التحذير من إطلاق اللسان

محمد بن صالح بن عثيمين

2015-10-07 - 1436/12/24
عناصر الخطبة
1/إحصاء حسنات وسيئات الإنسان ووقوع الناس في أخطاء اللسان تساهلا 2/خطر اللعن وعقوبته 3/خطر السب وذمه 4/خطر الغيبة وماهيتها 5/خطر تتبع عورات الناس وزلاتهم 6/محاسبة النفس على الأقوال والأفعال

اقتباس

اعلموا: أنه ما من أحد منكم إلا وقد وكل الله به ملكين أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال، أحدهما مأمور بكتب الحسنات، والثاني مأمور بكتب السيئات، فما تلفظون من قول ولا تعملون من عمل إلا كتب عليكم، وأحصي عليكم، إحصاء لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، سواء تلفظتم بذلك جهرا وسرا، و...

 

 

 

الخطبة الأولى:
 
الحمد لله الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق: 17 - 18].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء شهيد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أشرف العبيد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد، وسلم تسليما.
 
أما بعد:
 
أيها الناس: اتقوا الله -تعالى-، واعلموا: أنه ما من أحد منكم إلا وقد وكل الله به ملكين أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال، أحدهما مأمور بكتب الحسنات، والثاني مأمور بكتب السيئات، فما تلفظون من قول ولا تعملون من عمل إلا كتب عليكم، وأحصي عليكم، إحصاء لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، سواء تلفظتم بذلك جهرا وسرا، وسواء فعلتم الفعل خفية أو علانية، فكل ذلك يكتب عليكم ويحصى، ثم تنبئون بما عملتم يوم القيامة، ويعطى كل إنسان كتـابه، فيقـال: (اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)[الإسراء: 14].
 
فطوبى لعبد ملأ كتابه بالخير والأعمال الصالحات، وبؤس لمن سود كتابه بالشر والأعمال السيئات.
 
أيها الناس: كلنا نؤمن بذلك إن شاء الله نؤمن بأن ما عملنا من قول أو فعل، فإنه مكتوب محصى، سواء كان صغيرا أم كبيرا.
 
ولكن الكثير منا يعملون العمل جزافا؛ كأنه غير مكتوب عليهم.
 
يطلقون الكلام القبيح من غير مبالاة، يلعنون من لا يستحق اللعن، تجد الواحد منهم يلعن أخاه المسلم، وربما لعن أخاه لأبيه وأمه، وربما لعن ولده أو أمه أو أباه، وهذا غاية ما يكون من الجهل والحماقة؛ فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة"[مسلم (2598) أبو داود (4907) أحمد (6/448)].
 
وفي الحديث عنه أنه قال: "إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها"[أبو داود (4905)].
 
وتجد الواحد من الناس يسب أخاه عند المخاصمة سبا قبيحا، قد يكون متصفا به، وقد يكـون غير متصف به، وفي الحديـث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قـال: "المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم"[مسلم(2587) أحمد (2/517)].
 
يعني أن إثم المتسابين يكون على من ابتدأ السب أولا إلا أن يعتدي المظلوم.
 
وتجد بعض الناس يتكلم بأخيه بما يكره، وهو غير حاضر فيسبه في غيبته، وهذه هي الغيبة التي شاعت عند كثير من الناس، وتهاونوا بها مع أنها من كبائر الذنوب، وقد شبه الله من يغتاب الرجل بمن يأكل لحمه ميتا.
 
وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته"[أبو داود (4880) أحمد (4/424)].
 
وفي حديث آخر: "يفضحه ولو في جوف رحله"[الترمذي (2032)].
 
أيها الناس: ما أكثر هؤلاء اليوم ما أكثر من يتتبعون عورات الناس، ويتطلبون زلاتهم، فإذا رأوا زلة من أحد فرحوا بها ونشروها، وإذا رأوا استقامة ومفخرة كتموها وحملوها على غير محملها، وهؤلاء هم الذين عناهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم"[أبو داود (4880) أحمد (4/424)].
 
فاتقوا الله -أيها المسلمون-: وحاسبوا أنفسكم على ما تقولون وما تفعلون، فإنكم عن ذلك مسؤولون، وعليه محاسبون: (وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)[النحل: 19].
 
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)[الانفطار: 9 - 12].
 
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ... الخ ...

 

 

 

المرفقات

من إطلاق اللسان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات