البرنامج النبوي في العشر الأواخر من رمضان

الشيخ عبدالله بن علي الطريف

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر 2/ السُّنّة إحياء ليالي العشر بالطاعة والقرب المتنوعة 3/ إيقاظ الأهل للقيام 4/ السهر في رمضان بين الطاعة والعصيان 5/ جريمة الفئة الضالة التي وقعت في الأسبوع الأول من رمضان

اقتباس

أيها المتسابقون إلى الفردوس الأعلى: أرأيتم متسابقاً في نهاية المضمار وقد اشتد فيه المتنافسون على بلوغ خط النهاية أيحسن به أن يهاتف مدير أعماله للإعداد لحفل الفوز والتتويج، ويبالغ في الاهتمام به وهو لم يبلغ خط النهاية..؟! كلنا يخطئه على ذلك.. نعم نحن الآن قرب خط النهاية... فشدوا المآزر شدوها.. واستثمروا الثواني قبل الدقائق ففي الثانية تسبيحة وتحميدة، وقراءة كلمة من كتاب الله...

 

 

الخطبة الأولى:

أيها الأحبة: هكذا الدنيا، وهكذا الأيام تتقضَّى وتذهب، وكأنها لم تمر، وليالي العشر الأواخر من شهرِ الخيرِ ستحلُ الليلةِ، وهي أفضل ليالي العام، فهنيئًا لمن أدركها، ويا سعد من وُفِّق فيها لإدراك ليلة القدر وقيامها..

أيها الإخوة: هدي رسولنا خير الهدي وقد نقل لنا أصحابه برنامجه في العشر، وحرى بنا أن نتحرى هديه لنقتفي أثره.. وخير من يصف لنا حاله أهلُ بيتِهِ تَقُوْلُ أمنا عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ»، وقالت: كَانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ» رواهما مسلم.

 

 وعَنْ عَلِىٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْه- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ». رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ" لَمْ يَكُنْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ يَدَعُ أَحَدًا يُطِيقُ الْقِيَامَ إلا أقامه" كذا في تحفة الأحوذي.

فيعلم من هذا أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يخص العشر الأواخر من رمضان ببرنامج عملي لا يَعْمَلُهُ في أول الشهر ووسطه ومنها: 

إحياء الليل: والمقصود بإحياء الليل أي: يحيي ليلَهُ كلَّه أي لا ينام وكان يحييها -عليه الصلاة والسلام- بعبادات متنوعة مثل الفطور بعد غروب الشمس، وصلاة المغرب والعَشَاءَ وصلاة العشاء، وما يتبعهما من رواتب، وسحور وما يشرع فيها من سنن أخرى وكل الأشياء التي يرى -عليه الصلاة والسلام- أنها قربة إلى الله -عز وجل-، وليس معناه أنه كلَ الليلَ في صلاة، بدليل أن صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْه- زَوْجَ النَبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "كَانَتْ تَأْتِيه وكَانَ مُعْتَكِفًا، فَتَزُورُهُ لَيْلًا وَتُحَدِّثُهُ، ثُمَّ تَنْقَلِبَ، فَيَقُومُ مَعَها ليَقْلِبَها". رواه ابن حبان وصححه الألباني.

 

وكل ما كان يفعله عليه الصلاة والسلام في تلك الليالي من أعمال فإنها قربة إلى الله -عز وجل-.. ولم يكن يمضي الليل كله بالصلاة كما يظن بعض الناس؛ فعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها-، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلَّا رَمَضَانَ» رواه مسلم.

 

وعند النسائي وغيره وصححه الألباني قَالَتْ -رَضِيَ اللهُ عَنْها-: «لَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحَ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ»..

 

إذًا السنة إحياء ليالي العشر بالطاعة والقرب المتنوعة القولية والعملية ومن أهمها القيام مع الإمام حتى ينصرف في قيام أول الليل وآخره، وعدم التفريط بلحظة فقد صح عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عند أصحاب السنن وغيرهم: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»، وصح قوله: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه.

أيها الأحبة ومنها: أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيرها من الليالي، وفي حديث أبي ذر -رَضِيَ اللهُ عَنْه- أن النبي صلى الله عليه و سلم لما قام بهم ليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين ذكر أنه دعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين خاصة، وهذا يدل على أنه يتأكد إيقاظهم في آكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر، فعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْه-: «أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» رواه الترمذي، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» وصححه الألباني وأخرجه الطبراني كذلك، وزاد: وكُلُ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ يُطِيْقُ الصَلَاةَ. 

قال سفيان الثوري: "أحبُّ إليَّ إذا دخلَ العشرُ الأواخرُ أن يتهجَّدَ بالليلِ ويجتهد فيه ويُنْهِضَ أهلَه وولدَه إلى الصلاةِ إن أطاقوا ذلك".. 

وقد صح عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في غير رمضان والعشر أنه كان يَطْرُقُ فاطمة وعلياً -رَضِيَ اللهُ عَنْهما- ليلاً فيقول لهما: «ألا تقومان فتصليان»، وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر.

 

وورد الترغيبُ في إيقاظ أحد الزوجين صاحِبَه للصلاة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «رحِمَ اللهُ رجلا قامَ من الليلِ فصلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِن أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الماءَ، رَحِمَ اللهُ امرأة قَامَتْ من الليل فصلتْ وأَيقظتْ زوجَها، فإِنْ أَبَى نضحتْ في وجهه الماءَ».

 

 وفي الموطأ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْه- كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ. يَقُولُ لَهُمُ: "الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ": (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا..) الآية [طه: 132] صححه الألباني.

 

وكانت امرأة حبيب الفارسي تقول له بالليل: قد ذهب الليلُ وبين أيدينا طريقٌ بعيدٌ وزادنا قليلٌ، وقوافلُ الصالحين قد سارت قُدْامَنَا ونحن قد بقينا: 

يا نائماً باللَّيل كم ترقُدُ *** قُمْ يا حبيبي قد دَنَا الموعدُ

وخُذْ من اللَّيلِ وأوقاتِـهِ *** وِرْداً إذا ما هجَعَ الرُّقَّـدُ

مَنْ نـام حتَّى ينقضِي ليلُه *** لم يبلغِ المنزِلَ أو يَجهَدُ

قُلْ لذَوي الألبابِ أهلِ التقى *** قَنْطَرَةُ العَرْضِ لكُم مَوعِدُ

 

ويتأكد هذا الحث والترغيب والمتابعة والإيقاظ في رمضان والعشر خصوصاً الأوتار منها..

أحبتي: وفي هذا الزمان صار السهر في رمضان سلوك اجتماعي عام؛ وهذا يسهل علينا حث الأهل على استثمار ليالي العشر فالكل مستيقظ، ولن نجد عناء في إيقاظهم.. لكن علينا بذل الجهد في إقناعهم وترغيبهم في استثمار الليالي الفاضلة، والدعاء والثناء لمن بذل منهم جهداً في طاعة أو توجه إليها.. واللهَ ألله في بذل الوسع في ذلك بلطف وحب، وأن نكون قدوة حسنة لهم من خلال إظهار الاهتمام في هذه الليالي والحرص على الوقت فيها.. وشغله في الطاعات المتنوعة.. وتأجيل كثير من الأعمال غير المهمة لما بعدها..

الخطبة الثانية:

أيها المتسابقون إلى الفردوس الأعلى: أرأيتم متسابقاً في نهاية المضمار وقد اشتد فيه المتنافسون على بلوغ خط النهاية أيحسن به أن يهاتف مدير أعماله للإعداد لحفل الفوز والتتويج، ويبالغ في الاهتمام به وهو لم يبلغ خط النهاية..؟!

 

كلنا يخطئه على ذلك ونرى أن عليه في هذا الوقت الحرج زيادة السرعة وتوسيع الخطوة والصبر والتحامل على النفس حتى يبلغ خط النهاية.. ثم ينظر فيما سوى ذلك.. 

نعم أيها الإخوة: نحن الآن قرب خط النهاية... فشدوا المآزر شدوها.. واستثمروا الثواني قبل الدقائق ففي الثانية تسبيحة وتحميدة، وقراءة كلمة من كتاب الله.. 

أحبتي: لا بد من دعوة الأسرة اليوم لاجتماع عاجل.. للتأكيد على استثمار هذه الأوقات، والاتفاق على الابتعاد عن كل الملهيات، وتصفية الجو للعبادة والدعاء وعموم الطاعات، ومراجعة النيات لتحويل المباحات إلى طاعات.. ألله ألله بذلك.. ألله ألله بذلك.. ألله ألله بذلك..

أيها الأحبة: دعوة صادقة من محب لكم أمامنا ليلة خير من ألف شهر ليلة القدر مبتدؤها من غروب الشمس ومنتهاها طلوع الفجر.. خير من أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة.. وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث من تبارك وتعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى، بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمرًا طويلا نيفًا وثمانين سنة.

الله أكبر ما أثمن ثوانيها.. ورسولنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، وقال: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"..

 

لنحافظ على صلاة التراويح بكل عزيمة ونشاط.. وصلاة القيام.. ولا نضيع منها تكبيرة.. أقول ذلك لأني ألاحظ من حال بعضنا أننا نتأخر بالحضور إلى المسجد فتجد بعضنا يقضي بعض الفريضة وربما فاتته كلها..! وهذا والله من الحرمان.. ومنا من ينصرف ويترك بعض التراويح وهي قصيرة ومنا من يجلس لكنه يتباطأ بالقيام وانتصفت الركعة ولم يكبر ومنا... ومنا... جميل أحبتي أن نعيد النظر في هذا الواقع ونبدل حالنا للأفضل لا للأقل.. لعلنا نفوز بإدراك ليلة القدر ونحوز ما أعده الله لمدركها من الأجر.. 

وبعد أيها الإخوة: وتأكيداً لحديثنا عن جريمة الفئة الضالة التي وقعت في الأسبوع الأول من رمضان وما تجرأت عليه من محاولة لزعزعة أمننا.. وقتلٍ لحُرَاسه في منفذ الوديعة وهم مرابطون صائمون.. أؤكد أن ذاك الاعتداء اعتداء على الأمة كلها.. فأمن هذا البلد لا ينعم به أهله فقط.. أمنه ضرورة لكل مسلم؛ لما تحويه بلادنا من وجود الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، وذكرنا لأصول هذا المعتقد وبداية ظهوره في الصدر الأول، وكيف كان تعاملهم مع خليفة المسلمين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وما أعلنوه من تكفير له رضي الله عنه ولأصحابه، واستحلالٍ لدمائِهم وقتلِهم لأمير المؤمنين عليِ رضي الله عنه..

 

يؤكد بجلاء تشابههم مع الفئة الضالة اليوم بالشر والأحكام، فهم يكفرون المسلمين ويحقرون علمائهم وولاتهم، ويستحلون دمائهم، وفي المقابل يدعون الكفرة والملحدين..! ويستحلون دماء الأبرياء والنساء ويتورعون عن أكل تمرة سقطت من نخله..! وأسلوبهم في التجمع والتحزب واحد.. وخطرهم على البلاد والعباد ووحدة الصف وعقيدة المسلمين وأمن أوطانهم كبير..

 

وفعلهم يسر الأعداء ويفت بعضد الأمة.. ويكفي العدو مئونة قتل أهل السنة واستنكار العالم له.. فأهل السنة يقتلون الآن بيد من يعلن الإسلام وإعادة الخلافة وتطبيق الشريعة، ولا فرق بينهم إلا في المسميات فقط.. أما الفكر والمعتقد فواحد سواء سُمّوا داعش أو قاعدة أو غيرها من الأسماء..

 

وعلى المسلمين خصوصاً الشباب ألا يغتروا بشعاراتهم التي يطلقونها وببريق الشهادة المزعوم الذي يدعون إليه.. ورحم الله التابعي الجليل وهب بن منبه عندما نصح فقال: "احذروا أيُّها الأحداثُ الأَغمَارُ، لا يُدخِلُونَكم في رَأيهم المُخالِفُ فإنَّهم شَرُ هذهٍ الأُمَّةِ" .

اللهم اغفر لمن قضى من جنودنا وارحمه واجعله في أعداد الشهداء وحفظ بلادنا وأمنها وقادتنا وجنودنا من كل سوء اللهم مكنهم من كل باغي وقاتل ومرجف.. حق لهم علينا الدعاء لهم في القنوت والسجود وكل وقت إجابة فنحن ننعم بالصيام والطاعة بأمن وأجواء مريحة وهؤلاء الإخوة يحرسون حدودنا في البرد والحر وهم صائمون، فجزاهم الله عنا كل خير وأعانهم وسدد رأيهم ورميهم..

اللهم وفقنا لاستثمار الأوقات، وأعِذْنا من العجز والكسل، وأعِنَّا على شكرك وذكرك وحسن عبادتك...

 

 

 

المرفقات

النبوي في العشر الأواخر من رمضان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات