الاستعجال

سامي بن خالد الحمود

2011-12-29 - 1433/02/04
عناصر الخطبة
1/ من آفات العجلة 2/ من صور الاستعجال المذموم

اقتباس

وإذا كانت العجلة في أصلها مذمومة ومنقصة، فإن نقيضها وهو التواني والكسل والتردد والتخاذل كلها رذائل لا تليق بحكيم، والإسلام يدعو إلى المبادرة والمسابقة والمسارعة في أعمال الآخرة، (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ).. (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ). وفي الحديث "بادروا بالأعمال سبعاً" ..

 

 

 

 

 

عباد الله: أتحدَّثُ إليكم اليوم عن صفة مذمومة، لكنها من صفاتنا كلنا، لا يسلم منها أحد مِنَّا.

صفةٌ تقف وراءها نفس مندفعة، أو انفعال متهور، قُتل الأبرياء من آثارها، والطلاق من ثمارها، واليأس من أضرارها، وترك الدعاء من مظاهرها، والتعالم من نتائجها. إنها صفة العجلة أو الاستعجال.

صفةٌ فطَر الله الإنسان عليها، لكنه حذره منها، قال تعالى: (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) [الأنبياء:37].

العجلةُ صفةُ الإنسان الذي يسابق القضاء، إلا أن يتصل بالله فيثبت، ويطمئنَّ ويكِلَ الأمر لله فيرضى ويسلم ولا يتعجل.

ومن عجلة الإنسان أنه ربما يستعجل في سؤال الله ما يضره كما يستعجل في سؤال الخير، ولو استجاب له ربه لهلك بدعائه، ولهذا قال سبحانه: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [يونس:11].

ومن آفات العجلة أنها تورث أمراضاً وآثاراً نفسية كالقلق، والارتباك والنسيان، والخوف من المجهول، بخلاف الحكيم المتأني فإنه يكون ساكناً متئداً، وسهلاً ليناً يضع الأمور في مواضعها.

ولهذا قال ابن القيم: لا حكمة لجاهل ولا طائش ولا عجول، وجاء في الحديث: "التأني من الله والعجلة من الشيطان" رواه الترمذي وأبو يعلى وحسنه الألباني.

والعَجِل تصحبه الندامة وتعتزله السلامة، وكانت العرب تكني العجلة: أم الندامات، وإن الزلل مع العجل.

وإذا كانت العجلة في أصلها مذمومة ومنقصة، فإن نقيضها وهو التواني والكسل والتردد والتخاذل كلها رذائل لا تليق بحكيم، والإسلام يدعو إلى المبادرة والمسابقة والمسارعة في أعمال الآخرة، (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [الحديد:21]، (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران:133]. وفي الحديث:" بادروا بالأعمال سبعاً".

أما الاستعجال المذموم فصوره كثيرة: منها الاستعجال في تصديق الأخبار قبل التثبت من صحتها، أو في إصدار الأحكام مدحاً أو ذماً دون دراية وتريث وتبين.

قال أبو حاتم: العجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، ويعزِم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم. اهـ.

ولا ننسى -أيها الإخوة- ما وقع في الأيام القريبة الماضية، من مسارعة بعض الألسنة والأقلام المنحرفة للنيل من جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! وإن تعجب من صنيع هؤلاء الكتاب المنحرفين، فإن الأعجب منه، مسارعة بعض الناس لتصديقهم والحكم على الأمور قبل التثبت منها، وصدق الله: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:83].

إن من الآفات الخطيرة في حياتنا الاستعجال في الحكم على الأشخاص أو الجهات، فما أن نسمع أن فلاناً فد أخطأ، إلا ونسارع لاتهامه وربما استباحة عرضه دون تثبت.

ومن الاستعجال المذموم كذلك الاستعجال في الحكم على المواقف والأشخاص، ربما يستعجل الشرطي في الأخذ على يد المتهم، أو رجل المرور في التعامل مع المخالف، أو رجل الهيئة في الحكم على الموقف أو الشخص، فعلى هؤلاء جميعاً أن يتثبتوا وأن لا يتعجلوا الأحكام قبل تبينها، وهذه قاعدة هامة تفيدنا في حياتنا وتعاملنا مع غيرنا.

أذكر أنني قبل سنوات كنت أسير مع بعض الإخوة من، وفجأة انحرفت سيارة إحدى العائلات أمامنا بسرعة، وانقلبت على جانب الطريق.

توقفنا بسرعة، وأركبنا المصابين معنا في السيارة وانطلقنا إلى أقرب مركز إسعاف، وبينما نحن في الطريق، التفتُّ إلى الرجل الذي يركب على باب الراكب فإذا به يخرج الدخان من جيبه، فقلت في نفسي: هذا وقت تدخين؟ وهمَمْتُ أن أسارع إلى الإنكار على الرجل، وأحمد الله أن الرجل كان أسرع مني، أخرج الرجلُ الدخان وبدأ يحطمه بيديه ثم رماه من النافذة، وبدأ يطلق كلمات التوبة والاستغفار، ويحمد الله الذي نجاه من الموت، وأصبح بعدها من الصالحين الحريصين على الخير ودروس العلم. إذن، لا تعجل في الحكم على ما تشاهد قبل أن تتبين الأمر.

ومن صور الاستعجال المذموم، استعجال بعض الدعاة والمصلحين في إصلاح الناس وتغيير واقعهم، روى البخاري وغيره عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد ببرود له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان مَن قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأشماط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله! لَيُتِمَنَّ اللهُ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموتَ لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".

إن كثيراً من الشباب المتحمس يبدأ في الدعوة باندفاع، مع قلة ما يواجه المبتدئ غالباً من عقبات، فإذا ما توغل وحصل له نوع من أنواع الابتلاء من عدم استجابة الناس، أو عدم زوال المنكرات، بدأ يتململ ويتذمر وربما يتوقف عن مواصلة الطريق، أو يتصرف تصرفات رعناء من واقع الضغط النفسي.

ينبغي أن يعلم أرباب الاستعجال أن لله في خلقه سنناً لا تتبدل، وأن لكل شيء أجلاً مسمى، وأن الله لا يعجل كعجلة أحد من الناس، وأن لكل ثمرة أواناً تنضج فيه فيحسن عندئذ قطافها.

وعلى الداعية والمصلح أن يعلم أنه ليس مطالباً بالنتائج أو تحقيق النصر للإسلام، فهذا أمره لله، لكنه مطالب ببذل الجهد فحسب: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) [الشورى:48].

ومن الاستعجال المذموم الاستعجال عند الدعاء، ففي الحديث: "يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي". فكن على حذر أن تقول: دعوتُ ودعوت فلم يستجب لي، فتمل الدعاء وتركن إلى اليأس والقنوط وأنت على خيرٍ ما دمت تدعو ربك.

ومن الاستعجال المذموم، الاستعجال في طلب العلم، حينما ترى طلاب العلم قد أصيبوا بداء العجلة وسقوط الهمم ونفاذ الصبر على طلب العلم والجلوس عند ركب العلماء وملازمتهم، حتى أصبح بعض الطلاب اليوم لا يقدرون على إكمال متن علمي، وجل همهم المختصرات والوجبات العلمية السريعة، ناهيك عما ينتج عن هذا الأمر من استعجال الإمامة والتصدر للفتوى والاجتهاد.

وقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل الشبر الأول تكبر، ومن دخل الشبر الثاني تواضع، ومن دخل إلى الشبر الثالث علِم أنه لم يعلم.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعل ما نتعلمه حجة لنا لا حجة علينا. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم.

 

 

الخطبة الثانية:

عباد الله: ونحن نتحدث عن آفة الاستعجال، فإن من أمَرِّ صور الاستعجال المذموم وأنكاها، تلك الحماسة المتهورة والعواطف غير المنضبطة، التي تسفك بها الدماء، ويقتل فيها الأبرياء، ويزعزع الأمن، وإن ما شهدته بلادنا من أحداث مؤسفة ومواجهات أليمة، هو صورة من ذلك الاستعجال المذموم لفئة من الشباب الذين ربما توهَّم أحدهم أن التمكين في الأرض وبسط سلطان الدين هو قاب قوسين أو أدنى بهذه الأعمال الفاسدة.

ومن آفات الاستعجال في حياتنا استعجال بعض الناس للشهوة المحرمة، وإيثارهم الدنيا العاجلة على الآخرة الآجلة، كما قال الله: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) [القيامة:20-21]، وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات:37-39].

وتلك والله آفة خطيرة، يكفي أن تعلم -يا ابن آدم- أن الذي أخرج أباك آدم من الجنة، أنه استعجل الأكل من الشجرة التي نهي عنها، فأكل منها هو وزوجه فأخرجهما الله من الجنة.

فيا أيها الشاب، لا تستعجل شهوتك، إذا حدثتكَ نفسُكَ أن تُذهبَ دِينَك وتُرِيقَ ماءَ حياتِك وعفتِكَ بلذةٍ مُحرمةٍ فتذكرْ أنَّكَ بذلكَ تحرم نفسكَ ما هو خيرٌ وأبقى وأتقى وأنقى، إنَّهُنَّ الحُورُ العِين اللاتي لو اطلعت إحدَاهُنَّ على أهلِّ الأرضِ لملأت ما بينهما ريحًا ونورًا، ولَنَصِيفُها على رأسها خيرٌ من الدُنيا وما فيها، مهورهن العِفة والصبرِ على المغرياتِ، ولقاؤهن في جنةٌ عرضها الأرض والسماوات، فيها ما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشر.

ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير البرية...

 

 

 

 

 

 

المرفقات

1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات