الترويح بين المحرم والحلال

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2014-05-22 - 1435/07/23
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ ساعات اليوم هي حياة الإنسان ورأس ماله 2/ مسؤولية الإنسان عن عمره ووقته 3/ ضرورة إعطاء النفس حظها من الراحة والترويح 4/ ضوابط الترويح في الإسلام 5/ ما يحرم من الترويح

اقتباس

ومع أهمية الزمن وحرص الإسلام على أن يغتنم المسلم وقته وأيام حياته إلا أنه أكد على إعطاء النفس حظها من الراحة والانبساط ليزول عن الإنسان الملل، وليستعد لصالح العمل، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) [النبأ:9- 11]. فالنوم المعتدل يقطع الحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في طلب المعايش، وليستعد المسلم بذلك لعمل صالح لا لمجرد الكسل والبطالة.

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله حمدًا لا ينفد، أحمده سبحانه على نعمه الظاهرة والباطنة: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78]، (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد:8- 10].

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده الخير ومنه الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى عليه الله وملائكته والمؤمنون وعلى أزواجه وآله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد:

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70، 71].

 

عباد الله: ساعات الليل والنهار هي حياة الإنسان ورأس ماله، فإن ربح فيهما عملاً صالحًا صار زادًا له وسعادة في الدنيا والآخرة، وإن قضى هذا الزمن وأفناه في معصية الله وكسب السيئات فيا شقوته ويا خسارته.

 

وما الإنسان في الحقيقة إلا أيام وليالٍ، إذا مضى جزء منها انقضى بعض عمره حتى تنتهي حياته ويكون أثرًا بعد عين.

 

فمن الناس من إذا مات ماتت ذنوبه معه، ومنهم من إذا مات حيت ذنوبه من بعده بما سنّه من الشر وما جلبه من وسائله.

 

يا أهل الإسلام: الفراغ هو أن يخلو الإنسان من الشعل، وهو سلاح ذو حدين، فإذا استعمل فيما ينفع أو فيما يباح رجع على صاحبه بالخيرات والنشاط والأرباح، وإن ضيع وقت الفراغ في المحرم ووسائله صار على صاحبه حسرات، وعاد عليه بالمضرات.

 

أيها المسلمون: الإنسان مسؤول عن وقته وعن عمره؛ ففي الحديث الصحيح: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ثلاث: عن عمره فيم أفناه؟! وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟! وعن جسمه فيم أبلاه!!". رواه الدارمي.

 

وفي سنن الترمذي: "لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ!! وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ!! وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ!! وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ!!".

 

إن الفراغ مغنم ومكسب، وإن الصحة والنشاط فرصة ونعمة لمن عرف قدرهما وأحسن التعامل معهما. وإلا غبن صاحبهما غبنًا فاحشًا.

 

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". رواه البخاري.

 

ويكفي الوقت شرفًا وأهمية أن الله -تبارك وتعالى- أقسم به أو ببعض أجزاء منه؛ قال تعالى: (وَالْعَصْرِ)، وقال سبحانه: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) [الليل:1، 2]، وإقسام الله –عز وجل- ببعض مخلوقاته دليل على أنه من عظيم آياته.

 

أيها المسلمون: ومع أهمية الزمن وحرص الإسلام على أن يغتنم المسلم وقته وأيام حياته إلا أنه أكد على إعطاء النفس حظها من الراحة والانبساط ليزول عن الإنسان الملل، وليستعد لصالح العمل، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) [النبأ:9- 11].

 

فالنوم المعتدل يقطع الحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في طلب المعايش، وليستعد المسلم بذلك لعمل صالح لا لمجرد الكسل والبطالة.

 

والترويح في الإسلام له ضوابطه التي تمنع أن ينقلب إلى منكرات وفساد، لقي أبو بكر -رضي الله عنه- حنظلة فقال: كيف أنت يا حنظلة؟! قال: نافق حنظلة!! قال: سبحان الله ما تقول؟! قال: نكون عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلق وأبو بكر حتى دخلا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال حنظلة لرسول الله: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وما ذاك؟!"، قلت: يا رسول الله: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن -يا حنظلة- ساعة وساعة". ثلاث مرات. رواه مسلم.

 

وفي صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعبد الله بن عمرو: "ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟!"، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "فلا تفعل؛ صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا".

 

فالترويح المعتدل -يا عباد الله- الذي لا تضيع فيه الصلاة ولا تنتهك فيه حرمة ولا يزيد عن الحد المعقول، ولا يرتكب العبد فيه منهيًا عنه، إذا حسنت فيه النية أجر صاحبه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما الأعمال بالنيات"، وقال معاذ -رضي الله عنه-: "إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي".

 

إن الترويح -يا عباد الله- إذا لم تستمد وسائله من البيئة التي يوجد فيها فإنه يصبح عاجزًا عن العطاء، وعاجزًا عن تحقيق الأهداف التي يسعى إليها المجتمع.

 

إنه لابد أن يضبط كل ترويح بضوابط الشرع المطهر، وترعى قيم المجتمع والأعراف التي لا تخالف الشرع.

 

إن من الترويح ما يكون محرمًا كما إذا صاحبه سخرية بالناس أو لمز أو ترويع لهم، فالله -جل وعلا- أدبنا بقوله: (لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ...) الآيات.

 

ومما يحذر منه غاية الحذر ما يصاحب هذا الترويح من إسراف وتبذير واستهانة بنعم الله وإهدار لنعمة المال في غير النفع، يقول تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) [الإسراء:27]، ويقول -جل وعلا-: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان:67]، ويقول تعالى: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف:31].

 

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فإن مما يحرم من الترويح ترويح الإنسان الذي يصاحبه الأذية بالقول والفعل، أو يصاحبه ضرر بدني أو معنوي من الآخرين، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [الأحزاب:58].

 

وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

 

ومما يحرم من الترويح ما فيه كذب وافتراء، فقد روى أبو داود في سننه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له ويل له".

 

ومما يحرم من الترويح ما يقوم على الغناء والمعازف والموسيقي؛ لورود الأدلة الصحيحة بتحريمها، قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [لقمان:6].

 

وفي صحيح البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف".

 

فالغناء ينقص الحياء ويفسد الرجال والنساء، ويزيد في الشهوة ويفقد المروءة ويفتح أبواب الشر، يقول الإمام المربي ابن القيم -رحمه الله-: "والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو، وبلوا بالقحط والجدب وولاة السوء". اهـ.

 

ومما يحرم من الترويح: المسابقات التي يستخدم فيها أدوات جاء النص بتحريمها؛ مثل النرد والشطرنج ونحوهما، ومثل ذلك كل ما يقوم على الجهالة والهرج.

 

ومما يحرم من الترويح ما فيه اختلاط الرجال بالنساء؛ فإن ذلك يؤدي إلى نظر بعضهم إلى بعض، وطمع الذين في قلوبهم مرض، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء". متفق عليه.

 

وقال -عليه الصلاة والسلام-: "اتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتة بني إسرائيل كانت في النساء".

 

إن حضور النساء إلى مجامع الرجال بكامل الزينة لفتنة عظيمة تسبب قلة الحياء لدى المرأة، وتسبب طمع السفهاء فيها، ومن ثم تنفتح أبواب الفاحشة، وعندها تقع الكارثة، قال -عليه الصلاة والسلام- كما في سنن ابن ماجه: "ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا".

 

لقد نهى اللطيف الخبير النساء عن التبرج لخطورته وضرره، وأمر المرأة بالقرار في بيتها فقال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)، قال مجاهد: "كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال، فذلك تبرج الجاهلية الأولى"، وقال قتادة: "وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك"، فكيف إذا انضم إلى ذلك هذه الألبسة العارية التي فتن بها كثير من النساء اليوم، فأين غيرتكم معاشر الرجال؟! أين ما أعطاكم الله من القوامة؟! أين الرجولة والحمية؟!

 

يقول علي -رضي الله عنه-: "ألا تستحيون؟! ألا تغارون؟! فإنه بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج -أي الأجانب- في الأسواق".

 

أيها المسلمون: المسؤولية عظيمة، والحمل كبير، فاتقوا الله ما استطعتم، واعلموا أن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ ذلك أم ضيعه.

 

أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واعملوا صالحًا، وقوموا بما أوجب الله عليكم من الأمانة والرعاية، فكل يوم يعيشه العبد يقوم أولاده ويذكرهم ويقدم ما استطاع من خير فهذا اليوم له غنيمة، فالدنيا والله ليست بدار قرار، بل كتب الله عليها الفناء، وعلى أهلها الارتحال، ثم يرد الإنسان إلى ربه للحساب: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [الانشقاق:6].

 

ولحظة الارتحال ساعة الانتقال مغيبة عنك -أيها الإنسان-: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)، فهل ترضى أن تلقى الله وقد ضيعت نفسك من الأعمال الصالحات ولن تقوم بما أوجب عليك من الأعمال والأمانات!!

 

قال رجل لداود الطائي: أوصني، فدمعت عيناه ثم قال: "يا أخي: إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلةً بعد مرحلة حتى ينتهي ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم كل يوم زادًا لما بين يديك فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب، والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك، فكأنك بالموت وقد نزل بك، إنما الدنيا وإن سرت قليل من قليل، إنما العيش جوار الله في ظل ظليل، حين لا تسمع ما يؤذيك من قالٍ وقيل".

 

اللهم أصلحنا وأصلح بنا، اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام: أعنا على أداء الأمانة، وأعذنا من الخيانة.

 

 

 

 

المرفقات

بين المحرم والحلال

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات