكبوت: 2-3].

 

وفي هذه الحالة لا بد من الصبر وبذل الأسباب الشرعية والدنيوية المستطاعة، والبحث عن الحق والثبات عليه، وفي كلتا الحالتين لا بد من شكر الله، والتضرع بين يديه، والاعتصام به، والتوكل عليه حتى يكتب الله الفرج بعد الشدة، والأجر بعد الصبر والثبات، قال رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ" (صححه الألباني).

 

معاشر المسلمين: إن الخروج من التيه الذي تعشها أمتنا، هو بالعودة إلى الله أفراداً وجماعات حكامًا ومحكومين، وذلك بتحكيم شرعه، والاعتصام بحبله، وتربية النفوس على العزة والكرامة، وتقوية روابط الأخوة الإيمانية.

 

لقد حرص الإسلام على أن يعيش أبناؤه في ترابط وتعاون وتناصر حتى يسود المجتمع الأمن والأمان والمحبة والحنان.. الحقوق محفوظة ومصونة، والواجبات معروفة ومطلوبة؛ من شأنها أن تشد الروابط بين المسلمين، وتزيد الأُلفة فيما بينهم في مشارق الأرض ومغاربها، وتحفظ وحدتهم وتصون كرامتهم، وتحفظ حقوقهم؛ ذلك أن المؤمن شأنه أن يعيش عزيزًا فهو يحمل رسالة عظيمة، وينتمي لأمة عظيمة ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أعظم الرسل؛ يقول الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)  [الفتح: 29].

 

نعم.. رحماء بينهم.. فلا حروب ولا دماء تُسفك ولا اعتداء بعضهم على بعض، ولا تآمر بعضهم على بعض، بل رحماء بينهم لينالوا مغفرة الله ورحمته ورضوانه ونصره وتمكينه، وما عدا ذلك فإننا سنستمر في التيه والضلال حتى تأتي سُنّة الاستبدال، قال تعالى: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) [محمد: 38].. فيأتي قوم يحبهم الله ويحبونه، فيكتب على أيديهم النصر والتمكين، والتعمير والبناء، والحضارة والتطور كما فعل أجدادنا واسلافنا الأوائل.

 

وسنة الاستبدال ضرورية لينتصر الحق ويبطل الباطل، فلا يمكن للباطل والظلم والطغيان أن يستمر؛ لأن سنة الله أن الباطل إلى زوال سواء كان فرداً أو جماعة أو دولة، مهما بلغوا من القوة والعدد والعدة، قال الله تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ  فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ) [فصلت: 15-16].

 

وقال تعالى عن فرعون وجنوده: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [القصص: 38-40].

 

اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً.. قلت قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.... قلت قولي هَذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: لقد كان من صور التيه في حياة المسلمين اليوم هو النكوص والتراجع والتذبذب في نصرة القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى المبارك الذي قال الله فيه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء: 1].

 

عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله. أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرضِ أوَّل؟ قال: "المسجدُ الحرَام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسْجِد الأقْصَى"، قلت: كَمْ بينهما؟ قال: "أربعُونَ سنة" (الحديث متفق عليه).

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجِد: المسجدِ الحرام والمسجِدِ الأقصَى ومَسْجِدِي هذا" (الحديث أخرجه البخاري ومسلم).

 

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "بدأ الخلق والأمر من مكة المكرمة، وجعل الله بيت المقدس وما حوله محشرَ خلقِه؛ فإلى بيت المقدس يعود جميع الخلق، وهناك يحشر الخلق؛ ولذا جاء في الحديث أنها "أرض المحشر والمنشر"؛ فهو البيت الذي عظَّمته المِلَل، وأكرمته الرسل، وتُليت فيه الكتبُ الأربعة المنزلة من الله - عز وجل -: الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن".

 

ومما يدل على فضل الصلاة فيه ما رواه عبد الله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وألاّ يأتي هذا المسجدَ أحدٌ لا يريد إلاّ الصلاة فيه إلاّ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة» (أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه الألباني). ولأجل هذا الحديث كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يأتي من الحجاز، فيدخل فيصلي فيه، ثم يخرج ولا يشرب فيه ماء؛ مبالغةً منه لتمحيص نية الصلاة دون غيرها، لتصيبه دعوة سليمان -عليه السلام-.

 

أيها المؤمنون: إن الأمة بخير ما دامت تؤدي حقوق المساجد وترعى حرمتها، وهي في مأمن ما دامت تعمر المساجد وتحمي رسالتها، وهي في عزة ومنعة ما دام أبناؤها وقادتها يترددون على المساجد، ويستمدون هدى الله من منابرها، ودروس حلقاتها، والتربية في ساحتها وبين جدرانها.

ويوم أن تساهلت أمة الإسلام في ذلك حكاماً ومحكومين ورعاةً ورعية، أصاب هذه الأمة الوهن، ونالها الضعف، وهانت في عين العدو.

 

فعودوا إلى دينكم وأخلاقكم، وثقوا بربكم، واثبتوا على الحق، ولا يغرنكم الباطل وجنده؛ فإنهم إلى زوال، وحافظوا على مساجدكم، وأحيوها بالصلاة والذكر والقرآن.

 

ولا تنسوا إخوانكم في فلسطين في دعم قضيتهم، والمسجد الأقصى وما يحاك حوله من مؤامرات اليهود، في غفلة وتقصير من المسلمين والمسلمين.

 

واعلموا أنه مهما خطط البشر، ومهما بلغ كيدهم ومكرهم، فإن الله من ورائهم محيط، ولا يكون إلا ما يريد.. ولقد كان في صمودهم وصبرهم ورباطهم على أبواب المسجد الأقصى الأثر الكبير في إحياء القضية الفلسطينية، وتعرية العدو الصهيوني وعملائه، مما جعل الإسرائيليين يتراجعون رويداً رويداً في إزالة البوابات الإلكترونية وكاميرات المراقبة على أبواب المسجد الأقصى، وهم مرابطون في جهادٍ إلى قيام الساعة، ونصرتهم واجبة على كل مسلم.

 

فاللهم اجعل لنا من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل عسر يسرًا، ومن كل بلاء عافية، اللهم طهِّر المسجد الأقصى وأرض فلسطين من اليهود الغاصبين، اللهم ثبِّت أهل فلسطين وانصرهم على عدوك وعدوهم.

 

اللهم احقن دماءنا، واحفظ بلادنا، وألف بين قلوبنا، ومَن أرادنا أو أراد بلادنا بسوء أو مكروه فَرُدَّ كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.

 

المرفقات

التيه في حياة المسلمين وبني إسرائيل

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات