التجديد في الدنيا والدين

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-08-22 - 1436/11/07
التصنيفات: الخلق والآفاق
عناصر الخطبة
1/التجديد من طبيعة الحياة 2/التجديد في جسم الإنسان وطعامه ولباسه 3/التجديد في أحوال الإنسان 4/التجديد في الكون 5/التجديد في أعمال الإنسان 6/التجديد في الأزمنة 7/التجديد في عذاب أهل النار وعدم انقطاعه 8/أطوار ومراحل التجديد في حياة الإنسان

اقتباس

شمسُ اليومِ ليست هي شمسَ أمسِ، لقد تجددَّت بما فقدت من أشعة وإضاءة، لقد تركَت مكانَها سابحةً في هذا الكون؛ لتصل إلى مستقرِّها، وكذلك القمر في تجدُّده وتغيُّره. والإنسان يتجدَّد في بدنه وجسمه، ويجدِّدُ أعمالَه وأفعالَه، فمَن كان من أهل السعادةِ؛ فهو في عبادةٍ متجددةٍ إلى...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد الله الذي جعل الجديدين يتسابقان، والقمرين يجريان، و (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [الرحمن: 5].

وجعل الزوجين ينجبان: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29].

وبيده الميزان، يخفض أقواما ويرفع آخرين، في كل وقت وآن.

والصلاةُ والسلامُ على محمَّدِ بنِ عبد الله، سيدِ ولدِ عدنان، الذي شهد له بالرسالة الثقلان، وأقرَّ بنبوته الإنس والجان، إلاَّ مَن كُتب عليه الشقاوة من أهل الكفر والجحود والنكران.

ورضي الله -تعالى- عن آل بيته الطيبين الأطهار، وأصحابِه الأخيار، في كل وقت وزمان، وعلى من اهتدى بهديهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الوقوف بين يدي الملك الديَّان.

 

أما بعد:

 

ما من زمن يمرّ؛ إلا وهناك تجديدٌ مستمرّ، فاليومَ ليس هو الأمس وليس هو الغد، فالتجديد في الزمن يشمل اللحظاتِ والثواني، والدقائقَ والساعاتِ، والتجديدُ يعُمُّ الأيامَ والشهور، والسنينَ والدهور، ففي كلِّ يومٍ جديد؛ شمسٌ جديدة، تشرق على الأرض، بأشعة جديدة، في يومٍ جديد، على أناس جُدُدٍ، وكائناتٍ جديدة.

 

أخي في دين الله: أنت اليوم لستَ أنت بالأمس، فقد زاد عمُرُك عن أمسِك ساعات، وتجدَّدَت في جسمك خلايا، وهلكت أُخْريات، وإن كنتَ لا تلاحظُ ذلك إلا على المدى الطويل: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) [نوح: 14].

 

فأنت بالأمس كنت طفلاً ضعيفا، واليوم شابًّا قويًّا، وغدًا كهلاً وشيخًا: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) [الروم: 54].

 

لو نظرت إلى نفسك قبل عشر سنين في صورة؛ فهل هي هي صورتُك الآن أو بعد عشر سنين؟! وها أنت تجدِّد طعامَك وشرابَك، ولباسَك وثيابَك، عن عبد الله بن عمر قال: رَأَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثَوْبًا، فَقَالَ: "غَسِيلٌ ثَوْبُكَ هَذَا أَمْ جَدِيدٌ؟" قَالَ: "بَلْ جَدِيدٌ" فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الْبَسْ جَدِيدًا، وَعِشْ حَمِيدًا، وَمُتْ شَهِيدًا، وَيُعْطِيكَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قُرَّةَ عَيْنٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" [أخرجه أحمد والطبرانى، وابن ماجة، وعبد بن حميد (723)، والنسائي في الكبرى، وابن حبان، السلسلة الصحيحة (352)].

 

يتجدَّدُ حال الإنسان من بين ضحك وبكاء، قال تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) [النجم: 43 - 44].

 

ويتجدَّد بين حزن وفرح، يفرح برحمة الله وفضله، ويحزن ويقنط عند المصيبة، والابتلاء، قال سبحانه: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم: 36].

 

وتتجدَّد الحركةُ إلى السكون وبالعكس، قال سبحانه: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الأنعام: 13].

 

وقال: (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [الأنعام: 96].

 

ومن النوم إلى يقظة وبالعكس، قال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) [الفرقان: 47].

 

إنه الكون المتجدد؛ ليلٌ ونهار، وشموسٌ وأقمار، وجبالٌ ووهاد، ورياحٌ وأمطار، وصحاري وسهول، ونباتاتٌ وأشجار، كلُّها في تجديد، قال سبحانه: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) [النبأ: 6- 16].

 

سماءٌ وأرض، وليلٌ يجري وراء نهار، وشموسٌ مسخراتٌ، ونجومٌ وأقمار: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 54].

 

التجددُ مستمرُّ ودؤوب: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) [إبراهيم: 33].

 

لقد تجدَّد يومُك عن أمسِك؛ فزادت الطاعات، وكثرُت الحسنات، وعظمُت الخيرات.

 

وغيرُك من المقصرين تجددَّت عليهم المعاصي والسيئات، والذنوبُ والخطايا، وكثرُت شرورُهم، وعظُم غرورُهم، وازداد عن الخيرِ نفورُهم.

 

فالدنيا كلها في تجديد، فقول القائل: "لا جديد تحت الشمس" غير صحيح من هذه الناحية، وإلا فأين الآباء والأجداد؟ وأين ما كان من عمار قبل الدمار؟

 

وشمسُ اليومِ ليست هي شمسَ أمسِ، لقد تجددَّت بما فقدت من أشعة وإضاءة، لقد تركَت مكانَها سابحةً في هذا الكون؛ لتصل إلى مستقرِّها، وكذلك القمر في تجدُّده وتغيُّره: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس: 38- 40].

 

الإنسان يتجدَّد في بدنه وجسمه، ويجدِّدُ أعمالَه وأفعالَه، فمَن كان من أهل السعادةِ؛ فهو في عبادةٍ متجددةٍ إلى الموت: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 98 - 99].

 

فجدِّد إيمانك وتوحيدك، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الإيمانَ ليَخْلَقُ -أي يصبح باليًا قديما- في جوفِ أحدِكم كما يخلَقُ الثوبُ الخَلِقِ، فاسألوا الله أن يجدِّدَ الإيمانَ في قلوبكم" [الطبراني، والحاكم، عن ابن عمرو (1590) صحيح الجامع].

 

فكلما أخطأ وعصى أحدث توبة واستغفارا، وأثار في أركانه وجوارحه للطاعات والقُرُبات استنفارا، فمثلا صفة الكذب صفة شنيعة وخلق ذميم، فلا بد من تركه وتغييره بالصدق في القول والعمل، عَائِشَةَ -رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "مَا كَانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْكَذِبِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْكَذْبَةَ فَمَا تَزَالُ فِى نَفْسِهِ عَلَيْهِ؛ حَتَّى يَعَلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً".

 

وفي رواية: "ما كان شيءٌ أبغضَ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الكَذِب، وما جرَّبَه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحدٍ وإنْ قلَّ؛ فيخرجُ لهُ من نفسِه حتى يجددَ له توبةً" [رواه أحمد والبزار وابن حبان، ورواه الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد" انظر الروايات: في صحيح الترغيب والترهيب (3/73) ح(2941)].

 

جدِّد تقوى الله في قلبك، وأكثر من الحسنات بعد السيئات، وتعامل مع الناس بالأخلاق الحسنة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" [الترمذي، عَنْ أَبِي ذَرٍّ].

 

ففي كل لحظة يجدِّد ذكره وتسبيحه لله، وفي كلِّ وقتٍ تتجدد له صلاةٌ وصدقة وصيام، وكلٌ عامٍ يتجدد شوقُه إلى بلد الله الحرام، بحجٍّ أو عمرة، وهناك في مكة المكرمة؛ تُجَدَّدُ له شحناتٌ من الإيمان، ويزداد إخلاصاً في التوحيد، وينشط رغبةً في الطاعات، وإقبالاً على فعل الخيرات، ويزهد في المعاصي والمخالفات، ويُعرض عن الشرور والموبقات والمحرمات، هذا التجديدُ نتيجةً لممارسةِ عبادةِ الحج؛ حيث عاين بيتَ الله الحرام، وشاهدَ المشاعرَ المقدسة، لقد تجدَّدَت في عينيه رؤيةُ المسجدِ الحرام، والكعبةِ المشرفة، وأرضِ منىً وعرفةَ ومزدلفة، وتجدَّدت في أذنيه ما سمعه وما جرى على لسانه من تلبيةٍ وتكبيرٍ وذكر، وما تجدَّدَ بأركانه من صلاة وسير من مشعر إلى مشعر، ومن منسك إلى منسك، ومن الرجم إلى الحلق، إلى ذبح الهدي أو نحره: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: 2].

 

أحببْ لغيرك ما تحب لنفسكا *** واترك أذى أبناء جنسك تُحمدِ

الذّلّ في طلب الإفادة عزّة *** فاحرص على نيل الإفادة ترشد

إن التعزّز في الذي تحتاجه *** كبرٌ وكبرُ المرء أقبح مقصد

تغرَّب عن الأوطان في طلب العلى *** وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرُّج همٍّ واكتساب معيشة *** وعلم وآداب وصحبة ماجد

 

ويرجع إلى بلاده ووطنه، ويتجدد اللقاء، بالأهل والعشيرة، والأصحاب والأخلاء.

 

قال رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا" [أبو داود (4291) والحاكم (4/522) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ].

 

قال الألباني: "أشار الإمام أحمد إلى صحة الحديث؛ فقد ذكر الذهبي في سير الأعلام: قال أحمد بن حنبل من طُرُق عنه: إنّ اللهَ يقيِّض للناس في رأس كل مائة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الكذب، قال: فنظرنا؛ فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي" [انظر: السلسلة الصحيحة، ح(599)

 

الذي قال:

 

تموتُ الأُسْدُ في الغاباتِ جُوعاً *** ولَحْمُ الضأنِ تأكلُهُ الكِلابُ

وعبدٌ قد ينامُ على حريرٍ *** وذو نَسَبٍ مَفَرِشُه الترابُ

أرى حُمُراً ترعى وتُعلَفُ ما تهوى *** وأُسْداً جياعاً تظمأ الدهرَ لا تروى

وأشرافُ قومٍ لا ينالونَ قوتَهمْ *** وقوماً لئاماً تأكلُ المنَّ والسَّلْوى

قضاءٌ لدياَّنِ الخلائقِ سابقٌ *** وليس على مُرِّ القضاءِ أحدٌ يَقْوى

 

ويتجدد الزمان؛ ويوم الجمعة قبل أسبوعين، كانت غُرَّةَ شهرِ الله الحرام؛ محرَّمٍ لعام ألفٍ وأربعِمائة وواحدٍ وثلاثين من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، يأتي يوم جديد، في شهر جديد، في عام جديد، ومن عمر جديد، لمن أراد الله، وإنهاء عُمُرِ من شاء الله، علِمْنا ما أسلفْنا في عامنا المنصرم، فماذا نحن عاملون في عامنا الجديد، إن كتب الله سبحانه لنا العمرَ المديد؟ هل سنجدِّدُ العهدَ مع الله بطاعته وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟ أم سنجدِّدُ المعاصيَ والذنوب؟ ونعاندُ ونتمرَّدُ ولا نتوب؟ ونبتدعُ احتفالاتٍ بالعامِ الهجريِّ والعامِ الميلاديِّ والمولدِ النبويِّ؛ ونتخذُها أعيادا ما أنزل الله بها من سلطان؟ ولا دليلَ يدلُّ عليها ولا برهان؟

 

هل سنجدِّد الألفة والمحبة والمودة التي وجدناها في الحج مع أبناء شعبنا وأمتنا في هذا العام؟ أم سيكون التجديدُ للاختلافِ والكراهيةِ والأنانيةِ وحبِّ الذات؟ هل سيكونُ التجديدُ للتصالحِ والتسامحِ والتقارُبِ لله؟ أم يكونُ للتباعدِ والتخاصمِ والتقاتلِ والتناحرِ من أجل شهواتٍ آنيَّة، ودنيا فانية؟

 

نسأل الله -تعالى- أن يهدينا سبل الرشاد، والاستعداد ليوم المعاد.

 

 

الخطبة الثانية:

 

فلنحذر أن نكون من أهل النيران -والعياذ بالله-، الذين لا يرعوون عن المعاصي والذنوب، ويتفنَّنُون في أنواع الكفر والشرك بالله -تعالى-؛ فيتجدَّد عليهم العذاب والنكال: (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) [ص: 56- 58].

 

فهم في عذاب مستمر ومتجدد: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: 56].

 

لامٌ لا تنقطع، وعذابٌ لا ينتهي، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر: 36 - 37].

 

والزيادة متجددة، ولا تزداد من العذاب إلا العذاب: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل: 88].

 

أي بسبب إفسادهم في الحياة الدنيا.

 

والنار في تجدد ومزيد: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) [الإسراء: 97].

 

إن الكفار منكري البعث والنشور، والقيام من القبور؛ يتعجبون تعجُّب إنكار وعناد وتكذيب، ويسألون هل يتجدد الخلق بعد الموت؟ قال سبحانه: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الرعد: 5].

 

إن الله قادر على الذهاب بالكفار والمعاندين، والإتيان بخلق جديد، قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) [إبراهيم: 19 - 20].

 

وينكرون تجديد الخلق مرة أخرى من بعد الموت: (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا *  قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) [الإسراء: 49 - 51].

 

(أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) [ق: 15].

 

"ليس الأمر كذلك، فلم نعجز ونعي عن ذلك، وليسوا في شك من ذلك، وإنما هم في لبس من خلق جديد هذا الذي شكُّوا فيه، والتبس عليهم أمره، مع أنه لا محل للبس فيه، لأن الإعادة أهون من الابتداء، كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: 27] [تفسير السعدي (1/ 804)].

 

عباد الله: كم كانت فرحةُ الحجيجِ عندما أُخبِروا بموعدِ رحيلهم إلى ديارهم وأوطانهم، ورجوعهم إلى أهليهم وذويهم! وهم قد أدَّوا ما عليهم من عبادة تجاه ربهم!.

 

بالله عليكم: كم تكون فرحتكم عندما تُخبَرون بموطنكم الدائم ومستقركم، وتنادون: (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ) [الحجر: 46].

 

ويناديكم الرحمن الرحيم: (يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) [الزخرف: 68].

 

لقد كان كثير من الحجيج يتيهون عن منازلهم في مكة أو منى، أو عرفة أو مزدلفة، وهم بضعةُ ملايين، قد لا يصلون إلى خمسة ملايين؛ فأين يذهب المؤمن ليبحث عن منـزله في الجنة يوم القيامة، من بين ملايين الملايين من سكان الجنة؟

 

والجواب في قوله تعالى: (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) [محمد: 5 - 6].

 

ويتجدد الأمر بالإنسان من الحياة إلى الموت، إلى البرزخ، ويبقى يتنقل من طور إلى طور، ومن البرزخ إلى البعث والنشور والحساب، إلى الميزان والصحف والثواب والعقاب، إلى الصراط والقنطرة والدرجات في الجنات، أو -والعياذ بالله- إلى النيرانِ والدركات، وألوانٍ شتى من العذاب.

 

وفي الجنات النعيم متجدد، فمن لذة المطعم إلى لذة المشرب إلى لذة المنكح، إلى لذة النظر إلى وجهه الكريم، لذةُ النظر إلى وجهه الكريم تفوق وتعمُّ وتطغى على كل لذة!.

 

فاللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، اللهم آمين!.

 

 

المرفقات

في الدنيا والدين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات