الابتلاء

عبدالمحسن بن محمد القاسم

2011-09-06 - 1432/10/08
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ نهج الأنبياء في الثبات 2/ نهج النبي صلى الله عليه وسلم في الثبات 3/ ثبات الصحابة رضوان الله عليهم 4/ الابتلاء مع الأعداء

اقتباس

فجبلت الدنيا على الأخطار والأكدار، هذا مبتلى بالجوع، وهذا بالخوف، وذلك بنقص النفس، وذلك بالأموال، والمحن لا تعرف زمانًا ولا مكانًا ولا جنسًا ولا سنًّا: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، والإيمان بالأقدار خيرها وشرها ركن من أركان الإيمان، والمؤمن ثابت عند الشدائد والعظائم لا تزعزعه البلايا والمحن ..

 

 

 

 

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.

أيها المسلمون: قدّر الله المقادير والآجال، ونسخ الآثار والأعمال، وخلق السموات والأرض والموت والحياة للابتلاء: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [هود: 7].

فجبلت الدنيا على الأخطار والأكدار، هذا مبتلى بالجوع، وهذا بالخوف، وذلك بنقص النفس، وذلك بالأموال، والمحن لا تعرف زمانًا ولا مكانًا ولا جنسًا ولا سنًّا: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35]، والإيمان بالأقدار خيرها وشرها ركن من أركان الإيمان، والمؤمن ثابت عند الشدائد والعظائم لا تزعزعه البلايا والمحن، يسير مع القضاء كيفما كان، مؤمنًا به مفوضًا أمره إلى الله متوكلاً عليه.

والابتلاء مسلك العظماء؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، إن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه". رواه الترمذي.

وابتلاء المؤمن لتمام أجره وعلو منزلته؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: "وما يزال البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على ظهر الأرض وما عليه خطيئة". رواه أحمد.

قال ابن رجب -رحمه الله-: "وإنما يعرف قدر البلاء إذا كشف الغطاء يوم القيامة".

والمسلم عزيزٌ عظيمٌ لا ينكسر أمام البلايا؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمن كالخامة من الزرع -وهي أول ما ينبت منها-، تفيؤها الريح -أي تميلها- مرة وتعدلها مرة -أي يبتلى ثم يعود إلى قوته-، ومثل المنافق كالأرزة -أي كشجرة الأرز-، تزال حتى يكون انجعافُها -أي سقوطها- مرة واحدة". أي إنها قوية في رأي العين لكنها في حقيقتها ضعيفة تسقط مرة واحدة. متفق عليه.

وكان نهج الأنبياء -عليهم السلام- القوة عند البلاء، والثبات على الدين عند المحن، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد". رواه النسائي. والخليل إبراهيم -عليه السلام- كسر الأصنام، وقال أعداؤه: (فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ) [الأنبياء: 61]؛ فلم يخش منهم وقال لهم: (أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) [الأنبياء: 67]، وهددوه بالحرق بالنار فلم يزده إلا أملاً بالله فقال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: 100 – 101]، ولما قال له أبوه: يا إبراهيم (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ) [مريم: 46]، لم يضعف عن الدعوة وقال له: (سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) [مريم: 47].

ويوسف -عليه السلام- وهو في السجن لم يقعده حزنه عن الدعوة إلى التوحيد: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [يوسف: 39].

ولوط -عليه السلام- قال له قومه: (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) [الشعراء: 167]، فقال لهم بعزة: (إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ) [الشعراء: 168]، أي المبغضين.

وشعيب -عليه السلام- توعدوه بالإخراج إن لم يتبع دينهم، فقال لهم: (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا) [الأعراف: 89].

ويونس -عليه السلام- لم يثنه الهم عن التعلق بربه وهو في بطن الحوت، بل كان ينادي ربه بالتوحيد: (لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: 87].

وفرعون يتهم موسى بالجنون ويقول: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء: 27]، وموسى لا يضيره كلامه ويدعوه إلى الله ويقول: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) [الشعراء: 28].

ولما جمع فرعون سحرته لإرجاف موسى قال لهم: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) [طه: 59] -أي يوم العيد- ليرانا جميع الناس، وكان ذلك في موقف مهول، وقال موسى وهو واثق بنصر الله: (أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ) [يونس: 80]. ولما خذله بنو إسرائيل واستنكفوا عن القتال وقالوا: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة: 24]لم يتوانَ عن إنفاذ أمر ربه، بل قاتل وقاتل معه أتباعه ونصرهم الله. ولما خرج من مصر تبعه فرعون فإذا البحر أمامه وفرعون خلفه، فقال أصحاب موسى: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) [الشعراء: 61]، وقال بإيمان راسخ وقوة بالله: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء: 62].

ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حبس في شعب من شعاب مكة ثلاث سنوات فلم يتوقف عن الدعوة، وسخروا منه وقالوا: ساحر وكذاب ومجنون، فأعرض عنهم؛ فأخرجوه من بلده مكة: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ) [التوبة: 40]، فأكمل إبلاغ رسالة ربه في بلد آخر.

وفي بدر يرى كثرة المشركين ويقول: "إني أريت مصارع القوم". وانهزم في أحد وسار إلى خيبر للقتال، وتجمعت عليه الأحزاب في غزوة الأحزاب، ثم سار إلى مكة لفتحها، وانهزم في حنين، وغزا الروم في تبوك، وكسرت رباعيته وشج رأسه وسال الدم على وجهه، وسحره اليهود، ووُضِع له السم، وربط الحجارة على بطنه من شدة الجوع، ورُمِي في بيته بالإفك، ومات ستة من أولاده ولم يبقَ له من أولاده سوى فاطمة -رضي الله عنها- فما صدَّه ذلك عن نفع الناس بالعلم والنور، وأثنى الله على صبر الرسل وعزيمتهم بقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) [الأنبياء: 73].

والصحابة -رضي الله عنهم- أُخرِجوا من ديارهم فما وهنهم الخروج عن نصرة الدين؛ فجعل الله كنوز كسرى وقيصر تحت أيديهم. وفي غزوة الخندق يمسهم البرد والجوع والقلوب لدى الحناجر من الخوف، وصبروا لإبلاغ دين الله، وأصابهم مصابٌ جلل؛ وهو وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يقف حزنهم على موته عائقًا دون استمرارهم في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله؛ فساروا على نهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته، فأنفذ أبو بكر -رضي الله عنه- جيش أسامة، فقاتل المرتدين وقاتل مانعي الزكاة، ونصر الله الإسلام وأظهره على الدين كله، وخضعت أمم الأرض ودخلت في دين الله أفواجًا.

وبعد:

يا أيها المسلمون: دين الله متين، والله ناصره وناصر أتباعه؛ قال -عز وجل-: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: 21]، ولئن ضعف المسلمون في زمنٍ فالله ناصرهم إن عادوا إليه: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ) [محمد: 7]، وإن انكسر المسلمون في موقفٍ فهم المنتصرون وإن انهزموا.

ومحنة المؤمن خفيفةٌ منقطعة، ومحنة الكافر شديدةٌ متصلة؛ قال -جل شأنه-: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139]، وفرح الكافرين بنصر على الضعفاء هو ذلٌ لهم؛ قال -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ) [المجادلة: 20]، قال ابن القيم -رحمه الله-: "ما يصيب الكافر من العز والنصر دون ما يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذلٌ وكسرٌ وهوان وإن كان في الظاهر بخلافه". وإمهال الله لظلم الكافرين ليزدادوا من الإثم والهوان: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران: 178].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:
 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا.

أيها المسلمون: في الابتلاء مع الأعداء تمحيصٌ ورفعةُ أجورٍ وتكفيرُ سيئاتٍ واتخاذُ شهداء ونصرةٌ للدين وعودةٌ للمسلمين إلى الله وظهورُ مكرِ أعداء الله، وقد تابع المسلمون ما جرى لأهل غزة من القتل والتدمير من عدوٍّ لا يرحم الصغير ولا الشيخ الكبير، لاقى فيها أهلها من أشد الكرب والعناء، وعاشوا المحن والبلاء، ولعل في ذلك إيقاظًا للمسلمين ودافعًا إلى محاسبة أنفسهم والرجوع إلى الله والقيام بأوامره، ونبذ أسباب الضعف وطلب النصر من الله.

اللهم فرّج كربهم، وارحم من توفاه الله منهم، واشف جريحهم، وارحم ضعيفهم، واجبر كسيرهم، وفك أسيرهم، وصد عدوهم عنهم، وأشغله بنفسه يا عظيم.

اللهم أعمر بالإيمان قلب من أعمر ديارهم، واجز ولي أمرنا ما قدمه لهم من نصرةٍ وبذلٍ وتأييدٍ خير الجزاء، واشكر سعيه لتوحيد كلمة القادة على الحق يا رب العالمين، وانفع به الإسلام والمسلمين.

اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام أو المسلمين بسوء فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره، وألق الرعب في قلبه، وزلزل الأرض من تحت قدمه يا عظيم يا قوي يا عزيز: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201]، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23].

اللهم إنا نسألك التوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة، اللهم ألهمنا الصواب ووفقنا للحق وجنبنا الفتن يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

عباد الله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90]؛ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
 

 

 

 

 

المرفقات
إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات