التحذير من الربا وخطره (2)

صالح بن فوزان الفوزان

2016-01-02 - 1437/03/22
عناصر الخطبة
1/ربا مضاعفة الدَّيْن على المعسر وخطر ذلك 2/صور معاصرة من المعاملات الربوية 3/ماهية بيع العينة وسبب تسميته ذلك وصورته 4/صرف العملات بين الحل والحرمة 5/أصناف الملعونين المشاركين في الربا 6/بعض عقوبات التعامل بالربا

اقتباس

نتحدث إليكم في هذه الخطبة عن بيان أنواعٍ من المعاملات الربوية الواقعة بينَ الناسِ اليومَ، ليتجنَّبَها المسلمُ، ويحذَرَ منها خوفاً من عذابِ الله -تعالى-، وابتعاداً عن المكسبِ الخبيث الذي يكونُ وَبالاً على صاحبِه في الدنيا والآخرة. فأحدُ هذه المعاملات الربوية، وأشدُّها، هو: قلبُ الدَّيْنِ على المعسر، إذا حَلَّ، ولم يكن عنده سداد، أو عنده سداد، ولا يريد التسديد، زيدَ عليه الدينُ بكمياتٍ، ونسبةٍ معينة، حسبَ التأخير، وهذا...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله رب العالمين، جَعَلَ في الحلال غُنيةً عن الحرام، وبيَّنَ لعباده تفاصيلَ الأحكام، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله الملك القُدّوسُ السلام، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله خيرُ الأنام، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام.

 

أما بعدُ:

 

أيها المسلمون: اتقوا الله -تعالى-، واجتنبوا ما نَهاكم عنه لعلَّكمُ تُفلحون، يقولُ الله تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة:278].

 

ونحن نتحدث إليكم في هذه الخطبة عن بيان أنواعٍ من المعاملات الربوية الواقعة بينَ الناسِ اليومَ، ليتجنَّبَها المسلمُ، ويحذَرَ منها خوفاً من عذابِ الله -تعالى-، وابتعاداً عن المكسبِ الخبيث الذي يكونُ وَبالاً على صاحبِه في الدنيا والآخرة.

 

فأحدُ هذه المعاملات الربوية، وأشدُّها، هو: قلبُ الدَّيْنِ على المعسر، إذا حَلَّ، ولم يكن عنده سداد أو عنده سداد، ولا يريد التسديد، زيدَ عليه الدينُ بكمياتٍ، ونسبةٍ معينة، حسبَ التأخير، وهذا هو ربا الجاهلية، وهو حرامُ بإجماع المسلمين، وقال الله -تعالى- فيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة:278-280].

 

ففي هذه الآية الكريمة جملةُ تهديدات عن تَعاطي هذا النوع من الربا:

 

أولاً: أنه سبحانه نادَى عبادَه باسمِ الإِيمان: (يا أيُّها الذين آمَنُوا).

 

وقال: (إنّ كُنتم مُؤْمنينَ) فَدلَّ على أن تعاطي هذا النوع لا يليقُ بالمؤمن.

 

ثانياً: قال تعالى: (اتَّقُوا الله)، فَدَلَّ على أنَّ الذي يتعاطى هذا النوع من الربا لا يتقي الله ولا يخافُه.

 

ثالثاً: قال تعالى: (وذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبا) أي: اتركوا، وهذا أمرٌ بترك الربا، والأمرُ يفيد الوجوبَ، فدَلَّ على أنَّ مَنْ يتعاطى الربا قد عَصَى أمر الله.

 

رابعاً: أنه سبحانه أعلنَ الحرب على مَنْ لا يتركُ التعامُلَ بالربا، فقال تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: لم تتركوا الربا: (فَأْذَنُوا بِحَربٍ مِنَ اللهِ ورسولِهِ) أي: اعلموا أنكم تحارِبونَ الله ورسوله، ومَنْ حاربَ الله ورسوله فهو مهزومٌ ولا بدَّ: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)[فاطر:44].

 

خامساً: تسميةُ المرابي: ظالماً، وذلك في قوله تعالى: (فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ).

 

كل هذه التهديدات الربانية صدرت على تعاطي المعاملات الربوية.

 

ومن المعاملات الربوية: القرضُ بالفائدة، بأن يُقرضَه شيئاً بشرطِ أن يُوفيه أكثرَ منه، أو يدفعَ إليه مبلغاً من المال على أن يُوفيه أكثرَ منه بنسبةٍ معينة، كما هو العملُ في البنوك، وهو ربا صريحٌ.

 

فالبنوكُ، تقدم بعقدِ صفقات القروض بينها وبين ذوي الحاجات، وأربابِ التجارات، وأصحاب المصانع والحِرَفِ المختلفة، فتدفَعُ لِهؤلاء مبالغَ من المال نظيرَ فائدة محددة بنسبة مئوية، وتزدادُ هذه النسبة في حالةِ التأخُّرِ عن السداد في الموعد المحدَّدِ، فيجتمعُ في ذلك الربا بنوعيه: ربا الفضل، وربا النسيئة.

 

ومن المعاملاتِ الربوية: ما يجري في البنوك من إيداعٍ بالفائدة، وهي الودائع الثابتة إلى أجلٍ يتصرَّفُ فيها البنكُ إلى تمامه، ويدفَعُ لصاحِبها فائدةً ثابتة بنسبةٍ معينة في المائة عشرة أو خمسة.

 

ومن المعاملاتِ الربوية: بيعُ العينة، وهو أن يبيعَ بثمنٍ مؤجَّلٍ على شخص، ثم يعودُ ويشتريها منه بثمنٍ حالٍّ أقلَّ من الثمنِ المُؤَجل.

 

وسُميت هذه المعاملةُ: بيعَ العينة؛ لأنَّ مشتريَ السلعة إلى أجلِ يأخُذُ بدلَها عيناً، أي: نقداً حاضراً.

 

والبيعُ بهذه الصورة إنما هي حيلةٌ للتوصُّل إلى الربا، وقد جاء النهيُ عن هذه المعاملة في أحاديثَ وآثارٍ كثيرة منها قولُه صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتُم بالعِينةِ، وأخذتُم أذنابَ البقرِ، ورَضيتُم بالزرع، وتركتُم الجهادَ سَلَّطَ الله عليكم ذُلاًّ لا ينزِعُه حتى ترجِعُوا إلى دينِكم" [رواه أبو داود].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناسِ زمانٌ يستحلُّون الربا بالبيعِ".

 

أما إذا اشترى السلعةَ إلى أجلٍ، ثم باعَها على غيرِ مَنْ باعها عليه لينتفعَ بثمنها، فهذه تُسمَّى مسألةَ التورق، وهي جائزةٌ عند الجمهورِ، ويسمِّيها بعضُ العامة بالدينةِ أو الغائبة، ولا بأسَ بها إنْ شاءَ الله لحاجة الناس إليها، لكن بشرطِ أن لا يبيعَ السلعةَ التي استدانها على مَنِ استدانَها منه.

 

أيها المسلمون: احذَروا من دخولِ الربا في معاملاتكم، واختلاطِه بأموالِكم، فإن أكلَ الربا وتعاطِيَه من أكبر الكبائر، وما ظهَرَ الربا والزنى في قومٍ إلا ظهَرَ فيهم الفقرُ والأمراضُ المستعصية، وظلمُ السلطان، وحلولُ الكوارث والإِفلاس.

 

والربا يُهْلِكُ الأموالَ، ويمحَقُ البركات.

 

ولقد شدَّدَ الله الوعيدَ على آكلِ الربا، وجعلَ أكلَه من أفحش الخبائث، وأكبرِ الكبائر، وبيَّنَ عقوبةَ المرابي في الدنيا والآخرة، وأخبرَ أنه محارِبٌ للهِ ولرسوله، فعقوبتُه في الدنيا أنه يمحَقُ بركة المال، ويعرِّضُهُ للتلف والزوال.

 

فكم تسمعون مِنْ تلفِ الأموال العظيمة بالحريقِ والغَرَقِ والفيضانِ، فيصبحُ أهلُها فقراءَ بين الناس، وإن بقيت هذه الأموال الربوية بأيدي أصحابها، فهي ممحوقةٌ البركة، لا ينتفعون منها بشيءٍ إنما يقاسون أتعابَها، ويتحمَّلُون حسابَها، ويُصْلَوْنَ عذابَها.

 

والمرابي مُبْغَضٌ عند الله وعند خلقِه؛ لأنه يأخذُ ولا يعطي، يجمعُ ويمنَعُ، لا ينفقُ ولا يتصدق، شحيحٌ جشِعٌ، جَموعٌ مَنُوعٌ، تنفِرُ منه القلوبُ، وينبِذُه المجتمعُ، وهذه عقوبةٌ عاجلة، عقوبته الآجلة أشدُّ وأبقى، كما بيَّنَها الله في كتابه.

 

وما ذاك إلا؛ لأنَّ الربا مَكْسَبٌ خبيث، وسَحْتٌ ضارٌّ، وكابوسٌ ثقيل على المجتمعاتِ البشرية.

 

ومن أنواعِ الربا: صرفُ المعاملات بعضِها ببعض من غير تقابُضٍ في المجلس، وكذا بيعُ الحلي من الذهب أو الفضة بجنسِه معَ الزيادة في أحد العوَضين: كأنْ يبيعَ الحليَّ من الذهب بحليٍّ من الذهب مع زيادة، بسبب أنَّ أحدَ الحليين أحسنُ من الآخر نوعاً أو صنعةً.

 

ومَنْ أرادَ أن يبيعَ حليّاً رديءَ النوع أو الصنعة بحليٍّ من جنسه أحسنَ منه، فالطريقُ الصحيح: أن يبيعَ الحليَّ الذي لا يرغَبُه بدراهم أو غيرها، ويقبضَ الثمن، ثم يشتريَ به النوعَ الذي يريُده من الحلي الجيد.

 

أمَّا إذا باعَ الحليَّ بغير جنسِه، كأنْ باعَ حليَّ ذهبٍ بحلي فضة أو بدراهم فضة أو دراهم ورقية، فلا بأسَ بالزيادة، لكنْ بشرطِ التقايُضِ في المجلس.

 

وبعض الناس يقعُ في هذا المحذور بحيثُ يشتري الحليَّ من الذهب أو الفضة بدراهم، ولا يسدِّدُ القيمةَ في المجلس، أو لا يسدِّدُها كاملةً، وإنما يسدِّدُها أو يسدِّدُ بقيتها متأخراً، وهذا ربا صريحٌ.

 

وكذا لا يجوزُ بيعُ النوع الجيد من التمر أو البر وغيرهما من الأصناف الربوية بنوعٍ رديءٍ من جنسه أكثرَ منه، كأن يبيعَ الصاعَ من الجيد بصاعين من الرديء فإنَّ هذا هو الربا، والطريق الصحيح أن يبيعَ الرديءَ بدراهم، ثم يشتريَ بالدراهم من الجيد.

 

فاتقوا الله -عباد الله-: واحذَروا التعامل بالربا بجميعِ أنواعه، فإن خطرَه عظيم، وعاقبَته وخيمةٌ.

 

أعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيم: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)  [الطلاق:2-3].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله رب العالمين، جَعَلَ الخير والبركة في الكسبِ الحلال، وأمَرَ بالاستعانةِ به على صالح الأعمال.

وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له الكبير المتعال، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلاماً يتكرران بتكرارِ الغُدُوِّ والآصالِ.

 

أما بعدُ:

 

أيها الناس: اتقوا الله -تعالى-، واعلموا أنَّ ضررَ الربا وإثمَه لا يقتصرانِ على آخذه فقط، بل يستوي في ذلك الآخذُ له، والمعطي له، والمعينُ على أخذه.

 

فقد لَعَنَ النبي -صلى الله عليه وسلم- آكلَ الربا، وموكلَه، وشاهدَيْهِ، وكاتبَه.

 

فاللعنةُ شملت الأربعةَ، لتعاوُنِهم على الإِثم والعدوان، فالذي يقترضُ بالفائدةِ، ويدفعُها ملعون، والذي يقرضُ بها، ويأخذُها ملعونٌ، والكاتبُ الذي يكتبُ عقودَ الربا ملعونٌ، وكذلك الموظَّفُ الذي يشتغلُ بالبنوكِ، والمؤسَّسات الربوية، تشملُه اللعنة والإِثمُ.

 

والجميع محاربون للهِ ولرسوله.

 

فقد أعلن الله الحربَ منه ومن رسوله على المرابين، ومَنْ حاربه الله ورسوله، فهو مهزومٌ.

 

أرأيتم -ولله المثل الأعلى- لو أنَّ دولةً قوية تملكُ مختلفَ الأسلحة الفتاكة، أعلنَتِ الحربَ على دولةٍ ضعيفة لا تملكُ شيئاً من السلاح، ماذا سيكونُ من الدولةِ الضعيفة المهدَّدةِ من الخوفِ والقلق، وعدمِ الاستقرار، فإن كانَ هذا الخوفُ من المخلوق، فكيفَ الخوفُ من الخالق العظيم الذي لا يُعجِزُه شيءٌ، الذي له جنود السماوات والأرض التي لا يعلَمُها إلا هو؟

 

فقد يُسَلِّطُ على المرابين أنواعاً من جنوده التي يرونها أو لا يرونها؛ فقد يُسَلِّطُ العبادَ بعضَهم على بعض، ويلهمُهم اختراعَ الأسلحة الفتاكة المدمرة التي تهدِّدُ البشرية بالفناء والدمار، كما هو الواقعُ اليوم، حتى إنَّ مخترعي تلك الأسلحة وممتلكيها يخافُون منها أكثرَ من غيرهم.

 

وقد يُسَلِّطُ الله الأمراض الفتاكة التي لم يُعْثَرْ لها على علاجٍ، فتأكلُ المجتمعات، كما هو الواقعُ الآن من حدوثِ هذه الأمراض التي لم تكن في أسلافِنا الذين مَضَوْا.

 

وقد يُسَلِّطُ الله الجرادَ والبعوض والحشرات، فتأكلُ المحاصيلَ، وتُقلقُ راحةَ السكان، ولا يستطيعون مدافعتها بأيِّ وسيلة.

 

وقد يُسلِّطُ الله الجبابرةَ والأحزاب على الشعوب، فتسلبُ أموالَها، وتُقلق أمنَها، وتسومُها سوءَ العذاب.

 

وقد يُسلِّطُ الله على الأموال ما يُتلفُها من الكوارثِ كالفيضانات والغَرَقِ والحرائق وكسادِ الأسعار، وغير ذلك من أنواع النقص.

 

وقد يعاقبُ الله الناسَ بانحباس الأمطارِ، وغَوْرِ الآبار، وقلةِ المياه أو انعدامها، فينشأُ عن ذلك هلاكُ الزروع والأشجار والمراعي، وغلاءُ الأسعار، وغيرُ ذلك من الأضرار.

 

وجنودُ الله التي يسلطها على مَنْ حاربه كثيرةٌ ومتنوعةٌ لا يعلَمُها إلا هو، قال تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) [الأنعام:65].

 

فاتقوا الله -عباد الله-، واحذَرُوا موجباتِ غضبه وعقابِه.

 

واعلمُوا أنَّ خيرَ الحديث كتاب الله ...

 

 

المرفقات

من الربا وخطره (2)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات