التجار الأبرار

محمد بن عبد الله الإمام

2017-04-01 - 1438/07/04
عناصر الخطبة
1/ أهمية التجارة وحكمها في الإسلام 2/ أقسام التجار وأنواعهم 3/ خصائص التجار الأبرار وصفاتهم 4/ من أعظم أسباب رزق العباد 5/ وجوب التفقه في أحكام التجارة 6/ التجار سفراء الإسلام

اقتباس

تعلمون معاشر المسلمين أن الله -عز وجل- قد أباح للمسلمين التجارة في كتابه، وأباحها لهم نبيهم في سنته -عليه الصلاة والسلام- وصار هذا من الأمر المعلوم من الإسلام بالضرورة، وقام الإجماع على إباحة التجارة وشرعية التجارة للمسلمين، وتعلمون أن الله -عز وجل- لا يبيح لعباده شيئًا إلا لما فيه من المصالح والمنافع العامة والخاصة، ألا وإن التجارة الإسلامية فيها إقامة الدين، وفيها صلاح الدنيا، وفيها حفظ نظام الإسلام هذا مجمل ما فيها، وأما التفاصيل فسيأتي شيء من ذلك في الخطبة...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

تعلمون معاشر المسلمين أن الله -عز وجل- قد أباح للمسلمين التجارة في كتابه، وأباحها لهم نبيهم في سنته -عليه الصلاة والسلام- وصار هذا من الأمر المعلوم من الإسلام بالضرورة، وقام الإجماع على إباحة التجارة وشرعية التجارة للمسلمين، وتعلمون أن الله -عز وجل- لا يبيح لعباده شيئًا إلا لما فيه من المصالح والمنافع العامة والخاصة، ألا وإن التجارة الإسلامية فيها إقامة الدين، وفيها صلاح الدنيا، وفيها حفظ نظام الإسلام هذا مجمل ما فيها، وأما التفاصيل فسيأتي شيء من ذلك في الخطبة، ألا وإن هذه التجارة يتحقق فيها ما سمعتم عن طريق التجار الأبرار.

 

والتجار ينقسمون إلى قسمين: تجار أبرار وتجار فجار، وفي خطبتنا هذه وموقفنا هذا نذكر نبذة عن التجار الأبرار الذين يتحقق على أيديهم الخير العظيم والنفع العميم ويتحقق على أيديهم إصلاح عظيم بحمد الله رب العالمين.

 

معاشر المسلمين: إن الله -عز وجل- يتفضل على من يشاء بما يشاء مما يخص به من يشاء من العباد مما يفضلهم به ويكرمهم ويزيدهم نعمة وإنعامًا، ويزيدهم توفيقًا وسدادًا وهداية وفتحًا.

 

ألا وإن التجار الأبرار ممن فتح الله عليهم بفتح من عنده وأكرمهم لله بما أكرمهم به فضله وإحسانه، وأعطاهم وزادهم، وخصهم بما حرم منه كثيرًا من الناس؛ فالتجارة متى كان القائمون عليها أبرارًا أبشر بالمنافع العظيمة أولاً للتجار أنفسهم، فمعشر التجار بحاجة إلى أن يعرفوا ويتفقهوا فيما يجعلهم تجارًا أبرارًا وتجارًا أخيارًا وتجارًا مع الله وتجارًا في خدمة الإسلام، وتجارًا في التعاون على البر والتقوى وتجارًا في دفع المكاره والغصص التي تنزل بمن تنزل بهم من الناس.

 

معاشر المسلمين: ربنا بيَّن لنا ما بيَّن في كتابه من صفات هؤلاء ورسولنا الكريم بين ما بين وفهم السلف ما فهموا من كتاب ربهم وسنة نبيهم ودونكم ذلك، قال ربنا في كتابه الكريم: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) [النور: 36- 38].

 

ربنا -جل شأنه- لما أخبر عن العامرين لبيوته قد يظن الظان أنهم الذين ليس لهم تجارة ولا زراعة ولا إدارة لا ليس الأمر مقصورًا على هؤلاء، وإنما ربنا جعل بيان ذلك بقوله (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ) أي هم تجار يتجرون، وقد تكون تجارة أحدهم تملأ الدنيا قد تكون تجارته بحمد الله في كثير من الأقطار الإسلامية، ومع هذا لا تلهيهم تجارتهم عن ذكر الله -عز وجل-.

 

فهذه الآية بيَّنت أن التجار الذين يتجرون مع الله أنهم يقيمون دينه وشرعه، وهم من أحرص الناس على القيام به قال: (لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ)، وقد يقول القائل: وما الفرق بين التجارة والبيع؟ والجواب أن التجارة أعمّ من البيع فذكر الله الأعم وما ليس بأعم فقال (لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ) فعم الذكر.

 

وكذلك بعدها (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) جاء التخصيص أنهم يقيمون الدين كله عمومًا وخصوصًا عبادات ظاهرة وعبادات باطنة، قال (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ) ما الذي جعلهم يعيشون لدينهم ويقومون بطاعة ربهم على أكمل وجه وأحسن أداء قال (يَخَافُونَ يَوْمًا) خوفهم من ربهم ومن يوم لقائه يوم العرض عليه ويوم الوقوف بين يديك ويوم السؤال والجواب ويوم الفضائح والعقاب والحساب في ذلك اليوم، إنه لخوفهم الذي منحهم الله ويسَّره لهم، إنهم يخافون فلا يريدون أبداً ولا يقبلون التفريط في أمر الدين فمن كان تاجرًا يريد الخير بتجارته فتجده يعلم أنه تاجر مع الله -عز وجل- قبل أن يكون تاجرًا مع النفس أو مع الهوى شيطان بل لا يقبل أبداً أن يكون تاجرًا مع الله ولا مع نفسه الأمارة بالسوء ولا مع ما يزينه الشيطان له من الشر مما يزينه الشيطان تجار مع الله رب العالمين سبحانه.

 

ودعا الله -عز وجل- التجار وغيرهم إلى الإكثار من ذكره في حال الضرب في الأرض من أجل التجارة قال في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: 9- 10].

 

فدعاهم إلى الإكثار من ذِكْره في حال الضرب في الأرض من أجل الحصول على الكسب والأرزاق في التجارة وغيرها، وما أدراك ما عظمة هذا الذكر الذي يذكر الله المسلم به وهو في حال أسفاره وفي حله وترحاله وهو في حال البحث عن الأرزاق والتوصل إلى الأرباح والوصول إلى السلع والتجارة الرابحة هذا الذكر له شأن، وأي شأن! فقد أخرج الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن أبي الدنيا وغيرهم عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن نوحًا عليه السلام لما أدركته الوفاة قال لابنه: "يا بني أوصيك باثنتين بلا إله إلا الله"، قال: "وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل حي".

 

انظر إلى عظمة ذكر الله -عز وجل- فهذا التسبيح الذي هو تنزيه للخالق تنزيه للكريم الرحيم البارّ بعباده عما لا يليق به هذا التسبيح جعله الله -عز وجل- من أعظم أسباب رزق العباد أيرضى المسلم أن يكون محرومًا من ذكر الله عندما يكون مزاولاً لأعمال تجارية أو زراعية أو إدارية أو غير ذلك من الأعمال، أيرضى عاقل هذا، وما يضيرك يا مسلم لو ذكرت الله وذكر الله بقلبك ولسانك والأعمال الدنيوية تزاول بالجوارح الأخرى باليدين وغيرهما، فهذا الذكر له شأن وأي شأن في إصلاح التجار، وفي إصلاح قلوبهم، وفي اتصالهم بخالقهم وبارئهم، إنه ذكر الله إنه الدواء إنه الشفاء إنه الغذاء إنه السبب العظيم في طرد الآفات والأمراض التي تفتك بقلوب أصحابها.

 

معاشر المسلمين: الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال كما جاء عن معاذ أنه قال له، قال: "اذكر الله عند كل شجر وعند كل حجر"، فقد جاء من حديث جابر  قال كنا مع رسول الله إذا صعدنا كبرنا -أي الجبال- وإذا نزلنا سبحنا -أي هبطنا في الوديان- " هذه أذكار..

 

وكذلك قد جاء من حديث ابن عمر وغيره التكبير والتهليل عل كل شَرَف من الأرض، والشرف هو المكان المرتفع، فالمسلم عندما يكون مع الله واثقًا به متعلقًا بدينه راضيًا بشرعه مسلمًا لحكمه إنه لا يرضى أبداً أن يكون أسيرًا للشيطان، ولا يرضى أن تستميله المطالب الدنيوية وأن تذهب به بعيدا عن صلته بخالقه وببارئه.

 

معاشر المسلمين: التجار الأبرار سمعتم أنهم يكثرون من ذكر الله في حال تجارتهم ما حالة تجارتهم بنيهم وبين دينهم بينهم وبين ربهم بينهم وبين ما ينفعهم عند الله قبل خلقه.

 

التجار الأبرار جعل الله -عز وجل- تجارتهم جهادًا في سبيله فقد روى الطبراني وغيره من حديث كعب بن عجرة أن شابًّا مر على مجموعة من الصحابة عند رسول الله فرأوه جلدًا قويًّا، فقالوا: يا ليت هذا في سبيل الله، أي ليته يقاتل الكفار في سبيل الله، فقال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: "إن كان خرج يطلب رزقًا ليعفَّ نفسه فهو في سبيل الله، وإن كان خرج من أجل أبوين كبيرين فهو في سبيل الله" أي: من أجل النفقة عليهما، "وإن كان خرج من أجل الصبيان فهو سبيل الله وإن كان خرج رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان".

 

فهنيئًا لمن كانت تجارته للبر وللإحسان للبذل والعطاء بالأرحام بالمساكين بالأيتام للفقراء يبر بمن يستطيع أن يبر بهم من الناس من الأقربين والأبعدين حسب ما تتحقق بذلك المصالح.

 

فطلب الرزق الحلال من الجهاد في سبيل الله، وقد صار في عصرنا هذا الطلب من أكبر الجهاد، وذلك لكثرة الغفلة عن البحث عن الحلال وكفى فكثر التخبط عند كثير من المسلمين في أمر طلب الحلال حتى وقع من وقع في الحرام وبالشبهات وبالآثام عياذًا بالله فهنيئًا من كان مقصده في تجارته الحلال لا الحرام مقصده انه يفعل الخير لا يفعل الشر، أنه يعطي ويبذل في مرضاة رب العالمين سبحانه وتعالى.

 

ولله در سفيان الثوري -رحمه الله- فقد أخرج وهو أثر صحيح عن سفيان أنه قال "عليك بعمل الأبطال كسب الحلال والإنفاق على العيال"، فالإنفاق على العيال من الكسب الحلال هو عمل الأبطال والشجعان الذين يقفون عند حدود الله ولا يستجيبون للمطالب ولا يسلكون الطرق التي حرمها الله لا يسايرون الناس على ما يريده الناس من الأهواء في التجارة ومن الورطات في المحرمات والوقوع في المنكرات، فيا عباد الله حققوا هذا السير المبارك.

 

ومن عجيب ما صح عند الحافظ بن أبي شيبة وعند المؤرخ عمر بن شبة -رحمهما الله- عن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "كتب عليكم من الأسفار ثلاثة؛ السفر إلى الحج، والسفر إلى العمرة، والسفر إلى طلب الرزق".

 

وقال عمر -رضي الله عنه-: "ولئن يموت أحد وهو في طلب الرزق إني لأراها لشهادة له"، أي: يلقى الله شهيدًا لأنه يبحث عما تقوم به السماوات والأرض وهو الحلال، احذروا الحرام، فالحرام مثل السم كما أن السم يتلف الأبدان فالحرام يتلف الأديان ويتلف الأموال أيضًا عياذًا بالله.

 

فيا معشر المسلمين: إن التجارة الرابحة دنيًا وأخرى هي التجارة التي رضي أهلها والقائمون بها رضوا بشريعة الإسلام أن تحكمهم في تجارتهم ولم يجعلوها تجارة تابعة للهوى، احذروا الوقوع فيما يغضب الله سبحانه.

 

ومن عظيم قوة التجار الأبرار: التوكل على الله، الله مالك الأرزاق ومدبر الأحوال وميسر الأمور والآخذ بالنواصي -سبحانه وتعالى-، أخرج الإمام الترمذي والإمام أحمد وغيرهما عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" أي تغدو جائعة وترجع وقد نالت الرزق وشبعت.

 

انظروا إلى التوكل على الله ما أعظم ما يسببه لصاحبه من المنافع، وتيسير الأرزاق حتى يرزق الشخص من حيث لا يحتسب، هذا متى؟ عند التوكل على الله، وعند تقوى الله ومراقبة الله -سبحانه وتعالى-.

 

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في هذا الحديث قال: "هو أصل في التوكل على الله في كسب الأرزاق".

 

أيها المسلم لا تعتمد إلا على من له الأمر كله وبيده الخير كله على من يقول للشيء كن فيكون، إياك إياك أن تعتمد على رأيك وعلى ذكائك، وعلى خبرتك، وعلى قوتك وعلى حيلك، احذر هذا، إن الأمر لله والتدبير من عند الله، والتيسير يأتي من قبل الله، فمن أراد تيسير الأرزاق، من أراد أن يفتح الله عليه بالمال والعطاء والبركة في أرزاقه فيحتاج إلى هذه الصلة بخالقه وبارئه.

 

التوكل على الله هو الاعتماد عليه لا على غيره، والثقة به لا بغيره، وحسن الظن به لا بغيره وهو تفويض الأمر وتسليم الأمر إليه فإننا عبيد له -سبحانه وتعالى-.

 

فما أحوج التجار إلى أن يكونوا على هذه العبادات العظيمة العبادات الكبرى العبادات العظمى التي هي من أعظم الفرائض، ومن أوجب الواجبات، ومن أكبر الطاعات التوكل على الله الثقة بالله، الخوف من الله، الرجاء في الله، الخضوع لشرع الله -عز وجل- الرغبة فيما عند الله، الرهبة مما عند الله، وغير ذلكم من أنواع العبادات التي تجعل أصحابها من الأخيار الأبرار ومن الفائزين ومن المفلحين بإذن الله رب العالمين.

 

فيا معشر المسلمين لينظر كل مسلم أين هو من هذا، ألا وإن مما جاءت به السنة المطهرة في بيان التجار الأخيار، فقد روى الإمام الدارمي، وهكذا أيضًا ابن ماجه وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري، وقد جاء من حديث أبي هريرة أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة".

 

انظر العواقب الآن في الآخرة سمعتم خيرات الدنيا ينالها التجار الأبرار وهناك ما هو أعظم وأدوم وأبقى ألا وهو ما يعطى هذا الصنف في الآخرة، قال: "التاجر" ما صفة هذا التاجر، تجار كثير.. قال الصدوق أي: الملازم للصدق في تجارته؛ لأن النفس والهوى يدعوان إلى الكذب في التجارة، وإلى الغش في التجارة، وإلى الحيلة في التجارة، قال -عليه الصلاة والسلام-: "التاجر الصدوق الأمين"، والأمانة ضد الخيانة فوصف هذان بوصفين كريمين المحافظة على الصدق والمحافظة على الأمانة قال "مع النبيين والصديقين والشهداء".

 

أما ترضى لنفسك بهذا، ألا تحب أن يقال لك يوم القيامة تقدَّم تقدمْ إلى القرب من الأنبياء ومن الأولياء والأتقياء ومن العلماء والشهداء، ألا ترضى بهذا؟ في ذلك اليوم يعز المرء أو يهان يعز عزًّا لا عزة قبله ولا عزة بعده مثله.

 

فيا أيها المسلم الكريم: ليرضى المسلم لنفسه بهذا، فهاتان صفتان كريمتان؛ الأمانة والصدق ليحذر كل تاجر من التلوث بالخيانة، إنها بئست البطانة أن تكون في مسلم، ويحذر أن يقع في الشؤم الكبير الكذب؛ فإن الكذب لا يجتمع مع الإيمان في مسلم فليحذر كل مسلم من الوقوع في هذا.

 

فيا معشر المسلمين الزموا ما جاءت به الشريعة فيما ينفع وفيما يرفع وفيما يدفع.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لكم ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه.

 

أما بعد: الذي ييسر للتجار حفظهم الله أن يكونوا على مستوى رفيع من الخير والصلاح أمر واحد ما هذا الأمر؟ أن يتفقهوا في أحكام التجارة، وأن الشخص لا يُقبِل على التجارة بدون تفقُّه.

 

أخرج الإمام الترمذي وغيره عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: "لا يبيع في سوقنا إلا من يتفقه في ديننا"، فإذا كان الشخص متفقهًا فأبشر ثم أبشر، وإذا كان الشخص ليس متفقهًا فانتظر كم يقع فيه من شبهات ومن ورطات ووقوع في محرمات وارتكاب منكرات، هذا لأنه غير متفقه في الدين.

 

انظروا إلى من أعطاه الله الفقه في الدين فقد ذكر بعض المؤرخين أن يوسف بن عبيد -رحمه الله- وهو من الصالحين في عهد أتباع التابعين، هذا الرجل كان تاجرًا، ففي ذات مرة ترك ابن أخيه في المتجر وخرج وكان عنده أنواع من الحلل وكل حلة لها ثمن يختلف عن الحلة الأخرى، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فقام الولد ولد أخيه وأعطى له حلة سعرها مائتي درهم ولم يعطه التي سعرها أربعمائة، الأعرابي أخذها على أنها حلة من سعر أربعمائة.

 

فالتقى به يونس بن عبيد في الطريق فرأى الحلة معه قال له: "من أين اشتريت هذا؟" قال من فلان، قال له بكم؟ قال بأربعمائة، وهو يعلم أن ثمنها عنده مائتي درهم فقال له تعالى، وأخذ بيده وذهب به إلى الدكان، فقال له الأعرابي أنا قد رضيت بها هي عندنا بخمسمائة درهم، قال له أنا لا أرضى لك بها، فأخذ بيده معه إلى عند ابن أخيه، وقال له: بكم بعت له هذه؟ قال بأربعمائة. قال له: ألا تعلم أنها بمائتين؟ قال إنه رضي بها، قال له هل أنت ترضى له بشيء لا ترضى به لنفسك فكيف أعطيته إياها وأنت تعلم أن سعرها فقط مائتي درهم فأعطاه الحلة ورد له مائتي درهم.

 

هكذا من تفقه في الدين سيتعامل بالمعاملات الحسنة ويقف عند حدود الله، ويجتنب الشبهات وتكون تجارته تجارة مباركة تجارة يجعل الله فيها من النفع والبركة والإصلاح ما يجعل فيها.

 

فالتفقه في أمر البيع والشراء وفي أمر التجارة وهكذا في أمر المسلم يزاوله والمسلم يعمل فيه والمسلم يقوم به المطلوب أن يتفقه فيه لا أنه يقدم على الأشياء بدون تفقه.

 

يا رجال التجارة! الربا سيهلكنا، الربا سيدمر التجارات، وسيدمر الأموال، وهكذا إذا دخلت التجارات الأيمان الفاجرة فلا تنتظر إلا وبالاً، وإذا دخل في التجارات الشبهات فلا تنتظر إلا محق البركات.

 

فيا معشر المسلمين المطلوب أن نحافظ على الأموال من أجل أن يحفظ لنا ديننا، الأموال هذه إن هي أُخذت من حلال، وأُنفقت في طاعة الله وفي مرضات الله كم فيها من مصالح هذا جائع يشبع، وهذا عاري فيكسى، وهذا فرجت كربته عن طريق الصدقة والبذل والعطاء، وهذا عليه دَيْن فيفرج عنه دينه، وهذا، وهذا..

 

احمدوا الله على أفعال الخير، لا تحاربوا الخير، بل احرصوا على تنمية الخير ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، فالتجارة من أعظم أنواع أبواب الخير بحمد الله لمن كان تقيًّا ولمن كان صادقًا وبارًّا بمجتمعه، وبإخوانه وبأقاربه يريد الخير لنفسه أولاً ولهم ثانيًا.

 

ومن عجيب ما قرأناه في بعض الكتب أنه ذكر بعض المؤلفين أن التجار سفراء الإسلام، ثم قال: إن انتشار الإسلام في جنوب إفريقيا وفي شرق وجنوب آسيا إنما كان على أيدي التجار المسلمين الصادقين الأبرار، كان هؤلاء التجار يتجرون في تلك الدول وفي تلك البلدان وفي تلك الشعوب، فلما وجد الناس من هؤلاء التجار المسلمين ما عندهم من صدق، وما عندهم من أمانة ورحمة وإحسان وبر وقناعة وزهد وتقى، ليسوا متلطخين ولا مصابين بالأمراض الفتاكة؛ الجشع الهلع الطمع الافتخار بالمال جعل المال للمفاخرة والمباهاة لما رأوا هؤلاء التجار فيهم خير عظيم رغَّبوهم في الإسلام وأحبوا الإسلام ودخلوا الإسلام، وصارت دول تدين لله بالإسلام بسبب هؤلاء التجار.

 

ما أحوج التجار في عصرنا إلى أن يكون عندهم شيء من السفارة للإسلام! كما سمعت يا معشر المسلمين اعملوا مع الله، اعملوا للآخرة، اعملوا لما يسبب كثرة الأجور والحسنات وتكفير السيئات.

 

أخرج الإمام البخاري عن جابر -رضي الله عنه-ما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "رحم الله رجلاً كان قبلكم كان سهلاً إذا باع وسهلاً إذا اشترى".

 

وعند الإمام أحمد وغيره من حديث جابر أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: "غفر الله لرجل كان قبلكم سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى؛ سهلاً إذا اقتضى غفر الله له".

 

انظروا المنح الإلهية لمن يتسبب فيها، هذا ما أعطى ماله للناس، لكنه بحمد الله حسُنت أخلاقه، وتساهل مع الناس أعطى له بالسهل، ولم يجعل الأمور على طريقة من يجعلونها من الشدة والعنف والزجر وما أشبه ذلك.

 

ما أحوجنا جميعا إلى أننا نتزود من التفقه في الدين..

 

اللهم إنا نسألك الهدى والعفاف والغنى..

 

 

 

المرفقات

الأبرار

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات