التربية النبوية

ناصر بن محمد الأحمد

2015-05-12 - 1436/07/23
عناصر الخطبة
1/ أهمية صحة التعليم وجودة التربية 2/ التأمل في الأساليب النبوية في التربية والتعليم 3/ المنهج النبوي الصحيح في التربية والتعليم 4/ أهمية الاحتفاء بطالب العلم وتعزيزه 5/ الاستفادة من الأحداث في التربية.

اقتباس

إن ما تمر به الأمة اليوم من حوادث وفتنٍ متتابعة ليعتبر من جهة أخرى فرصة لصياغة الشخصية المسلمة صياغة جادة ثابتة مثمرة، وأكبر شاهد على ذلك الجيل الفريد الذي رباه النبي -صلى الله عليه وسلم- في خضم الحوادث والمحن قبل الهجرة في مكة، وكذا بعد الهجرة في الحوادث التي زاغت بها الأبصار، ففي مثل تلك الأوضاع الشديدة كانت الشخصية المسلمة تُصاغ. ويوماً بعد يوم، وحدثاً بعد حدث، كانت هذه الشخصية تنضج وتنمو وتتضح سماتها. وحين نطالب بالاستفادة من الأحداث فلسنا بذلك نريد التعنت والتكلف في توجيهها، بل نلفت النظر إلى أسلوب ناجع من أساليب التربية النبوية.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله ..

 

أما بعد: أيها المسلمون: نهوض الأمة ورقيها معقود بصحة التعليم وجودة التربية، والمناهج الأرضية وطرائق البشر مهما أوتيت من قوة واجتمع لديها من خبرة، فإنها تقف عاجزة عن تحقيق الكمالات، وعن التناغم مع الفطرة السوية، والسبب هو أن هذه المناهج لا تخلو من هوىً بشريٍ جهول، أو نظرةٍ ضيقةٍ محدودةٍ مع ضعفٍ في الشعور الداخلي الصادق، الذي هو بلا شك مؤثرٌ كبيرٌ على سير العمل التعليمي والتربوي.

 

 ولذا فإن من المهم والمهم جداً إدامة النظر والتأمل في الأساليب النبوية في التربية والتعليم؛ وذلك لأن الله بعث نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- معلماً ومزكياً ومبشراً ونذيراً (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَة) [الجمعة: 2]، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً". (رواه مسلم).

 

 فالحكمة مِنْ بَعْث النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعلِّم الناس، ولذا كانت حياته -صلى الله عليه وسلم- كلها تربية وتعليم، مما يجعلها غنية جداً بالأساليب التربوية والتعليمية.

 

إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوتي الكمال البشري، وعُصم من الخطأ الذي يقدح في تبليغه للدعوة، فأي عاقل حريص على مرضاة ربه يخيَّر بين الاقتداء بالمعصوم، الذي يكفل له السير على صراط الله المستقيم، وبين الاقتداء بمن لا يُؤمَن عِثاره، ولا تضمن استقامته على الحق ونجاته. لقد أعطي النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أميته علماً لا يدانيه فيه أحد من البشر (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما) [النساء: 113].

 

والنبي -صلى الله عليه وسلم- مرّ بمختلف الظروف والأحوال التي يمكن أن يمر بها أي معلم أو مربٍّ في أي زمانٍ ومكان، فما من حالة يمر بها المربي أو المعلم إلا ويجدها نفسها أو مثلها أو شبهها أو قريباً منها في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

لقد عاش النبي -صلى الله عليه وسلم- الفقر والغنى، والأمن والخوف، والقوة والضعف، والنصر والهزيمة، عاش اليُتم والعزوبة والزوجية والأبوة، فكان يتعامل مع كل مرحلة وكل حالة بما يناسبها.

 

لقد ساس النبي -صلى الله عليه وسلم- العرب، ودعاهم وعلَّمهم وأحسن تربيتهم، مع قسوة قلوبهم وخشونة أخلاقهم، وجفاء طباعهم وتنافر أمزجتهم، لقد كان حال العرب كما وصفهم جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- بقوله: "كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف". فاحتمل النبي -صلى الله عليه وسلم- ما هم فيه من جفاء، وصبر منهم على الأذى، حتى كانوا خير أمة بعد أن لم يكن لهم قيمة ولا وزن (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين) [الجمعة: 2].

 

إن الذي ينظر إلى الجاهلية قبل الإسلام، وكيف أنها كانت تعيش انتكاسة في الفطرة والعقيدة والأخلاق، لَيرى كم هو الدور الكبير الذي قام به النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث أحدث نقلة ضخمة في زمن قياسي.

 

وحين نريد أن نقف على المنهج النبوي الصحيح في التربية والتعليم فلا بد أن نفرق بين السمات الثابتة في حياته -صلى الله عليه وسلم-، وبين السمات التي تستدعيها حالات معينة توجب نوعية معينة من التعامل، وإليك بعض الأمثلة توضح ذلك:

 

- الرفق واللين والرحمة: سمات ثابتة في الهدي النبوي لا تكاد تفتقدها وأنت تطالع السيرة، كيف لا وقد أنزل الله قوله تعالى: (وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك) [آل عمران: 159]. بينما تجد الشدة والزجر تكون أموراً عارضة لأحوال عارضة ناسب أن يتعامل معها النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثل هذا الأسلوب.

 

- مثال آخر: الجدية والعمل: سمة ثابتة في المنهج النبوي بينا ترى المزاح والترويح وإن وُجدا في أمثلة متعددة في السنة والسيرة النبوية فإنها مع ذلك لا تزال محدودةً لا تستدعي تحويل المنهج التربوي إلى منهجٍ هزلي هزيل يعتمد على الفكاهة واللعب.

 

أيها المسلمون: والذي يُحزِن وجود دعوات ضالة كانت ولا زالت تنادي بضرورة نقل أسلوب التعليم والتربية من الغرب العلماني أو الياباني الوثني دون نظرٍ إلى المبادئ والقيم والثوابت الشرعية. إننا قد نستفيد منهم في بعض الوسائل والطرائق في توصيل المعلومة مثلاً والتي اعتمدوا فيها على تجارب ودراسات وجهود مضنية وافقوا فيها الصواب في أحيانٍ كثيرة، أما أن نأخذ ما نزاحم به ثوابتنا وقيمنا فلا يصح أن نختلف في رده والوقوف أمامه.

 

إن من المحزن المبكي أنك تجد دول الغرب الكافر تحامي عن مبادئها، وتخشى على قيمها، بينا ترى أهل الإسلام أهل الملة الخالدة يبقون وكأن العبث بالثوابت لا يعنيهم، أو ليس هو شيئاً ذا بالٍ في نظرهم؟!

 

والمتأمل في هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرته يرى كثرة تلك الوسائل والأساليب التي انتهجها في تعليمه للأمة وتربيته لها، وإن الإحاطة بكل ذلك قد لا يكون ممكناً في مثل هذه العجالة، ولكن هذه وقفتان:

 

الوقفة الأولى: الحفاوة والترحيب وحسن الاستقبال:

أحياناً نتعامل مع المتعلم والمتربي على أننا أصحاب منَّةٍ عليه وتفضل، ولذا نرى أنه لا حاجة إلى القيام بشيء من الترحيب والحفاوة وحسن الاستقبال، بل قد نعتبر مجرد قبولنا له كافياً في الإكرام، وربما يشعر الأب والمربي أياً كان أن الحق له، فهو يطالب المتربي به. والحقيقة أن للأب والمربي حقاً كبيراً، لكن هذا الحق لن يتحقق إلا حين يُعرّف الولد والمتربي بذلك ويغرس في قلبه إكرام أهل الفضل من خلال أساليب تربوية مشوقة وخطوات يقوم بها الأب والمربي.

 

ولقد كان من يقابل النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو لأول وهلة يجد عنده من الحفاوة والترحيب وحسن الاستقبال ما يجعل النفوس تنجذب إليه وتأنس بحديثه. جاء صفوان بن عسال -رضي الله عنه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم على بعض حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب".

 

كيف سيكون أثر هذا الترحيب وتلك الحفاوة في نفس صفوان، هل تراه يزهد في طلب العلم بعد ذلك؟. في بعض الأحيان يأتي الطالب ليشارك في حلقة قرآن أو منشط خيري فيقابل بشيء من البرود دون أن يسمع كلمة ترحيب، بل ربما استُقبل بقائمة من الشروط المشددة لقبوله في الحلقة، والتي ربما جعلته يعود أدراجه. إن مما يُذكر فيُشكر أن بعض دور التعليم والمناشط الخيرية ربما جعلت حفل استقبال وترحيب بالأعضاء الجدد ذا أثر كبير في بعث الرغبة في النفوس.

 

وعن أبي رفاعة -رضي الله عنه- قال: "انتهيت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينُه، قال: فأقبل عليَّ رسول الله وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسيٍّ حسبت قوائمه حديداً. قال: فقعد عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها". (رواه مسلم).

 

عجيب والله! يوقف الخطبة، ويجلس للمتعلم! أي تكريم فوق هذا وأي حفاوة، وكم سيصنع هذا الأسلوب من رغبة في نفس المتعلم والطالب!. هل نستطيع نحن المعلمين أو المربين أن نقوم عن وجبة الإفطار في المدرسة مثلاً لنجيب الطالب عن مسألته؟ وحين يقطع علينا المتربي لذة النوم باتصال هاتفي لحل مشكلة، أو إجابة عن سؤال هل سيجد الترحيب منا وطيب النفس؟!

 

 سؤال يحتاج إلى أن نراجع أنفسنا في تعاملنا مع من نربيهم سواءً كنا آباءً أو معلمين أو حتى أصدقاء.

 

بارك الله ..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ..

 

أما بعد: أيها المسلمون: الوقفة الثانية: الاستفادة من الأحداث:

كل يوم تطلع فيه الشمس تتجدد أحداث وتمر حوادث، وعلى المعلم اللبيب والمربي الحكيم أن يفيد من هذه الحوادث والأحداث في توجيه التعليم وتأكيد التربية كما هو حال النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-:

روى مسلم عن جابر -رضي الله عنه-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بالسوق، داخلاً من بعض العالية، والناس كَنَفتيه (أي: جانبيه) فمرَّ بجَدْيٍ ميت أسك، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيّاً كان هذا أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم".

 

كم يتكرر علينا مثل هذا الحادث أو قريباً منه ثم لا نوليه أدنى اهتمام. وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- سَبْيٌ، فإذا بامرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبياً في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟" قلنا: لا والله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها". (رواه مسلم).

 

كان يمكن أن يذهب هذا الحديث دون تعليق، لكن النبي الحكيم -صلى الله عليه وسلم- أفاد منه أي إفادة، وهكذا ينبغي لنا، وحين نطيل التأمل في مثل هذا الحادث فإننا سنجد فيه فرصة للإفادة في جوانب أخرى، فكما أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه إلى سعة رحمة الله، فإننا نجد فيه فرصة للتذكير بحق الوالدين، وتقلُّب الدنيا بأهلها، إلى غير ذلك.

 

وعن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال: كنا جلوساً ليلة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، فافعلوا". (رواه البخاري).

 

كم نرى القمر ليلة البدر؟ كم نراه ونحن مع أولادنا أو مع طلابنا، ثم لا نجد فرصةً أن نُذَكِّر برؤية المؤمنين لربهم في الجنة؟ وكم يمكن أن نفيد من رؤية القمر مثلاً بالتذكير بالصلاة وعظمتها، وأنها نور (والصلاة نور) والتذكير بقيمة الجمال ومحبة الناس له؟ ولن نعدم توجيهاً لو أعملنا أذهاننا.

 

وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: "أُهديتْ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حُلَّةُ حرير، فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: أتعجبون من لين هذه؟ لَمَناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين". (رواه مسلم).

 

قد يقول قائل: إن هذا خبرُ غيبٍ جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بطريق الوحي وليس لنا إلى ذلك سبيل، فنقول: نعم! ولكن لنا سبل أخرى، فنستطيع أن نُذَكِّر عند جمال الدنيا وحسنها بنعيم الجنة.

 

ونستطيع أن نذكر بعذاب الآخرة عندما نجلس عند نار الدنيا كما في حديث: "ناركم هذه التي يوقِد ابن آدم، جزء من سبعين جزءاً من حر جهنم". (رواه مسلم).

 

كثيراً ما نجلس ونحن نحيط بالنار نستدفئ أو نصنع طعاماً، فكم يمكن أن نستفيد من هذا الحادث؟ يمكن أن نقول للمتربين: أرأيتم النار كيف تلتهم الحطب؟ كذلك الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ويمكن أن نقول ونحن نحس بالدفء إن هناك من المسلمين من يتقلب في العراء لا يجد له بيتاً يُكِنُّه، ولا ناراً يستدفئ بها.

 

إن الحادث الواحد قد يكون فيه فرص للتوجيه في جوانب عدة. نعم! قد لا يكون من المناسب أحياناً استعراض جميع جوانب العبرة في الحادث، لكن علينا أن نأخذ منه أنفع وألصق شيء بالحال.

 

أيها المسلمون: إن أي حادث يجري فإنه يمكن أن يفاد منه في التربية، والمربي البارع لا يترك الأحداث تذهب سُدى بغير عبرة وبغير توجيه، وإنما يستغلها لتربية النفوس وصقلها وتهذيبها. ومزية الأحداث على غيرها من وسائل التربية أنها تُحدِث في النفس حاله خاصة هي أقرب للانصهار. والمثل يقول: اضرب والحديد ساخن، لأن الضرب حينئذ يسهِّل الطَّرق والتشكيل.

 

وإن ما تمر به الأمة اليوم من حوادث وفتنٍ متتابعة ليعتبر من جهة أخرى فرصة لصياغة الشخصية المسلمة صياغة جادة ثابتة مثمرة، وأكبر شاهد على ذلك الجيل الفريد الذي رباه النبي -صلى الله عليه وسلم- في خضم الحوادث والمحن قبل الهجرة في مكة، وكذا بعد الهجرة في الحوادث التي زاغت بها الأبصار، ففي مثل تلك الأوضاع الشديدة كانت الشخصية المسلمة تُصاغ. ويوماً بعد يوم، وحدثاً بعد حدث، كانت هذه الشخصية تنضج وتنمو وتتضح سماتها.

 

وحين نطالب بالاستفادة من الأحداث فلسنا بذلك نريد التعنت والتكلف في توجيهها، بل نلفت النظر إلى أسلوب ناجع من أساليب التربية النبوية.

 

 

اللهم ..

 

 

المرفقات

التربية النبوية1.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات