الإيمان وأسباب زيادته ونقصانه

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2010-03-19 - 1431/04/03
التصنيفات: الإيمان
عناصر الخطبة
1/ ثمرات الإيمان وفوائده 2/ شرف الإيمان وفضله 3/ تفاوت الناس في الإيمان تفاوتا عظيما 4/ أسباب زيادة الإيمان 5/ أسباب ضعف الإيمان 6/ اعتناء السلف بحالتهم الإيمانية 7/ ضرورة تعاهد القلب بالرعاية والاهتمام
اهداف الخطبة

اقتباس

إن الإيمان شجرة مباركة، عظيمة النفع، غزيرة الفائدة، كثيرة الثمر، لها مكان تغرس فيه، ولها سقي خاص، ولها أصل وفرع وثمار؛ أما مكانها؛ فهو قلب المؤمن، فيه توضع بذورها وأصولها، ومنه تنشأُ أغصانها وفروعها، وأما سقيها فهو الوحي المبين: كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فبه تسقى هذه الشجرة المباركة، ولا حياة لها ولا نماء إلا به، ..

 

 

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، ومبلغ الناس شرعه، فصلوات الله وسلامه وعليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه، ثم اعلموا -رحمكم الله- أن أهمّ ما يجب على العبد العنايةُ به في هذه الحياة الإيمان، فهو أفضل ما اكتسبته النفوس، وحصلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، بل إن كل خير في الدنيا والآخرة متوقف على الإيمان الصّحيح؛ فهو أعظم المطالب، وأجل المقاصد، وأنبل الأهداف.

فبالإيمان -عباد الله- يحيا العبد الحياة الطيبة في الدارين، وينجو من المكاره والشرور والشدائد، ويدرك جميل العطايا وواسع المواهب.

وبالإيمان ينال ثواب الآخرة، فيدخل جنة عرضها كعرض السماء والأرض، فيها من النّعيم المقيم والفضل العظيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وبالإيمان -عباد الله- ينجو العبد من نارٍ عذابُها شديد، وقعرها بعيد، وحرها أليم، وبالإيمان يفوز العبد برضا ربه سبحانه؛ فلا يسخط عليه أبدًا، ويتلذذ يوم القيامة بالنظر إلى وجهه الكريم، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.

وبالإيمان يطمئن القلب، وتسكن النفس، ويسر الفؤاد: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].

وكم للإيمان من الفوائد العظيمة، والآثار المباركة، والثمار اليانعة، والخير المستمر في الدنيا والآخرة، ما لا يحصيه ولا يحيط به إلا الله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 17].

عباد الله: إن الإيمان شجرة مباركة، عظيمة النفع، غزيرة الفائدة، كثيرة الثمر، لها مكان تغرس فيه، ولها سقي خاص، ولها أصل وفرع وثمار؛ أما مكانها؛ فهو قلب المؤمن، فيه توضع بذورها وأصولها، ومنه تنشأُ أغصانها وفروعها، وأما سقيها فهو الوحي المبين: كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فبه تسقى هذه الشجرة المباركة، ولا حياة لها ولا نماء إلا به، وأما أصلها -عبادَ الله-؛ فهو أصول الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر: خيره وشره، وأعلى هذه الأصول الإيمان بالله؛ فهو أصل أصول هذه الشجرة المباركة، وأما فروعها؛ فهي الأعمال الصالحة، والطاعات المتنوعة، والقربات العديدة، التي يقوم بها المؤمن من صلاة وزكاة وحجٍّ وصيام وبر وإحسان وغير ذلك، وأما ثمارُها؛ فكل خير وسعادة ينالها المؤمن في الدّنيا والآخرة، فهو ثمرة من ثمار الإيمان، ونتيجة من نتائجه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97].

عباد الله: والناس يتفاوتون في الإيمان تفاوتًا عظيمًا بحسب تفاوتهم في هذه الأوصاف قوةً وضعفًا، وزيادةً ونقصًا؛ فجدير بالعبد المسلم الناصح لنفسه أن يجتهد في معرفة هذه الأوصاف ويتأملها، ثم يطبقها في حياته ليزداد إيمانه، ويقوى يقينه، ويعظم حظه من الخير، كما أن عليه -عباد الله- أن يحفظ نفسه من الوقوع في الأمور التي تنقص الإيمان وتضعف الدين؛ ليسلم من عواقبها الوخيمة، ومغبتها الأليمة.

عباد الله: وللإيمان أسباب كثيرة تزيده وتقويه؛ أهمها: تعلم العلم النافع، وقراءة القرآن الكريم وتدبره، ومعرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وتأمّل محاسن الدين الإسلامي الحنيف، ودراسة سيرة نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم- وسير أصحابه الكرام، والتأمل والنظر في هذا الكون الفسيح وما فيه من دلالات باهرة، وحجج ظاهرة، وآيات بينة: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 191].

كما أن الإيمان يزيد بالجد والاجتهاد في طاعة الله، والمحافظة على أوامره، وحفظ الأوقات في طاعته وما يقرِّب إليه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69].

عباد الله: وللإيمان أسباب كثيرة تنقصه وتضعفه يجب على العبد المؤمن أن يحترز منها وأن يحتاط عن الوقوع في شيء منها، وأهمها: الجهل بدين الله، والغفلة والإعراض، وفعل المعاصي، وارتكاب الذنوب، وطاعة النفس الأمّارة بالسوء، ومخالطة أهل الفسق والفجور، واتباع الهوى والشيطان، والاغترار بالدنيا، والافتتان بها، بحيث تكون غايةَ مُنى الإنسان وأكبر مقصوده.

عباد الله: ولما تحقق لدى سلف الأمة وصدرها وخيارها عظم شأن الإيمان، وشدة الحاجة إليه، وأن الحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء، كانت عنايتهم به عظيمةً ومقدَّمة على كل أمر، فكانوا يتعاهدون إيمانهم، ويتفقدون أعمالهم، ويتواصون بينهم؛ كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول لأصحابه: "هلموا نزددْ إيمانًا"، وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول: "اجلسوا بنا نزدد إيمانًا"، وكان يقول في دعائه: "اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقهًا"، وكان عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: "تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ولنزدد إيمانًا بطاعته، لعله يذكرنا بمغفرته"، وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقول: "من فقه العبد أن يعلم أمُزداد هو أو منتقص"، أي من الإيمان، وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه. وكان عمير بن حبيب الخطمي -رضي الله عنه- يقول: "الإيمان يزيد وينقص، فقيل: وما زيادته ونقصانه؟! قال: إذا ذكرنا الله -عز وجل- وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه". والنقول في هذا المعنى عنهم كثيرة.

عباد الله: ولهذا فإن العبد المؤمن الموفَّق لا يزال يسعى في حياته بتحقيق أمرين عظيمين ومطلبين جليلين: الأول: تقوية الإيمان وفروعه، والتحقق بها علمًا وعملاً، والثاني: السعي في دفع ما ينافيها وينقضها أو ينقصها من الفتن الظاهرة والباطنة، ويداوي ما قصر فيه من الأول، وما تجرأ عليه من الثاني بالتوبة النصوح وتدارك الأمر قبل الفوات، والإقبال على الله -جل وعلا- إقبالاً صادقًا بقلب منيب، ونفس مخبتة مطمئنة مقبلة على الله، ترجو رحمة الله، وتخاف عقابه، فنسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمن علينا جميعًا بتحقيق ذلك وتكميله على الوجه الذي يرضيه عنَّا، وأن يرزقنا جميعًا إيمانًا صادقًا، ويقينًا كاملاً، وتوبة نصوحًا، وأن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإن تقوى الله -جل وعلا- أساس الفلاح وعنوان السعادة في الدنيا والآخرة، وتقوى الله -جل وعلا- هي أن يعمل العبد بطاعة الله، على نور من الله، يرجو ثواب الله، وأن يترك معصية الله، على نور من الله، يخاف عقاب الله.

عباد الله: روى الحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الكبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم". فوصف -صلى الله عليه وسلم- الإيمان بأنه يخلق كما يخلق الثوب، أي أنه يبلى ويضعف ويدخله النقص من جراء ما قد يقع فيه المرء من معاصٍ وآثام، وما يلقاه في هذه الحياة من ملهيات متنوعة، وفتن عظام، تذهب جدة الإيمان وحيويته وقوته، وتضعف جماله وحسنه وبهاءه؛ ولهذا أرشد -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث العظيم إلى تعاهد الإيمان والعمل على تقويته، وسؤال الله تبارك وتعالى زيادته وثباته، والله -جل وعلا- يقول: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات: 7]، فمن الخير للعبد المؤمن -عباد الله- أن ينصح لنفسه في إيمانه الذي هو أغلى شيء لديه، وأثمنُ أمر عنده، وهو خير زاد إلى لقاء الله.

والكيس -عباد الله- من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. وصلوا وسلموا على محمد بن عبد الله كما أمركم الله في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًا"، وجاء عنه -عليه الصلاة والسلام- الحث على الإكثار من الصلاة والسلام عليه في ليلة الجمعة ويومها، فأكثروا في هذا اليوم الأغرّ المبارك من الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، اللهم انصر من نصر الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم- اللهم انصر إخواننا المسلمين في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كل مكان، اللهم انصرهم نصرًا مؤزّرًا، اللهم احفظهم بحفظك، وأيِّدهم بتأييدك، واكلأهم برعايتك وعنايتك، يا حي يا قيوم.

اللهم وعليك باليهود الغاصبين المعتدين؛ فإنهم لا يعجزونك، اللهم مزقهم شر ممزق، اللهمّ خالف بين قلوبهم، وشتت شملهم، واجعل عليهم دائرة السَّوء يا حي يا قيوم يا عزيز، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وأعنه على البر والتقوى، وسدده في أقواله وأعماله، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وارزقه البطانة الصّالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم- واجعلهم رأفة ورحمة على عبادك المؤمنين.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك إيمانًا صادقًا، ويقينًا راسخًا، وتوبة نصوحًا، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أموالنا وأوقاتنا وأزواجنا وذريتنا، واجلنا مباركين أينما كنا، اللهم اغفر لنا ذنبنا كله: دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخّرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، اللهم اغفر ذنوب المذنبين، اللهم اغفر ذنوب المذنبين، وتب على التائبين، واكتب الصحة والسلامة والعافية لعموم المسلمين، اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله: اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
 

 

 

 

 

المرفقات

1200.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات