التكاثر المنهي عنه

عبد الرحمن بن صالح الدهش

2016-01-19 - 1437/04/09
عناصر الخطبة
1/ حرص الناس على التكاثر في الأموال والأولاد 2/ من صور التكاثر المذموم 3/ الحث على شكر الله على نعمه 4/ تعظيم نعم الله وعدم الإسراف فيها 5/ تذكر المحرومين المحاصرين والدعاء لهم.
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

إنَّ الله –تعالى- ذمَّ التكاثر الذي سببه الإعجاب بالدنيا والاغترار بنضرتها، والذم أشدُّ حين يحمل الإنسان على ترك واجب، أو يوقعه في محرم فيلهيه عن صَلاته لربه، أو صِلاته لوالديه وأقاربه، ويلهيه عن أولاده، ورعاية أسرته، وحفظ مراهقي بيته، ثم إنه قد يتبع ذلك تساهل في محرم، أو انكباب على معصية وأثم فيقسو القلب، ويعظم الران (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله …

 

أما بعد: فاتقوا الله – عباد الله – وتأملوا في حالكم، واستعدوا لنهايتكم، وانظروا في أعمالكم؛ فإنكم لم تُخلقوا عبثاً، ولن تُتركوا سدى، فإنَّ اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115].

 

إنَّ أعظم الذكرى التذكير بكلام الله (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) [ق: 45].

وأعظم ما أصلحت به القلوب التأمل في كلام علام الغيوب (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) [فصلت: 44].

 

عباد الله: سورة قصيرة آياتها ثمان، يذكر الله فيها حال هذا الإنسان، وكيف اغترَّ بهذه الدنيا، وركن إلى موعودها الزائل.

 

يقول الله -تعالى-: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) [التكاثر: 1-2]، فالله –تعالى- يعيب على هؤلاء المتكاثرين في أمور دنياهم ناسين ما خُلقوا من أجله، متغافلين عن آخرتهم.

 

لقد ألهاهم التكاثر، فهذا يكاثر في ماله، وسعة تجارته، وضخامة رصيده، فهو صاحب العقارات التي تدرُّ سنوياً ما الله به عليم.

 

وهو مالك الأسهم الكثيرة،

ثم هو مكاثر في سعة بيته وحسن أثاثه، وجمال موقعه، ونفاثة فرشه وتحفه.

 

وهو مكاثر بكثرة مركوباته، فهذا المركوب له وحده، والآخر له مع عائلته، وثالث للمناسبات ومجالس المفاخرات.

 

وهذا يكاثر في أولاده عدداً فهو أب لجملة أولاد، وله من أولاده أحفادٌ وأسباط.

أحد أولاده مسئول في كذا...

والآخر يدرس في كذا...

وثالثهم يجيد كذا... جعل الله له مالاً ممدوداً وبنين شهوداً.. وصدق الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المنافقون: 9].

 

ومما تكاثر به بعض الناس وصار محلَّ تباهٍ منهم الجاه والسمعة، فقد ألهى جاه الوظيفة مدنيةً أو عسكريةً ألهى فئاماً منهم فصارت وظائفهم ورتبهم، وفخامة مكاتبهم نقصاً عليهم في دينهم، فلا يزالون يلهثون خلف الترقيات، ويسعون إليها في شتى المجالات.

 

ومن التكاثر بالجاه أن يتبجح أنه يعرف المسئول الفلاني، ويجالس الأمير والوزير الفلاني، وليس بينه وبين المدير الفلاني كُلفة، وصديقه المسئول في الجهة الفلانية، وهكذا.

 

وقد احتفظ في جواله بصور له مع ذوي الوجاهة والجاه يعرضها بمناسبة وغير مناسبة، ويغرد بها.

وقد يكون بعض هذا أو أكثره من التكاثر بما لم ينل؛ فهو كلابس ثوبي زور.

 

ومن التكاثر الذي قد تُبتلى به بعض الناس التكاثر بحسن النسب وشرف الحسب فهو ينتهي إلى القبيلة الفلانية فنسبه محفوظ، فهو مكاثر بنسبه نصَب شجرة عائلته في مدخل بيته، ولا إنكار في هذا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام"، ولكن قال بعدها "إذا فقهوا".

 

فمحل الخيرية في الأنساب إذا جمعوا مع هذا الخير خير الدين، والعلمَ النافع، والعملَ الصالح، فأمَّا إذا بقوا على جهلهم أو على فسقهم أو شيء من عصيانهم فلا شرف ولا كرامة.

 

أمَا علم هؤلاء أنَّ أبا لهب عمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سيصلى ناراً ذات لهب، وأنَّ أبا طالب عمه الآخر في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه.

 

عباد الله: اعلموا أنَّ الله –تعالى- يرفع بهذا القرآن أقواماً، ويضع به آخرين.

فالرفيع من رفعه الله، والوضيع من وضعه الله (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) [الحج: 18].

 

واحذر أن ينطبق عليك قول الأول:

إذا افتخرت بأقوام لهم نسب *** قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا

 

إنَّ مصيبة هؤلاء المكاثرين هو إصرارهم على هذا التكاثر في أقوالهم وأحوالهم، ولا يزال هذا طبعاً لهم، فهو خلق شبَّ عليه الصغير، وشاب عليه الكبير، قال الله تعالى (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) [التكاثر: 2].

 

فقد استمر اغترارهم بالدنيا حتى فاجأهم الموت، ونُقلوا على غير عدة واستعداد إلى مقابرهم، قصرت أطماعهم الفارغة أن تستوعبها أعمارهم مصداقاً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين في حب الدنيا، وطول الأمل".

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".

 

عباد الله: إنَّ الله –تعالى- ذمَّ التكاثر الذي سببه الإعجاب بالدنيا والاغترار بنضرتها، والذم أشدُّ حين يحمل الإنسان على ترك واجب، أو يوقعه في محرم فيلهيه عن صَلاته لربه، أو صِلاته لوالديه وأقاربه، ويلهيه عن أولاده، ورعاية أسرته، وحفظ مراهقي بيته، ثم إنه قد يتبع ذلك تساهل في محرم، أو انكباب على معصية وأثم فيقسو القلب، ويعظم الران (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14].

 

أيها الإخوة: لقد تيسرت في حياتنا الحاضرة وسائل تقنية، وشبكات تواصل ومجموعات تعارفية ومعرفية، وليس الكلام في تعداد الخير الذي فيها، وكيف قرت البعيد، ووقف العاقل على ما فيها من المفيد والجديد، وكذا ليس الكلام في التحذير من جانبها السيئ حينما يظلم الإنسان نفسه فيحقق من خلالها شهوات شيطانية, ورغبات تفسد القلب وتذهب الروحانية !

 

وإنما التذكير حينما كانت هذه الوسائل ميادين للتكاثر والتفاخر، فينكسر قلب الضعيف، ويشمت العدو الحاسد، وأما المشفق الصادق من قريب أو صديق فيقول: ليتهم ما نشروا خيرًا عندهم، وبين نعمة حرمها غيرهم، وتمناها أقرانهم!

 

ليس الحامل على هذا التشاؤم، والشكوك، ولكنها مشغلة للقلوب وتكاثر ربما حمل الغير على التباهي بما لا يملك، وإظهار نفسه بغير حقيقتها!

 

فنشرها دقائق تنقلات الإنسان ونزوله في البر وخيامه التي نصبها، وطعامه الذي أكله....

 

العاقل يعجز عن إيجاد فائدة مقنعة من هذا التهافت والتسارع في نشره على الملإ.

نعم كثير من هؤلاء حجتهم: هذه حياة المجتمع، وهذه ثقافة الجيل، وتغيرت طريقة الآباء والأجداد، وتحفظ الأمهات!

وصدقوا تغيرت !

 

ولكن هل كل تغيُّر قد يكون تغيرًا إلى حق، وهل كل تغير يُقبل، بل ويُحب ويُعشق!

لا يغب عن بالك أنه ليس كل تغير يكون دائمًا إلى الأحسن، وإن من التغير ما يكون مشغلة للأبدان، منقصة على الإنسان في دينه أو دنياه!

 

ونخشى أن يكون بعض ما ذكر من توسع الناس في نقل كل شاردة وواردة في حياتهم هو نوع جديد ولون من التكاثر الذي عابَه الله على عباده وحذَّر منه خلقه !

جعلني الله وإياكم ممن إذا ذكر تذكر، وأقبل على ربه وتبصر.

 

ثم بعد هذا كله يقول الله تعالى (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) [التكاثر: 3- 4] أي: لو تعلمون ما أمامكم علماً يصل إلى القلوب لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة، ولكن عدم العلم الحقيقي صيركم إلى ما ترون.

 

ثم أقسم الله أنَّ هؤلاء المكاثرين اللاهين سوف يرون الجحيم، وسوف يتيقنون ذلك (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: 5- 8].

 

نفعني الله وإياكم بآياته، ووفقنا لحسن ملاقاته، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: - فعن عبد الله بن الشخير – رضي الله عنه – قال أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم-: وهو يقرأ (ألهاكم التكاثر)، قال: "يقول ابن آدم: مالي! مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" (رواه مسلم).

 

عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟" قالا: الجوع يا رسول الله. قال: "أنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا" فقاموا معه فأتي رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلا، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أين فلان؟" قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء؛ إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه، فقال الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إياك والحلوب" فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العِذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم".

 

كيف حال هذا النعيم في هذا الحديث في ذلك اليوم مع النعيم الذي نعيشه كل يوم فاللهم لك الحمد!

ثم أين حق النعيم الذي نعيشه؟ وكيف القيام بشكره؟!

 

وقد علمت حال قوم هم منا ويصلون إلى قبلتنا زيادة على حروب تدار فوق رؤوسهم هاهم يُحاصرون في دورهم، ويُمنعون وصول الطعام إلى ديارهم، فتنهك أجسامهم، ويموت طائفة منهم.

 

فلله المشتكى وإليه الشكوى, ما أعظم حلمه بعد علمه! وما أعدل حكمه وحكمته!.. كشف الله كرب المستضعفين في بلاد الشام و....

 

 

 

المرفقات

المنهي عنه

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات