البلاء في دار الفناء

زياد الريسي - مدير الإدارة العلمية

2021-03-12 - 1442/07/28 2021-03-08 - 1442/07/24
عناصر الخطبة
1/خلق الله دورا ثلاثة وطبيعة كل دار 2/البلاء ملازم لدار الدنيا لا ينفك عنها 3/أحوال الناس مع البلاء 4/الابتلاءات المقدرة ليست من قبيل التعسف بل هي لحكمة 5/من صور البلاء ومجالاته 6/الصبر على البلاء لا يعني عدم مدافعته ولا يسوغ التعذر به 7/تعامل مع البلاء كأنه عقوبة وإنذار فذلك أصلح لنفسك وحالك.

اقتباس

وَمِمَّا يَجِبُ لِلْعَبْدِ إِدْرَاكُهُ حَالَ الشَّدَائِدِ وَالْمَصَائِبِ أَنْ يَتَّهِمَ نَفْسَهُ بِالتَّقْصِيرِ وَالنَّقْصِ، وَيَعُدَّ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّأْدِيبِ لَا مِنْ بَابِ الِاخْتِبَارِ وَالتَّمْحِيصِ أَوِ الِاجْتِبَاءِ وَالِاصْطِفَاءِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّأْدِيبِ هُوَ أَسْلَمُ لِإِيمَانِهِ وَأَقْوَمُ لِصَلَاحِ حَالِهِ...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ، خَلَقَ فَقَدَّرَ، وَأَمَرَ فَيَسَّرَ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

عِبَادَ اللَّهِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ وَلَا تَعْصُوهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]؛ ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: خَلَقَ اللَّهُ دُورًا ثَلَاثَةً، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَارٍ طَبِيعَتَهَا الْخَاصَّةَ وَصِفَتَهَا؛ وَقَضَى سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْهَا طَيِّبَةً؛ وَهِيَ الْجَنَّةُ؛ طَيِّبَةٌ بِأَسْمَائِهَا وَأَوْصَافِهَا وَسَاكِنِيهَا، وَكُلُّ مَا فِيهَا طَيِّبٌ، وَلَا تَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَحَتَّى حَدِيثُ أَهْلِهَا؛ (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا)[الْوَاقِعَةِ: 25]، وَهَذِهِ الدَّارُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا إِلَّا ذَلِكَ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.

 

وَلِطَهَارَةِ هَذِهِ الدَّارِ وَطِيبِهَا وَحُسْنِهَا فَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَدْخُلُونَهَا حَتَّى يَتَجَاوَزُوا قَنْطَرَةً يَتَخَلَّصُونَ عِنْدَهَا مِمَّا عَلِقَ فِي صُدُورِهِمْ مِنْ مُنَغِّصَاتٍ، وَجُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ شَوَائِبَ، فَإِذَا مَا صُفُّوا مِنْهَا أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ؛ (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)[الْحِجْرِ: 47]، وَفِي الْحَدِيثِ يَقُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

كُلُّ ذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ لِأَهْلِهَا النَّعِيمُ الْمُقِيمُ، وَيَجِدُوا فِيهَا الرَّاحَةَ الْأَبَدِيَّةَ؛ فَهِيَ خَالِيَةٌ مِنْ كُلِّ مَا يُعَكِّرُ صَفْوَهُمْ وَيُكَدِّرُ سَعَادَتَهُمْ؛ (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا  * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا)[الْوَاقِعَةِ: 25-26].

وَفِي مُقَابِلِ هَذِهِ الدَّارِ أَعَدَّ اللَّهُ دَارًا أُخْرَى وَهِيَ النَّارُ، وَقَضَى سُبْحَانَهُ أَنْ تَكُونَ دَارًا قَبِيحَةً لَا سَعَادَةَ فِيهَا وَلَا رَاحَةَ؛ فَهِيَ قَبِيحَةٌ فِي أَسْمَائِهَا وَأَوْصَافِهَا وَعَيْشِ أَهْلِهَا؛ وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُهَا قَبِيحٌ، وَمَا فِيهَا مِنْ مَآكِلَ وَمَشَارِبَ وَمَلَابِسَ خَبِيثٌ وَقَبِيحٌ؛ (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا  * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا)[النَّبَأِ: 24-25]؛ وَلِهَذَا كَانَتْ لِلْعُصَاةِ أَسْوَأَ عَاقِبَةٍ وَأَخْزَى مَصِيرٍ.

 

ثُمَّ كَانَ مِنْ حِكْمَتِهِ سُبْحَانَهُ أَنْ جَعَلَ دَارًا ثَالِثَةً وَهِيَ الدُّنْيَا؛ وَهَذِهِ الدَّارُ جَمَعَتْ بَيْنَ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ، وَبَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَبَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا بِهَذَا الْوَصْفِ وَيَسْتَحِيلُ تَفَرُّدُهَا بِحَالٍ، وَمَتَى أَصْبَحَتْ شَرًّا مَحْضًا وَلَمْ يَعُدْ لِلْخَيْرِ فِيهَا مَوْضِعٌ وَلَا لِأَهْلِهِ فِيهَا قَدَمٌ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ لِلْأُخْرَى أَنْ تُقْبِلَ، وَلِلدُّنْيَا أَنْ تُدْبِرَ؛ فَفِي الْحَدِيثِ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، إِلَّا عَلَى شَرَارِ النَّاسِ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَقَدَّرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَنْ جَعَلَهَا مَحْفُوفَةً بِالْبَلَاءِ وَالْعَنَاءِ، وَمَحُوطَةً بِالْمَصَاعِبِ وَالْمَتَاعِبِ، وَأَحْوَالُهَا مُتَبَدِّلَةٌ وَمُتَغَيِّرَةٌ، وَلَنْ تَخْلُوَ يَوْمًا مِنْ هَذَا الْحَالِ، وَالْكُلُّ مَهْمَا عَلَتْ رُتْبَتُهُ وَعَظُمَ جَاهُهُ وَامْتَدَّتْ ثَرْوَتُهُ فَلَيْسَ بِمَنْأًى عَنْ بَلَائِهَا وَمِحَنِهَا، وَلَا بُدَّ وَأَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِ أَطْيَافُهَا؛ وَقَدْ قِيلَ:

‏ثَمَانِيَةٌ لَابُدَّ مِنْهَا عَلَى الْفَتَى ‏ *** وَلَابُدَّ أَنْ تَجْرِي عَلَيْهِ الثَّمَانِيَةْ

سُرُورٌ وَهَمٌّ وَاجْتِمَاعٌ وَفُرْقَةٌ ‏*** وَيُسْرٌ وَعُسْرٌ ثُمَّ سُقْمٌ وَعَافِيَةْ

 

إِذًا فَالْبَلَاءُ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- مُلَازِمٌ لِلْإِنْسَانِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ لِمَنْ يَعِيشُ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ؛ يَقُولُ تَعَالَى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 2]، وَالْإِنْسَانُ خُلِقَ فِي كَبَدٍ، وَعَيْشُهُ كَذَلِكَ؛ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)[الْبَلَدِ: 4].

 

وَمَنْ يَطْلُبُ حَيَاةً بِدُونِ عَنَاءٍ، وَعَيْشًا بِدُونِ بَلَاءٍ فَهُوَ يَطْلُبُ مُسْتَحِيلًا وَيَقْصِدُ سَرَابًا، وَالْخَلْقُ مُنْذُ نَشْأَتِهِمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ يَعِيشُونَ كَبَدًا وَحَتَّى يَخْرُجُوا أَطْفَالًا، ثُمَّ يَبْلُغُوا أَشُدَّهُمْ، وَحَتَّى يُرَدَّ بَعْضُهُمْ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمْرِ، وَإِلَى أَنْ يَمُوتُوا وَهُمْ مُعَرَّضُونَ لِفِتَنِ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَهُمُومِهَا وَأَكْدَارِهَا، وَقَدْ قِيلَ:

حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِيَّةِ جَارِ *** مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ قَرَارِ

بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا *** حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ

طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا *** صَفْوًا مِنَ الْأَقْذَارِ وَالْأَكْدَارِ

وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا *** مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ

وَإِذَا رَجَوْتَ الْمُسْتَحِيلَ فَإِنَّمَا *** تَبْنِي الرَّجَاءَ عَلَى شَفِيرٍ هَارِ

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَلِلنَّاسِ مَعَ الْبَلَاءِ أَحْوَالٌ كَثِيرَةٌ وَمَوَاقِفُ وَمُتَنَوِّعَةٌ؛ فَمَأْجُورٌ مَعَهُ وَمَأْزُورٌ؛ فَمَنْ قَابَلَ الْبَلَاءَ بِتَسَخُّطٍ وَسُوءِ ظَنٍّ بِاللَّهِ الْخَبِيرِ أَثِمَ؛ لِكَوْنِهِ قَدْ عَارَضَ أَقْدَارَ الْمُدَبِّرِ سُبْحَانَهُ؛ إِذِ الْإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ وَيَقْتَضِي الرِّضَى، وَالْمُعْتَرِضُ مَعَ اعْتِرَاضِهِ وَتَسَخُّطِهِ لَنْ يَرُدَّ قَدَرًا وَلَنْ يَرْفَعَ بَلَاءً.

وَمِنَ الْمُؤْسِفِ أَنَّ هَذَا الصِّنْفَ جَمَعَ عَلَى نَفْسِهِ بَيْنَ آفَاتٍ ثَلَاثٍ؛ خَسِرَ أَجْرَهُ، وَحَمَلَ وِزْرَهُ، وَبَقِيَ مُرْتَكِسًا فِي بَلَائِهِ.

 

وَصِنْفٌ قَابَلَ الْبَلَاءَ بِصَبْرٍ وَحُسْنِ ظَنٍّ بِاللَّهِ الْخَبِيرِ، مُوقِنًا أَنَّنَا مِلْكٌ لِلَّهِ وَنَحْنُ عَبِيدُهُ، وَلَهُ أَنْ يُدَبِّرَ فِي عَبِيدِهِ مَا يُرِيدُ، وَحِينَهَا لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقُولَ فِيمَنْ يَمْلِكُ حَيَاتَنَا وَيُدَبِّرُ أَمْرَنَا إِلَّا مَا يُرْضِيهِ؛ وَهَذَا الصِّنْفُ مَأْجُورٌ وَمُثَابٌ مَشْكُورٌ.

 

بَيْنَمَا صِنْفٌ ثَالِثٌ قَابَلَ الْبَلَاءَ بِالصَّبْرِ وَحُسْنِ ظَنٍّ بِاللَّهِ، بَلْ وَشَكَرَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَحَمِدَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّ اللَّهَ مَا قَدَّرَ عَلَيْهِ شَيْئًا إِلَّا لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا، وَهَذَا الصِّنْفُ بِأَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ وَأَعْلَى الْمَقَامَاتِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)[الْبَقَرَةِ: 155].

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَعَنِ الصَّابِرِينَ مَعَ أَقْدَارِ اللَّهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ لَأْوَاءَ وَشِدَّةٍ؛ يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَلَوْ عَلِمَ الْمُبْتَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى صَبْرِهِ مِنْ جَزَاءٍ عَظِيمٍ وَثَوَابٍ كَبِيرٍ لَمَا جَزِعَ مِمَّا أَصَابَهُ، وَلَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَى مَا قَدَّرَ عَلَيْهِ؛ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ".

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُدْرِكُوا أَنَّ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ كُرُوبٍ وَمَصَائِبَ، وَمَا يُحْدِقُ بِهِمْ مِنْ هُمُومٍ وَغُمُومٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّعَسُّفِ أَوِ الِاعْتِبَاطِ؛ بَلْ كُلُّ مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ -تَعَالَى- فِي خَلْقِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ هُوَ لِحِكَمٍ كَبِيرَةٍ وَمَقَاصِدَ عَظِيمَةٍ، عَلِمَهَا مَنْ عَلِمَهَا وَجَهِلَهَا مَنْ جَهِلَهَا؛ (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)[ص: 27]، وَقَالَ تَعَالَى: (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 81].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَالْبَلَاءُ لَهُ صُوَرٌ وَأَنْمَاطٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ الْعُقُوبَةِ وَهُوَ غَالِبُ صُوَرِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ التَّنْقِيَةِ وَالتَّطْهِيرِ، أَوْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ التَّمْحِيصِ وَالِامْتِحَانِ، وَأُخْرَى عَلَى جِهَةِ الِارْتِقَاءِ وَالِاصْطِفَاءِ.

 

وَمَجَالَاتُ الْبَلَاءِ كَثِيرَةٌ وَلَا تَأْخُذُ مَجَالًا وَاحِدًا؛ بَلِ الْخَالِقُ الْعَلِيمُ الْمُدَبِّرُ الْحَكِيمُ صَاحِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَهُ أَنْ يَبْتَلِيَ مَنْ يَشَاءُ مَتَى يَشَاءُ فِيمَا يَشَاءُ وَكَيْفَمَا يَشَاءُ؛ فَيَبْتَلِي بَعْضَ عِبَادِهِ بِمَالِهِ، وَمِنْهُمْ بِوَلَدِهِ، وَمِنْهُمْ بِعَافِيَتِهِ، وَمِنْهُمْ بِالسِّنِينَ، وَمِنْهُمْ بِغَلَاءِ الْأَسْعَارِ، وَمِنْهُمْ بِالذُّلِّ وَالْهَزِيمَةِ، وَمِنْهُمْ بِالطُّوفَانِ وَالزَّلَازِلِ، وَمِنْهُمْ بِنَزْعِ الْبَرَكَةِ، وَمِنْهُمْ بِجَوْرِ السُّلْطَانِ، وَمِنْهُمْ بِالْخَوْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

 

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَمَعَ أَنَّ اللَّهَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي خَلْقِهِ مَا يُرِيدُ، وَيَفْعَلَ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ، وَلَيْسَ لِعَبْدٍ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ فِعْلِهِ أَوْ يَعْتَرِضَ عَلَى تَدْبِيرِهِ، فَهُوَ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ؛ لَكِنْ هَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ الْعَبْدُ لِمَا أَصَابَهُ؟

وَالْجَوَابُ: الْإِيمَانُ لَا يَمْنَعُ مُبْتَلًى مِنْ أَنْ يَدْفَعَ مَا يُصِيبُهُ بِأَيٍّ مِنْ وَسَائِلِ الدَّفْعِ الْمُبَاحَةِ وَالْمَشْرُوعَةِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ الشَّرْعَ.

وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ حَرَجٍ أَنْ يَدْفَعَ مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْفَقْرِ بِوَسَائِلِ التَّكَسُّبِ، وَيَدْفَعَ الْمَرَضَ بِوَسَائِلِ الْعِلَاجِ، وَيَدْفَعَ أَسْبَابَ الْمَوْتِ بِتَجَنُّبِ أَسْبَابِهِ، وَيَدْفَعَ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ بِوَسَائِلِ الْوِقَايَةِ مِنْهُمَا، وَمُقَاوِمَةُ الْأَقْدَارِ الْمُؤْلِمَةِ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ فِي الْغَالِبِ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْوَاجِبِ وَالْمَشْرُوعِ؛ إِذْ إِنَّ تَسْلِيمَ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ لِأَقْدَارِ اللَّهِ -تَعَالَى- الْمُهْلِكَةِ وَالْمُؤْلِمَةِ هِيَ مِنْ إِلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي هَلَكَتِهَا الدَّاخِلَةِ فِي نَهْيِهِ سُبْحَانَهُ؛ (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ...)[الْبَقَرَةِ: 195]، (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا...)[النِّسَاءِ: 29].

 

وَلِسَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ: إِذَا كَانَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْقَدَرِ مُعَارِضٌ لِلْإِيمَانِ، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ جَوَازَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَالَّذِي مِنْهُ الْبَلَاءُ؟ وَالْجَوَابُ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ الِاحْتِجَاجُ بِهِ كَوْنَهُ قَدَرًا قَدَّرَهُ اللَّهُ، وَيَجْعَلَ مِنْهُ مُسَوِّغًا لِفِعْلِ شَيْءٍ أَوْ لِتَرْكِهِ؛ بَلْ كَمَا ذَكَرْنَا سَلَفًا أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ بَذْلَ الْوُسْعِ لِمُقَاوَمَةِ مَا يَضُرُّ، وَمُدَافَعَةِ مَا لَا يَنْفَعُ؛ وَلَوْ جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِكَوْنِهِ قَدَرًا لَمَا جَازَ لَنَا دَفْعُهُ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِمَّا يَجِبُ لِلْعَبْدِ إِدْرَاكُهُ حَالَ الشَّدَائِدِ وَالْمَصَائِبِ أَنْ يَتَّهِمَ نَفْسَهُ بِالتَّقْصِيرِ وَالنَّقْصِ، وَيَعُدَّ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّأْدِيبِ لَا مِنْ بَابِ الِاخْتِبَارِ وَالتَّمْحِيصِ أَوِ الِاجْتِبَاءِ وَالِاصْطِفَاءِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّأْدِيبِ هُوَ أَسْلَمُ لِإِيمَانِهِ وَأَقْوَمُ لِصَلَاحِ حَالِهِ؛ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ حَفَّزَهُ ذَلِكَ عَلَى ثَبَاتِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّقْصِيرِ قَادَهُ ذَلِكَ إِلَى الْيَقَظَةِ وَالِانْتِبَاهِ وَالْجِدِّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي سَاقَهُ ذَلِكَ إِلَى التَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ -تَعَالَى- وَالْإِقْلَاعِ مِمَّا هُوَ فِيهِ؛ بِخِلَافِ إِذَا عَدَّ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ وَشِدَّةٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الِابْتِلَاءِ وَالِاجْتِبَاءِ، فَذَلِكَ أَدْعَى لِتَرَاخِيهِ وَحُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ وَدَوَامِ غَفْلَتِهِ؛ وَذَلِكَ مَسْلَكٌ مِنْ مَسَالِكِ غُرُورِهِ وَإِعْجَابِهِ بِنَفْسِهِ؛ وَهَذَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْهَلَاكِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

 

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَنَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ.

وَنَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ إِيمَانًا صَادِقًا وَقَلْبًا خَاشِعًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وَجَسَدًا عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرًا.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

عِبَادَ اللَّهِ: صَلُّوا عَلَى مَنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِكُمْ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

عِبَادَ اللَّهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النَّحْلِ: 90]؛ فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 

المرفقات

البلاء في دار الفناء.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
08-03-2021

اللهم انك عفواً كريم تحب العفو فاعفوعنا

 بارك الله فيك أستاذي زياد الريسي ونفع بعلمك الامه.