التواضع في ضوء القصة القرآنية

عبدالله بن عبده نعمان العواضي

2016-10-26 - 1438/01/25
عناصر الخطبة
1/ أهميةُ خُلق التواضع 2/ سمات النفس المتواضعة 3/ ثمرات التواضع 4/ صور من تواضع أشرف خَلق الله 5/ من أخبار المتواضعين والمتكبرين في القرآن الكريم 6/ دروس مستفادة من ذلك القصص القرآني

اقتباس

ألا وإن من رؤوس الأخلاق الحميدة وأعلاها: خلقَ التواضع، ولين الجانب للخلق، وترك التعاظم والكبر عليهم. هذا الخُلق العظيم يصدر عن النفوس العلِّية التي بلغت درجات سامية من الشرف والرفعة، وحازت قصب السبق في ميدان الفضائل، ونالت من أسباب المدح على نصيب وافر.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق القول كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبد الله، -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها الناس: إن الأخلاق الحسنة حليةُ الإنسان وزينتُه، وجماله الحقيقي وسيرته، فبها ينشرح صدره، وترتاح نفسه، وبِنيّتهِ الصالحة فيها يثقل عند الله ميزانه، ويكثر أجره وثوابه، وبها يحبه الناس ويألفونه، ويجلّون قدره ويرفعونه.

 

ألا وإن من رؤوس الأخلاق الحميدة وأعلاها: خلقَ التواضع، ولين الجانب للخلق، وترك التعاظم والكبر عليهم.

 

هذا الخُلق العظيم يصدر عن النفوس العلِّية التي بلغت درجات سامية من الشرف والرفعة، وحازت قصب السبق في ميدان الفضائل، ونالت من أسباب المدح على نصيب وافر.

 

هذه النفوس التي اكتست بالتواضع تنظر إلى غيرها نظرَ تكريم واحترام، لا نظرَ احتقار وازدراء، ولم يحملها ما عندها من أسباب العلو على التكبر على الخلق والسخرية بهم، فدل تواضعها -مع ما عندها من الفضائل- على أنها تستحق تلك العطايا، وتصلح أن تكون أهلاً لتلك النِّعم.

 

أيها المسلمون: إن التواضع لا يُنقص قدرَ صاحبه، ولا ينزله عن مكانته، بل يرفعه، ويعلي شأنه، ويحببه إلى الخلق، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" رواه مسلم، قال أبو بكر -رضي الله عنه-: "وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين، والشرف في التواضع".

 

ولأهمية هذا الخلق الكريم -عباد الله- فقد كان الأمر به مما أُوحي إلى نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، قال -عليه الصلاة والسلام-: "وإن الله أوحى إليّ أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" رواه مسلم.

 

بل قال الله -تعالى- للنبي -عليه الصلاة والسلام-: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر:88]، وقال له أيضًا: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران:159].

 

وقد تمثّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الخلق الكريم في حياته كلها، فسيرته النضرة مليئة بالأمثلة المشرقة الدالة على تواضعه الجم.

 

فقد كان -عليه الصلاة والسلام- ينقاد للحق ويقبله ممن جاء به، وكان ينهى عن إطرائه والمبالغة في مدحه، وكان يعود المرضى، ويشيّع الجنائز، ويشارك أصحابه في الأعمال؛ كما في بناء المسجد، وحفر الخندق.

 

وكان يجيب دعوة الطعام ولو إلى شيء يسير، ويقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، ويستجيب لدعوة الأرقاء، ويجلس معهم، ويشفع لهم لدى مواليهم، وكان يجلس مع الضعفاء والمساكين ويأكل معهم، وكان لا يتخير وجوه المجالس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، ولا يحب أن يتمثل له الناس قيامًا، فكان إذا دخل لم يقم له أحد؛ لعلمهم بكراهيته لذلك، وكان يقاسم أصحابه الابتسامة، ويمزح معهم، ويستمع إلى أحاديثهم وأخبارهم.

 

وكان يلبس من الثياب ما وجد، ولا يبحث عن ثياب الغرور والخيلاء، بل يردها، ويسكن في حجرات صغيرة مع أزواجه، وينام ويجلس على ما خشن من الفراش.

 

وكان يعين أهله في حوائج البيت، ويقوم بخدمة نفسه بنفسه: فيفلي ثوبه ويخيطه، ويحلب شاته، ويخصف نعله، وكل هذا تدل عليه أحاديثُ عن سيد المتواضعين -صلى الله عليه وسلم-.

 

أيها الأحبة الفضلاء: إن الشمائل الحسنة حينما تترجم إلى أعمال في الواقع فيراها الحاضر، أو تبلغ البعيدَ سماعًا أو قراءة، تكون أكثر تأثيراً، وتصبح نموذجًا صالحًا للاقتداء، فالأفعال أبلغ في التأثير من الأقوال غالبًا.

 

وفي قصص القرآن الكريم نجد نماذج حسنة من العمل بخلق التواضع من الأنبياء أو الصالحين من أتباع الأنبياء -عليهم السلام-، فيكون في ذلك دعوة للتأسي بهم في هذا الخلق الحميد.

 

ففي قصة آدم -عليه السلام- نجد تواضعه في الاعتراف بالخطيئة، وظلمِ النفس بالأكل من الشجرة التي نهي عن الأكل منها، وفي طلبه مغفرةَ الله -تعالى- ورحمته بعد ذلك، فقبل اللهُ -تعالى- توبته ورحمه فضلاً منه؛ قال -تعالى-: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة:37]، وقال: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23].

 

وأما إبليس فإنه لما تكبر ولم يتواضع بالسجود لآدم طاعة لله -تعالى-، ولم يتب من ذنبه، فقد لعنه الله -تعالى-، وغضب عليه وطرده من رحمته ومن سمائه؛ قال -تعالى-: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) [ص:71-78].

 

ولهذا كان آدم والملائكة -عليهم السلام- قدوةَ المتواضعين، وإبليس -لعنه الله- أسوة المتكبرين.

 

فإبليس رأى أنه أشرف من آدم؛ فلذلك لم يتواضع بالسجود له، مدعيًا أن عنصره الناري أشرف من عنصر آدم الطيني! وهو قياس فاسد من وجوه كثيرة ذكرها العلماء.

 

وهذا القياس الإبليسي مازال موجوداً إلى الآن لدى بعض المسلمين، فبعضهم يتكبر على غيره بسبب جنسه أو جنسيته ووطنه، أو لونه أو لغته، فيرى لنفسه فضلاً على الأعجمي لكونه عربيًا، وعلى الأدنى قبيلةً لكونه من قبيلة أشرف من تلك القبيلة، أو يرى لنفسه شرفًا على أخيه المسلم الأسود أو القبيح لكونه أبيض أو جميلَ الصورة، أو يرى لنفسه عزاً يتكبر به لكونه من بلاد كذا أو مدينة كذا أو منطقة كذا! قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات:13].

 

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْألا هل بلغت؟"، قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: "فليبلغ الشاهد الغائب" رواه البيهقي وهو صحيح.

 

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: ساببت رجلاً -وهو بلال رضي الله عنه- فعيرته بأمه -قال له: يا ابن السوداء- فقال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية" رواه البخاري. وقال سلمان الفارسي -رضي الله عنه- : "إن الأرض لا تقدس أحداً؛ إنما يقدس المرءَ عملُه".

 

أيها المسلمون: إن الإنسان الكريم إذا نال وظيفة عالية لم تزده تلك الوظيفة إلا تواضعًا ونفعًا للخلق، ولا تغرس فيه التعاظم والغرور، والبعدَ عن الناس احتقاراً لهم، ففي قصة يوسف -عليه السلام- وإخوته دروس من التواضع؛ فإنه -عليه السلام- أحسن إلى إخوته بالقول والفعل فعفا عنهم وأكرمهم -والعفو من خلق المتواضعين- وهم قد أساءوا إليه قولاً وفعلاً، وكان قادراً على معاقبتهم؛ لكنه لم يفعل.

 

وكذلك فإنه لما دخل عليه أخوه بنيامين قال له: (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ) [يوسف:69]، فجرد نفسه عن الألقاب الوظيفية، وأزال عنها العظمة السلطانية، وخاطبه بالصفة التي يشترك فيها معه، وهي صفة الأخوة، فلم يقل: أنا العزيز يوسف، وأنا وأنا وأنا...

 

ومثل ذلك قاله لبقية إخوته، (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:90]. فأسقط عن نفسه وصف العزيز، ونحوه من نعوت العظمة.

 

أما غير الكرماء من الناس فإنهم إذا نالوا الوظائف الراقية، أو الألقاب السامية، أعرضوا عن التواضع، وتعاملوا مع الناس من أفق عالٍ بأشر وبطر واحتقار، فيرون أنفسهم قطعة من القمر، وغيرهم قطعة من المدر؛ ولذلك لا يحبون أن يسمعوا أو يقرؤوا أسماءهم مجردة عن الألقاب الوظيفية أو العلمية! فإذا خوطبوا بأسمائهم عارية عن تلك الإضافات من وزير أو أمير أو دكتور أو شيخ أو رتبته العسكرية أو غير ذلك غضبوا، وربما منعوا ذلك المخاطِب بعضَ الحقوق...

 

عن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ فكلمه فجعل ترعد فرائصه، فقال له: "هوّنْ عليك! فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد" رواه ابن ماجة والحاكم.

 

أيها الأحبة الفضلاء: إن التواضع يدعو صاحبه إلى قبول الحق ممن جاء به، ويحثه على الاستفادة العلمية أو العملية ممن هو أدنى منه سنًا أو علمًا أو قدراً، ففي قصة موسى مع الخضر -عليهما السلام- تأديب لنا على هذا الخلق.

 

فموسى -عليه السلام- ذو منزلة عظيمة عند الله -تعالى-، وعند الناس؛ فهو كليم الرحمن، ومن أولي العزم من الرسل، ومؤيَّد بالمعجزات الباهرات، وأنزل الله إليه التوراة، وكان عند الله وجيهًا. ومع ذلك رحل إلى الخضر -عليه السلام- ليتعلم منه، فتأملوا معي -أيها الأحبة- في ظهور أدب التواضع من موسى -عليه السلام- مع معلمه الخضر الذي هو أقل منه منزلة ودرجة!.

 

فقد خاطبه هذا الخطاب المتواضع قائلاً: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف:66]. فطلب منه التعليم بهذا السؤال: (هل أتبعك)؟، وفيه من حسن الخطاب والاستئذان ما فيه، ثم إنه جعل نفسه تابعًا للخضر فقال: (أتبعك)، وهذا من عِظم التواضع، ثم إنه جعل نفسه جاهلاً محتاجًا إلى تعليم الخضر فقال: (على أن تعلمني)، وفيه وصف للخضر بأنه أهل لتعليمه.

 

ثم إنه وعد من نفسه الالتزامَ بالطاعة وعدم العصيان، فقال: (قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) [الكهف:69]، وهذا من التواضع العظيم.

 

أما من أصيب بداء الكبر فإنه يرى نفسه كاملاً لا ينقصه تعلم عند غيره، ولا استفادة بيانٍ من سواه، خصوصًا ممن هو أدنى منه؛ لأنه يرى نفسه على سنام الحق، وعزة العلم والمعرفة؛ فلذلك إذا جاءه ناصح أو مصحح يهدي له الحق ردّه عليه ولم يقبله منه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الكبر بطر الحق، وغمط الناس" رواه مسلم.

 

أيها المسلمون: إن الإنسان الصالح إذا منّ الله -تعالى- عليه بقوة من القوى تواضع بها لله ولعباد الله، فشكر اللهَ -تعالى- عليها، ورأى أنها ابتلاء من الله فاستعملها فيما يرضيه؛ فنفع بها نفسه، ونفع بها غيره، ولم يتكبر بها على الناس، ولم ير لنفسه منزلة عالية يطلّ منها عليهم بكبر واحتقار.

 

فذو القرنين -رحمه الله- أعطاه الله -تعالى- قوة الملك التي استطاع بها فتح المدائن، وبسط العدل بين الناس، وقهر الظالمين لهم، فلم يتكبر بهذه القوة ويظلم الناس بها، بل تواضع فيها فنسبها إلى الله -تعالى-، ونفع بها عباده؛ ولذلك قال: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) [الكهف:87-88].

 

ولما بنى السد الذي يحجز عن إفساد يأجوج ومأجوج قال: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف:98]. فلم ينسبه إلى نفسه وحرصه، فحصول هذا السد رحمة من الله بعباده، أو الإقدار على إقامته رحمة من الله ونعمة.

 

لكن الإنسان إذا لم يكن من أهل الهدى والصلاح فآتاه الله قوة من القوى فإنه ينسبها إلى نفسه، وإلى قدرته واستحقاقه، وقد يظلم بها العباد، وينشر الفساد، ويطغى في البلاد، ويتكبر على الخلق، وينسلخ عن التواضع.

 

ومن أمثلة ذلك في قصص القرآن الكريم: قصة عاد الذين تكبروا بقوتهم على الخلق، واستكبروا عن الإيمان بالخالق، وطاعة رسله؛ فلذلك حلّ بهم النكال والزوال. قال -تعالى-: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) [فصلت:15-16].

 

واليوم تتباهى قوى الكفر بما تملك من أسباب القوى المادية التي استكبرت بها على الله -تعالى-، فأعرضت بها عن الإيمان به، والدخول في دينه، وتسخير تلك القوى في مرضاته، وتكبرت بها على المسلمين فتسلطت عليهم، وشنت عليهم الحروب المتنوعة التي جرّت على أهل الإسلام القتل والجراح، والشقاء وتضييق الحياة.

 

ونحن إذا رجعنا إلى الله -تعالى- صادقين، وعملنا بأسباب النصر؛ فإننا ننتظر عما قريب بهؤلاء الأعداء المتكبرين أن يحل بهم ما حل بأسلافهم المستكبرين، (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:102].

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

 

أما بعد: أيها المسلمون، لقد أعطى الله -تعالى- نبيه سليمانَ -عليه السلام- النبوة والعلم والمُلك وما فيه من القوى؛ ككثرة الجنود، وكثرة المال، واتساع الأرض التي تدين له بالانقياد والطاعة. ومع ذلك تواضع لله -تعالى- ولعباد الله؛ فاعترف لله بالنعمة، وسخرها في طاعته، واستعملها في إفادة الخلق، وإزالة الضرر عنهم، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) [النمل:15].

 

وحينما خرج مع جنده مارّين بوادٍ للنمل، وسمعَ خطاب النملة لقومها -وكان قد علمه الله منطق الحشرات والطير- تواضع لله بهذه المعرفة ولم يتكبر بها، قال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل:18-19].

 

وعندما أرسل رسالة إلى ملكة سبأ قال: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [النمل:30]. فلم يقل: إنه من صاحب الجلالة والفخامة والزعامة، أو إنه من ملك الجن والإنس والطير والرياح، وإنما ذكر اسمه مجرداً: (إنه من سليمان).

 

ولما وصل إليه عرش بلقيس من مأرب وهو في الشام بتلك السرعة والقدرة لم يتكبر ولم يتجبر بما أُعطي من القوى والقدرات، بل قال: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل:40].

 

فقارنوا -عباد الله- ما حصل من سليمان -عليه السلام- من ألوان التواضع مع ما عنده من القدرات والقوى التي أعطاه الله إياها، مع ما حصل من فرعون وقارون وصاحب الجنتين من الغرور والزهو والأشر والبطر بما أُعطوا من نعم وقوى!.

 

ففرعون ساقه جنون الغرور بالملك وما فيه إلى ادعاء الربوبية والألوهية، وإلى ردّ دعوة الحق التي جاء بها موسى وهارون -عليهما السلام-، وإلى ظلم الخلق بأنواع من العسف، قال -تعالى- عنه: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات:24]، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص:38]، (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) [الزخرف:51-52]. فماذا كانت نهاية هذا المتجبر المتغطرس الذي لم يعرف للتواضع طريقًا؟ قال -تعالى-: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ) [الذاريات:40].

 

وأما قارون فحمله الكبر بماله الوفير إلى نسبته لنفسه، والتِّيه به على خلق الله، وردِّ دعوة الحق التي وصلت إليه، قال -تعالى-: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [القصص:78]؛ فكانت نهاية الترفع المقيت: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) [القصص:81].

 

وأما صاحب الجنتين -كما ذكره الله تعالى في سورة الكهف- فلم يشكر الله -تعالى- على نعمه عليه، بل تكبر بها على الله -تعالى- فكذب بالساعة والبعث، وتكبر على صاحبه المؤمن الفقير فاحتقر ما لديه.

 

قال -تعالى-: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) [الكهف:32-36].

 

فكانت العاقبة والعقوبة: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا) [الكهف:42-43].

 

هذا وصلوا وسلموا على البشير النذير...

 

 

المرفقات

في ضوء القصة القرآنية

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات