التسويف رؤوس أموال المفاليس

عبد الله بن علي الطريف

2021-10-22 - 1443/03/16 2021-11-17 - 1443/04/12
عناصر الخطبة
1/قيمة الوقت وأهميته 2/حقيقة التسويف وضرره 3/تحذير السلف من كلمة سوف 4/علاج التسويف

اقتباس

وبسبب التسويفِ صار عند بعضنا جُدْبٌ في الطاعة، وقحطٌ في العبادة، وإضاعة للأوقات فيما لا فائدة فيه, وكان سلفُ الأمةِ -رضوان الله عليهم- يحرصون أشد الحرص على اغتنام أوقاتهم واستثمارها، وكانوا يسابقون الساعات ويبادرون اللحظات...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله القائل: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)[المؤمنون: 115], وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين, وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:

 

أيها الإخوة: اتقوا الله -تعالى- حق التقوى، واعلموا أن رأسَ مالِ المسلمِ في هذه الدنيا وقته, والوقت مهما طالَ قصير؛ فهو أنفاسٌ محدودة, وأيامٌ معدودة, ما مضى منها لا يعود أبداً, ومادامت كذلك فيا سعدَ من استثمرَ تلك اللحظاتِ والساعاتِ في الخير، ويا خسارةَ من فرطَ فيها وأضاعها!.

 

وفي هذا العصر كَثُرت الملهيات، وتنوعت الصوارف، وسهُلَ ضياعُ الأوقات بلا فائدة, وكَثُرَ فينا الميل إلى الدعة والراحة، وتفشى فينا الكسلُ وبلينا بالعجز؛ لذلك كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- مِنَهما؛ لأنهما يمنعان العبد من أداء حقوق الله وحقوق نفسه وأهله، وتضييع نظره في أمر معاده وأمر دنياه، وقد أُمِرَ المؤمنُ بالاجتهادِ في العمل والإجمالِ في الطلب، وأن لا يكونَ عالةً ولا عِيالاً على غيره، ما مُتِّعَ بصحةِ جوارحِهِ وعقله.

 

وتعوذه -صلى الله عليه وسلم- مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ إرشادٌ منه إلى التعوذ منهما, فقد كَانَ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ"(رواه البخاري ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-).

 

أيها الإخوة: ومما يورثه العجز والكسل التسويف، وهو مركبُ العاجزين والكسالى وَمُعَوَّلُـهُمْ، وأعظمُ مفسدات الانتفاع بالأوقات، وأقوى مُضِيعَاتِ الأعمار, فحريٌ بالمؤمن التعرفَ عليه ليحذر منه, والتسويف: دَفْعُ تنفيذِ الاعمالِ الهامة التي يجب إنجازها، بدون سبب؛ إيثاراً لراحة البدن, أو الفكر من التعب، فيصبحُ التأجيل عادةً يصعب التخلص منها.

 

أحبتي: ولقد دعنا ربنا إلى المسارعة, وهي ضد التسويفِ, فقال -تبارك وتعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران: 133], وقال -سبحانه-: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)[الحديد:21], وجعل الله المسارعة في الخيرات من صفات عباده الصالحين, فقال بعدما عَدَّ عدداً من صِفاتهم: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)[المؤمنون:61], وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ"(رواه الحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ, والبيهقي وأبو نعيم وصححه الألباني).

 

والتسويف: داء دوي، يحرمُ من خيراتٍ كثيرة دنيوية وأخروية؛ ولذلك كان سلف الأمة يحثون على المسارعة وينهون عن التسويف، قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: "إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، ولله حق بالليل لا يقبله بالنهار", وقال أحد إخوة الخليفة الراشد عمرَ بن عبدالعزيز -رحمه الله-: "يا أمير المؤمنين! لو ركبتَ وتروَّحْتَ"، قال: "فمَن يُجْزِي عني عملَ ذلك اليوم؟", قال: "تجزيه من الغد"، قال: "فَدَحَنِي عملُ يومٍ واحد، فكيف إذا اجتمع عليَّ عملُ يومين؟!", وَقَالَ الْحَسَنُ البَصْرِيُ: "ابْنَ آدَمَ! إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ؛ فَإِنَّكَ بِيَوْمِكَ وَلَسْتَ بِغَدٍ، فَإِنْ يَكُنْ غَدٌ لَكَ فَكِسْ فِي غَدٍ -أي اغتنمه واجتهد فيه-؛ كَمَا كِسْتَ فِي الْيَوْمِ، وَإِن لَّا يَكُنْ لَكَ لَمْ تَنْدَمْ عَلَى مَا فَرَّطْتَ فِي الْيَوْمِ", وَأَوْصَى بَعْضُ الْحُكَمَاءِ ابْنَهُ، فَقَالَ لَهُ: "يَا بُنَيَّ! إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ لِمَا تَهِمُّ بِهِ مِنْ فِعَلِ الْخَيْرِ؛ فَإِنَّ وَقْتَهُ إِذَا زَالَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْكَ، وَاحْذَرْ طُولَ الْأَمَلِ؛ فَإِنَّهُ هَلَاكُ الْأُمَمِ".

 

وكتب طاهرُ بنُ الحسين لابنه عبدالله عندما ولاَّه المأمون الرقَّة ومِصر: "وافرغ من عمل يوم، ولا تؤخِّره لغدك؛ فإن لغدٍ أمورًا وحوادثَ تُلهيكَ عن عملِ يومك الذي أخرت، واعلَمْ أن اليوم الذي مضى ذهَب بما فيه، فإذا أخَّرتَ عمَلَه اجتمع عليك عملُ يومين، وإذا أمضيتَ لكل يوم عمله، أرَحْتَ بذلك نفسك", وقال أبو إسحاق: "قيل لرجل من عبد القيس في مرضه أوصنا, قال: أنذرتكم سوف", وقال ثمامة بن بجاد السلمي لقومه: "أي قوم! أنذرتكم سوف أعمل, سوف أصلي, سوف أصوم", وقال بعضهم: "احذروا سوف؛ فإنها من جنود إبليس", وقال أحدهم: "لا أؤخر شغل اليوم عن كسل إلى غد؛ إن يوم العاجزين غدا", وقال ابن القيم -رحمه الله-: "التسويف رؤوس أموال المفاليس".         

 

دع التكاسُلَ في الخيراتِ تطلُبُها *** فليس يسعدُ بالخيرات كســــــلانُ

لا ظِلَ للمرءِ يُغني عن تُقىً ونُهـــــى *** وإن أظلـَّـــــــــــته أوراقٌ وأفنانُ

 

أيها الإخوة: وبسبب التسويفِ صار عند بعضنا جُدْبٌ في الطاعة، وقحطٌ في العبادة، وإضاعة للأوقات فيما لا فائدة فيه, وكان سلفُ الأمةِ -رضوان الله عليهم- يحرصون أشد الحرص على اغتنام أوقاتهم واستثمارها، وكانوا يسابقون الساعات ويبادرون اللحظات ضنًّا منهم بالوقت، وحرصاً على أن لا يذهب منهم سدى، وكان الوقتُ عندهم أغلى من الدينارِ والدرهمِ.

 

ولو تأملَ المرءُ ملياً وتفكَّر جلياً لعلمَ علمَ اليقين أن الوقتَ أغلى من كنوز الأرض كلِها؛ لأن المال يذهب ويجيء، أما الأيامُ والليالي فإنها إذا ذهبت لا يمكن أن تعود أبداً, يقول ابن القيم -رحمه الله-: "أعظم الرِّبْح فِي الدُّنْيَا أَن تشغل نَفسك كل وَقت بِمَا هُوَ أولى بهَا وأنفع لَهَا فِي معادها".

 

وفقنا الله -تعالى- لكل خير, وجنبنا كل سوء, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[الحشر:18].

 

لو سأل أحدنا ما الطريقة المثلى للتخلُّص من التسويف؟.

والجواب: أول أمر أن يشعر الإنسان بأنه من المسوفين, ثم العزم الجازم على التغيير, والاستعانة بالله -تعالى- على ذلك, ودعاء الله -تعالى- وطلب عونه، قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[العنكبوت:69], ثم التخلُّص من العادات الخاطئة، وإحلال عادات صحيحة مكانها, ولا تتعجل النتيجة.

 

خُذْ عادة واحدة في وقت واحد, وأعدَّ نفسك شهرًا للإقلاع عنها إذا كانت سلبية، أو لاكتسابها إذا كانت إيجابية, ولا تحاول تغييرَ كلِّ شيء دفعة واحدة, ورتب الأولويات بشكلٍ صحيح, واعلم أن إعداد قائمة بالنشاطات التي ينبغي أن تنجزها كلَّ يوم هو أنجح الوسائل في القضاء على التسويفِ.

 

واعلم: أن انتظارك صفاء المزاج الملائم للبدء في تنفيذ أي مهمة عين التسويف, فتنبه!, وكلما ازدادت مقاومتك للتسويف كان من الأسهل عليك التخلص منه بحول الله, ومما قرأناه في صغرنا وكان يطلب منا المعلمون تكرار كتابته في مادة الخط: "لا تُؤجِّل عملَ اليوم إلى الغد".

 

وصلوا وسلموا على نبيكم؛ يعظم الله أجركم, فقد أمركم بذلك ربكم فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

المرفقات

التسويف رؤوس أموال المفاليس.doc

التسويف رؤوس أموال المفاليس.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات