الاستقامة

علي عبد الرحمن الحذيفي

2008-11-23 - 1429/11/25
عناصر الخطبة
1/المحافظة على الفطرة 2/ جزاء أهل الاستقامة 3/ ثمرات الاستقامة 4/ حقيقة الاستقامة 5/ اتباع الحسنة أختها والسيئة أختها .
اهداف الخطبة
بيان حقيقة الاستقامة وفضلها وثمراتها
عنوان فرعي أول
ثم استقم
عنوان فرعي ثاني
تتنزل عليهم الملائكة
عنوان فرعي ثالث
تفسير السلف للاستقامة .

اقتباس

والاستقامة سعادةُ الإنسان وفلاحُه ونجاحُه وفوزُه ونجاته وعدّته لشدَّته، وما أشدَّ حاجتَنا نحن المسلمين إلى الاستقامة، وما أعظمَ افتقارَنا إليها خاصَّةً في هذا العصر الذي اشتدّت فيه المحنُ وكثُرت فيه الفِتن؛ ليصلح الله أعمالَنا، ويقيمَ على الطاعة أحوالنا، وليحسنَ في ..

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أمّا بعد: فاتقوا الله -أيّها المسلمون- حقَّ التقوى، فتقوى الله عُدّةٌ للشدائد في الآخرة والأولى، وموجبةٌ لرِضا الجليل الأعلى، ييسِّر الله بها الأسبابَ، ويدفع بها العذاب.

 

عبادَ الله: إنّ سعادةَ الإنسان أن يحافظَ على فطرتِه التي فطره الله عليها، فلا يدَعُها تنحرِف عن الصراط المستقيم، ولا يتركها تفسُد بالشهواتِ ولا بالشّبهات، ولا يمكِّن من نفسِه الشياطينَ من الإنسِ والجنّ يصدُّونه عن سبيل الله ويوردونه مواردَ الهلاك والخزيِ والموبقات، بل يحتَمي بعزِّ الله وقدرتِه، ويتوكَّل على خالقه، ويعتصِم بدينه القويم، قال الله -تعالى-: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [الروم:30]، وقال تعالى: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِراطٍ مّسْتَقِيمٍ) [آل عمران:101].

 

أيّها المسلمون: أتدرُون ماذا أعدَّ الله للمعتصمِين بالله المستقيمين على دينِه من الأجر، وماذا آتاهم من الذخر؟ إنّ الله تعالى يبيِّن ذلك في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأحقاف:13-14].

 

فالاستقامةُ هي الاعتصامُ بكتاب الله -تعالى- وسنَّة رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

والاستقامة سعادةُ الإنسان وفلاحُه ونجاحُه وفوزُه ونجاته وعدّته لشدَّته، وما أشدَّ حاجتَنا نحن المسلمين إلى الاستقامة، وما أعظمَ افتقارَنا إليها خاصَّةً في هذا العصر الذي اشتدّت فيه المحنُ وكثُرت فيه الفِتن؛ ليصلح الله أعمالَنا، ويقيمَ على الطاعة أحوالنا، وليحسنَ في الأمور كلِّها عاقبتَنا ومآلنا.

 

والاستقامةُ أعظمُ ما منّ الله به على العباد، وهي وحدَها الزادُ ليوم المعاد.

 

أمرَ الله بالاستقامة في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [هود:112] وقال -تعالى-: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ ءامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [الشورى:15].

 

وتفسيرُ الاستقامةِ هي الثباتُ على دين الله ولزومُ الصراط المستقيم، فلا ينحرِف العبدُ مع الأهواء والشهواتِ والبدَع المُضلّة. الاستقامة هي تعظيمُ أوامِر الله -تعالى- بالمسارعةِ إلى امتثالها. والاستقامةُ هي تعظيم نواهي الله بالبُعد عنها واجتنابها، قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) [الحج:30].

 

الاستقامةُ هي المحافظةُ على الطاعات، فلا توبةً نصوحًا يأتي بعملٍ يبطلها ولا ينقصُها. الاستقامة هي أن يُحدِث لكلّ ذنب. الاستقامة هي عبادةُ الله بما شرَع الله تعالى وبما شرع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبُغضُ البدَع والبعدُ عنها والتحذير منها. الاستقامة هي عملُ الطاعات مع الإخلاصِ لله عزّ وجلّ والخوف أن لا تُقبَل. الاستقامةُ هي التمسُّكُ بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيمُها ونشرها وكراهةُ ما يضادُّها.

 

والاستقامةُ بَدؤها ومنتهاها تحقيقُ التوحيد لربّ العالمين. روى ابن جرير في تفسيره عن سعيد بن عمران قال: قرأتُ عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ) [فصلت:30] ، قال: (هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا). ثمّ روى من حديث الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر رضي الله عنه في هذه الآية (قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ): "فلم يلتفتوا إلى إلهٍ غيره"، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ): "على شهادة أن لا إله إلا الله" وقال أبو العالية: (ثُمَّ اسْتَقَامُواْ"أخلصوا له الدينَ والعمل".

 

وما أعظمَ وأجلَّ تفسيرَ السلفِ للاستقامة بتحقيق التوحيدِ لله تعالى، بإفرادِ الله -عزّ وجلّ- وتخصيصه بالدعاء والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة، والتوكُّلِ والرغبةِ والرهبة والرجاءِ والذَّبح والنذرِ والسجودِ والركوع، وغير ذلك من أنواع العبادة التي لا تكون إلاّ لربّ العالمين.

 

والاستقامةُ نهاية الغاياتِ وأعظمُ الوصايا وأجلُّ العطايا، عن سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلامِ قولاً لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: "قل: آمنت بالله ثم استقم" رواه مسلم. وكان الحسن البصري -رحمه الله- يقول: "اللهمّ أنت ربّنا، فارزقنا الاستقامة".

 

وقد جعل الله ثوابَ الاستقامة أعظمَ الثواب، وأمّن صاحبَها من العذاب، فقال -عزّ وجلّ-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) [فصلت:30-32] الله أكبر، ما أجلَّ هذا التكريم، وما أوسعَ هذا النعيم.

 

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ)، قال مجاهد: "عند الموت، (أَلاَّ تَخَافُواْ) أي: ممّا تُقدمون عليه من أمر الآخرة، (وَلاَ تَحْزَنُواْ) على ما خلَّفتموه من أمر الدنيا من ولدٍ وأهل ومال أو دَين، فإنّا نخلفُكم فيه، (وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)، فيبشِّرونهم بذهاب الشرّ وحصول الخير، (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) أي: تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنَّا أولياءَكم أي: قرناءَكم في الحياة الدنيا، نسدِّدُكم ونوَفِّقكم ونحفَظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة؛ نؤنِس منكم الوحشةَ في القبور وعند النفخةِ في الصور، ونؤمِّنكم يومَ البعثِ والنشور، ونجاوِزُ بكم الصراطَ المستقيم، ونوصلكم إلى جنَّات النعيم، (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ) أي: في الجنة من جميع ما تختارون ممَّا تشتهيه النفوس وتقرّ به العيون، (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) أي: مهما طلبتُم وجدتم وحضَر بين أيديكم كما اخترتُم، (نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) أي: ضيافةً وعطاءً وإنعامًا من غفور لذنوبكم رحيم بكم".

 

قال الله -تعالى-: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة:105]

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه؛ إنّه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على فضلِه وإحسانه، والشكرُ له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ نبيّنا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله الداعي إلى جنّته ورضوانه، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه وإخوانه.

 

أمّا بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.

 

أيّها المسلمون: إنّ أحسنَ أحوالِ العبد أن يُتبعَ الحسنةَ حسنةً بعدها مع البُعد عن السيئات، قال الله -تعالى-: (فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَيءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) [الشورى:36-39].

 

وهذه الحال منزلةُ المقرَّبين السابقين للخيرات التاركين للمحرَّمات، ثمّ دون هذه المنزلةِ أن يتبعَ العبدُ السيئةَ الحسنةَ كما أمر الله بذلك، قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذكِرِينَ) [هود:114].

 

وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اتّق الله حيثما كنتَ، وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ الناسَ بخلقٍ حسن". فإذا وَفّق اللهُ العبدَ لفريضةٍ وعملِ طاعة فيتبع الحسنة حسنةً، ويتبع السيئةَ حسنة.

 

وأسوأُ أحوال العبدِ أن يُتبع السيئةَ سيئةً بعدها، ولا يحاسبُ نفسَه، ولا يخاف ربَّه، ولا يفكّر في توبَة؛ فمن رضي لنفسِه بأسوأ الحالات وشرِّ الصفات ونزولِ الدركات خسِر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

 

فكن -يا عبدَ الله- ممّن سلك سبيلَ النجاةِ وعمل لأخراه، وأصلَح دنياه بطاعةِ مولاه، وتذكّر الموتَ وكرباتِه وما يكون بعدَه من الأهوال، وأعِدَّ لذلك اليوم أفضلَ ما تقدِر عليه من الأعمال، وإنّ أجلَ الله لآت، وما أنتم بمعجزين.

 

عبادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56 ]، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "من صلّى عليَّ صلاةً واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا".

فصلّوا وسلِّموا على سيِّد الأولين والآخرين وإمام المرسلين. اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد...

 

 

  

 

 

المرفقات

4

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات