الإمام المجدد أحمد بن عرفان الشهيد: سيرة ومسيرة

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2021-05-23 - 1442/10/11
التصنيفات: شخصيات تاريخية

اقتباس

الخيانة هي السبب الرئيسي وراء معظم هزائم الأمة عبر العصور؛ فخيانة أمراء بيشاور بسبب الحرص على المناصب والمكاسب، وخيانة زعماء القبائل بسبب حب العادات الجاهلية وتقديس التقاليد، وخيانة بعض جند المسلمين بسبب المال، وتعددت صور...

من محاسن الشريعة الإسلامية وكمالها، ومن مواطن القوة في الدين الإسلامي أن الله -عز وجل- تكفل بحفظه وصيانته من العبث والتحريف الذي وقع في الشرائع السابقة، حتى يبقى الدين ناصعاً بيناً حجة على العالمين، ومنارة للسالكين، وهداية للحائرين، ولعل ذلك يفسر لنا تلكم الحيوية الدفّاقة في الدين والتي تجعله الدين الأسرع انتشاراً، والأوسع تمدداً، والأكثر تأثيراً في نفوس معتنقيه.

 

وقد تكفل الله -عز وجل- في حفظ الإسلام بطريقين:

الأول: حفظ مصادره وموارده -القرآن والسنة- من العبث والتحريف، قال -تعالى- (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

 

والثاني: تجديد شباب الدين باصطفاء نوعية خاصة من الرجال تقوم بهذا الدور الهام.

 

ولأن رسالته -صلى الله عليه وسلم- رسالة خاتمة عالمية خالدة؛ فقد حملت من الخصائص والمزايا ما يُمكِّنها من مواجهة التحديات الزمانية والمكانية، وتبدّل أحوال الإنسان، وأبرز هذه المزايا مزية التجديد؛ فهو طوق النجاة الذي أرسله الله لعباده كلما أشرفوا على الغرق والانهيار والتفرُّق؛ لأن الله -سبحانه- يعلم حقيقة خلقه، ويعلم أنه كلما تقادم بهم الزمان ابتعدوا عن منهجه وصراطه المستقيم، فتجلَّت رحمة الله -تعالى- عليهم أنه بعث لهذه الأمة مجدِّدين يصنعهم سبحانه وتعالى على عينه؛ ليوقظوا هذه الأُمة من سباتها، ويعودوا بها إلى النبع الصافي، وقد بشرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهؤلاء المجدِّدين على رأس كل مائة سنة قائلاً: "إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا"

 

والتجديد إما أن يكون بإزالة تراكمات الانحرافات التي وقعت على تعاليم الإسلام بفعل سلوكيات المسلمين، وأما أن يكون بإزالة البدع والخرافات التي ابتدعت في هذا الدين، وأما أن يكون في نشر محاسن الإسلام في باب العقائد وباب الأحكام وباب الأخلاق وباب المعاملات وفي سائر جوانب الشريعة ودعوة الناس للعمل به وامتثاله، وأما أن يكون بإحياء ما اندرس من معالمه ورسومه.

 

ولذلك اشترط أهل العلم في المجدد أن يكون من الفرقة الناجية؛ بمعنى ألا يكون المجدد من فرقة ضالة منحرفة؛ لأنه سيجدد على ضوء انحرافه وابتعاده عن الدين، واشترطوا أن يكون على قدر كبير أو كاف من العلم، وبعضهم اشترط الاجتهاد في الأمر الشرعي الذي سيجدده المجدد، كما اشترطوا أن يعمَّ نفعه أهل زمانه؛ فالمجدد رجل مرحلة زمنية، تمتد قرنًا من الزمان؛ فهو منارة يستضيء بها الناس، ويسترشدون بهداها، حتى مبعث المجدد الجديد، وهذا يقتضي أن يعم علم المجدد ونفعه أهل زمانه، وأن تترك جهوده الإصلاحية أثرًا بيِّنًا في فكر الناس وسلوكهم، فيتم ذلك عبر تلامذته، وأصحابه الأوفياء الذين يقومون بمواصلة مسيرته الإصلاحية بنشر كتبه وأفكاره، وأخيراً اشترطوا أن يكون المجدد صاحب همة عالية مصداقاً للحديث النبوي: "إن الله يبعث"، فكلمة يبعث تدل على أن المجدد ليس كسولاً ولا خاملاً ولا صاحب مصالح دنيوية دنيئة، بل هو صاحب همة عالية وإرادة وعزيمة قوية يسهر الليل ويتعب في النهار ويحقق في المسائل ويبذل جهده وماله ووقته من أجل أن يجدد شيئاً من دين هذه الأمة.

 

والناظر إلى سيرة ومسيرة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد مجدد الإسلام في شبه القارة الهندية في القرن الثالث يجد كل هذه المعاني والشروط متجسدة فيه، لذلك استحق وصف المجدد على الرغم من عمره القصير.

 

الإسلام في بلاد الهند

عرف الإسلام طريقه إلى بلاد الهند مبكراً من عصر الصحابة -رضوان الله عليهم- ولكنه لم يصل إلى سدة الحكم وإقامة الحكومة الإسلامية إلا في عهد السلطان العظيم محمود الغزنوني (ت 421 هجرية)، وقد استمرت دولة الإسلام في الهند طيلة ثماني قرون تعاقبت خلالها الدول الإسلامية من غنويه إلى غورية إلى قطبية إلى بلبنية إلى خلجية إلى لودهية إلى مغول الهند الكبار. ورغم أن سياسة المسلمين تجاه الهندوس اتسمت في المجمل بالتسامح إلا إن ذلك لم يغير شيئاً من عداوة الهندوس للمسلمين وكراهيتهم الشديدة لكل ما هو مسلم.

 

استولى الإنجليز على الهند في القرن الثالث عشر الهجري، فتغيَّر الوضع، وفقد المسلمون ما كانوا يتمتعون به من سلطة وجاه، واحتكام إلى الشرع الحنيف في كل أمور الحياة؛ فقد عمد الإنجليز إلى تغيير الطابع الإسلامي للبلاد، خاصة المناطق ذات الأهمية الكبيرة؛ حتى يسهل عليهم إحكام سيطرتهم على باقي المناطق الإسلامية، مثل منطقة "دهلي، ومدينة "أجرا" أكبر مدينة بعد دهلي، فأخذوا يهجّرون الهنود إلى منطقة دهلي وما حولها من مناطق، وأفصحوا عن سياستهم المعادية لكل ما هو إسلامي في الهند، فحاربوا التعليم الإسلامي في الكتاتيب والمساجد والمدارس، واستولوا على الأوقاف الخيرية التي كانت تقوم بتمويل التعليم الإسلامي، وفي الوقت نفسه سعوا إلى تعليم الهندوس ليتولوا فيما بعد المراكز الإدارية العليا في الهند. وخلال تطبيق هذه السياسة لم يكف المسلمون مكتوفي الأيدي، فقاوموا ببسالة، فرد الانجليز بعقد تحالف مع الهندوس والسيخ وكل الملل الكافرة في الهند ضد المسلمين، وبدأت حملة مجازر مروعة بحق مسلمي الهند بتمويل وإخراج انجليزي وتنفيذ هندوسي وسيخي.

 

صحوة المسلمين

قبل احتلال الإنجليز للهند كان المسلمون يعانون من آفات اجتماعية كثيرة؛ فقد انتشر فيهم الجهل والبدع والخرافات، وسيطرت الطرق الصوفية الغالية على عقلية الكثيرين، ووجد الشيعة الروافض لهم موطأ قدم في البلاد، وفقد الإسلام كثيراً من بريقه بشيوع الجهل وغلبة البدع، حتى ظهر العالم الكبير ومجدد الإسلام في الهند "أحمد بن عبد الرحيم" المعروف بشاه ولي الله، أحد رواد الإصلاح في الهند، وصاحب كتاب " الحجة البالغة " أحد أهم مراجع التعريف بالإسلام في العصور المتأخرة.

 

أسس شاه ولي الله الدهلوي مدرسة علمية كبيرة في دهلي عاصمة الهند القديمة وأكبر مدينة في الهند، كان لها دور بارز وكبير في نشر العلم ومواجهة البدع والخرافات، والاهتمام بقضايا المسلمين والتربية ومواجهة التحديات الجديدة.

 

كانت نهضته علمية لم يسبق للهند أن عرفتها على مدى أزمان متطاولة، واقتفى الشيخ عبد العزيز ابن الإمام شاه ولي الله أثر والده في الاهتمام بالقرآن والحديث ومحاربة البدع والشرك، والاهتمام بأمر المسلمين خاصة وقد وقعت الهند تحت الاحتلال الإنكليزي.

 

ويكفي أن نعلم أن مشاهير علماء الحديث؛ كالشيخ المباركفوري شارح سنن الترمذي والمحدث نذير حسين هم من مدرسة الشيخ عبد العزيز، كما أن من مآثره الجليلة تأليفه لكتاب (التحفة الاثنا عشرية) الذي قاوم فيه فتنة التشيع، وفتنة الفوضى العقلية والفكرية المنتشرة في المجتمع الإسلامي في الهند، وفي عهد الشيخ عبد العزيز استطاعت شركة الهند الشرقية الإنكليزية أن تتسلم حكم أجزاء كبيرة في الهند، وقد قاوم هذا التدخل أمراء اشتهروا بالحمية والشجاعة، ولكن قوة الإنكليز تغلبت في النهاية.

 

كان الشيخ يرى هذه الأوضاع، ويرى هذا التغير، وأصدر فتواه الشهيرة بأن الهند أصبحت (دار الحرب) يقول: "إن حكم إمام المسلمين في هذه المدينة (دهلي) غير نافذ، والكفار أصحاب حكم وسلطة في شؤون إدارة البلاد وتنظيم الرعية والفصل في الخصومات، وإن كانوا لا يتعرضون لبعض الأحكام الإسلامية كإقامة الجمعة والعيدين ".

 

وعلى يد الإمام عبد العزيز بن شاه ولي الله الدهلوي تعلم وتربي المجدد أحمد بن عرفان الشهيد صاحب الحركة التربوية الجهادية التي استطاعت لفترة في الزمن أن تطبق شرع الله في الجزء الشمالي الغربي في الهند، وأن تبدأ الجهاد لتحرير الهند في الإنجليز.

 

مولده

ولد السيد أحمد بن محمد عرفان في صفر سنة 1201 هجرية /سبتمبر 1786 ميلادي في قرية من قرى "راي بريلي" وتعرف الآن باسم "تكية"، في أسرة معروفة بالتدين والاستقامة دفعت بابنها لتعلم أمور دينه، ومع سن الشباب والمراهقة اضطر أحمد للسفر برفقة جماعة من أقربائه إلى "لكهنؤ" باحثاً عن عمل ليسد حاجات أهله وبيته بعد وفاة أبيه، وفي رحلته وعند مدينة دهلي والتي يقطنها أبناء العالم شاه ولي الله التقى بالعالم عبد العزيز الدهلوي فتتلمذ على يديه.

 

كان أحمد بن عرفان محباً للفروسية والجندية مسكوناً بتراث أبطال المسلمين الكبار وفتوحاتهم الرائعة، فانتظم قبل جلوسه في مدرسة الإمام عبد العزيز في سلك الجندية، ولكنه وجد نفسه مقصراً في العلوم الشرعية، فتوجه لطلبه في مدرسة الإمام عبد العزيز، ونال منه قسطاً وافراً من العلوم النقلية، وحُبب إليه علم الحديث والسنّة النبوية المطهرة، وملأ قلبه وعقله طريقة السلف في تقرير العقائد، فقرر أن يسخّر جهده ووقته وعمره كله في نشر الدين وتصحيح العقائد ومحاربة البدع والخرفات.

 

بعد أن تلقى السيد أحمد عرفان علوم الدين على يد السيد عبد العزيز الدهلوي ذاك العالم الجليل قفل راجعاً إلى بلدته ووطنه "راي بريلي" وأقام فيه نحواً من عامين ولكن لم يرق له أن يرى المحتل يغتصب أرضه ويأكل من خيراته دون أن يقاومه فغادر بلدته مهاجراً إلى نواب أمير خان ( حاكم ولاية تونك) وذلك في سنة 1225هـ / 1810م، وقد قامت بينه وبين الانجليز وبعض القبائل الموالية لهم معارك، فأبدى له استعداده للجهاد وتربية الجيش، فرحب به الأمير نواب فأقام عنده ست سنين يدرب الجيش ويشير على الأمير بتدابير الحرب ومصالح القتال، وفي نفس الوقت يدعو الناس إلى صحيح الدين والالتزام بشرائعه، واتباع هدي السلف، فانتفع به الكثيرون، ثم وقعت بين الإنجليز والأمير مصالحة بالرغم من تحذير الإمام أحمد للأمير من مغبة ذلك ومكر الإنجليز ونكثهم للعهود، ولكنه أصر على المصالحة، فغادر الإمام أحمد الولاية وعاد إلى موطنه.

 

معالم التجديد في مسيرة الإمام

كما أسلفنا من قبل أن المجدد هو الذي يقوم بنشر الإسلام الصحيح ومحاربة البدع والخرافات وتجديد شباب الدين، وإحياء ما اندرس من معالمه وأركانه، وهكذا كانت مسيرة الإمام أحمد بن عرفان مع الإسلام في الهند، ومن أهم معالم مشروعه التجديدي في بلاد الهند خلال القرن الثاني عشر:

1- نشر الإسلام ومحاربة البدع والخرافات؛ فقد اشتغل الإمام بعد ذلك بالدعوة إلى الله، فاتجه إلى دهلي وبدأ دعوته إلى الإصلاح سنة 1232هـ / 1817م  وأخذ يدعو المسلمين إلى التمسك بدينهم، وترك البدع والخرافات، متعاونًا مع العالمين الجليلين: الشيخ عبد الحي، والشاه إسماعيل بن عبد الغني، وهما من أسرة شاه ولي الله، وقد بايعاه على الدعوة والجهاد. فتنقل بين القبائل والقرى والمدن يدعو الناس إلى الإسلام ويعظهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وقد استجاب له عدد كبير، وكان منهج دعوته يقوم على إنكار البدع الكثيرة التي كانت في المسلمين بسبب اختلاطهم بالهنادكة، وعلى إرجاع المسلمين إلى كتاب ربهم وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وتعليم الجهّال أصول دينهم وفروع شريعتهم التي يحتاجون لها، وقد أصلح الله على يديه عشرات الآلاف ممن تاب وأناب، وأسلم على يده من الهنادكة جملة كبيرة.

 

2- إحياء ما اندرس من الدين: كانت شعيرة الحج قد اندرست في بلاد الهند منذ دخول الاحتلال الإنجليزي الذي كان يهدف لقطع علائق المسلمين في الهند مع إخوانهم المسلمين في شتى بقاع العالم، فاستنطق الاحتلال بعض علماء السوء في الإفتاء بسقوط فريضة الحج عن أهل الهند؛ لكثرة الأخطار وطول الأسفار، وهكذا دائماً نرى علماء السوء عوناً لأعداء الإسلام في كل زمان ومكان؛ فقرر الإمام أحمد بن عرفان الخروج إلى الحج في حملة جماعية سنة 1236 ه، فانطلق من بلدته "راي بريلي" بمن اجتمع معه، ومروا في طريقهم بعدد من المدن أقاموا في كل واحدة منها مدة يدعون إلى الله تعالى، ويصلحون بين الناس، ويذكرونهم بالله، حتى تاب آلاف مؤلفة في "مرزابور"، و"بنارس"، و"كلكتا"، وغيرها.

 

وقد حدثت له طرائف في "مرزا بور"؛ فمن ذلك أنهم أرادوا إفراغ حمولة الباخرة فتأخر الحمّالون، وكان من العيب أن يباشر الأشراف والوجهاء والأغنياء الذين رافقوا في الحملة العمل بأنفسهم؛ فشجعهم وابتدأ العمل بنفسه، وأنزلوا حمولة المراكب والناس ينظرون إليهم في دهشة؛ لأن هذا لم يكن معتاداً في الهند، ولما رأى الحمّارون -أي سائقو الحمير- ذلك التواضع دعوا السيد أحمد إلى بلدتهم فأجابهم، وكان ذلك صدمة للأغنياء والوجهاء والأشراف الذين رجوه ألا يصنع، وأن مؤاكلة الحمّارين عيب كبير في عرفهم، لكنه بيّن لهم أن هؤلاء يقومون بخدمة جيدة، وأن الأنبياء كانوا يركبون الحمير؛ فأي ضير في إجابة دعوتهم؟ وحضر وليمتهم فأثابوه بعدها بأموال وهدايا فرفض أن يأخذ منها شيئاً؛ حتى لا يظن أنه إنما صنع ذلك للدنيا.

 

وفي "كلكتا" تأخر ركب الحج قليلاً لإنجاز إجراءات السفر، فاستغل السيد ذلك ودعا إلى الله هو ومشايخ معه حتى تاب على أيديهم ألوف، وتركوا معاقرة الخمر التي كانت شائعة في البلد، حتى أغلقت كثير من الحانات، وكسد سوق الخمر.

 

وفي أثناء تنقله من مدينة إلى مدينة جاءه وفد من مسلمي "التبت" فقراء يريدون الحج معه، فقال لهم: أنتم لا تستطيعون لفقركم. ودلهم على خير من ذلك ألا وهو الرجوع إلى التبت للدعوة، فأخبروه أنهم جُهّال، فعقد لهم دورة شرعية وإيمانية عادوا على إثرها دعاة، فانساق كثير من الناس لدعوتهم، وانصلح حالهم، وأسلم من أسلم، وانتقلت الدعوة من "التبت" إلى "الصين"، وكان في مشورة ابن عرفان الخير الكثير.

 

ثم تحرك الركب من "كلكتا" إلى الحجاز للحج وعادوا فرحين، وامتدت مدة غيابهم قرابة ثلاث سنين؛ بسبب وقوفهم في أماكن عديدة للدعوة وتربية الناس وهدايتهم مدداً طويلة نسبياً، وأعاد الله بهذا الحج الثقة للمسلمين بسلامة درب الحج.

 

وهكذا كان -يرحمه الله- يغير التقاليد البالية بنفسه، حتى أنه لما تزوج أرملة أخيه "إسحاق" وذلك لأن المسلمين في الهند تأثروا بالهنادكة في عدم التزوج من الأرامل، فأبطل هذه السنة السيئة بنفسه -يرحمه الله-.

 

3- إقامة الإمارة الإسلامية: رحلة الحج الطويلة والتي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات، وسعت من مدارك الإمام أحمد وبلورت كثيراً من أفكاره ورؤيته عن الإصلاح والتجديد؛ فقد تفطن إلى أن الظروف القاسية والأوضاع السيئة التي يعيشها مسلمو الهند ولا سيما مسلمو "البنجاب" لا ينقشع سحابها بدون أن تكون لهم دولة وحكم مستقل وشوكة؛ فلقد رأى أن الإسلام في هذه البلاد يتراجع بقوة حتى يكاد أن يندثر، ولو لم يقم لإسعافه أولو العزة والإيمان من المسلمين لخرج من الهند بلا رجعة، وأن القلم لا ينفع في ميدان السيف، كما لا ينفع السيف في معركة القلم؛ فالإسلام والمسلمون بحاجة إلى القوة. فاستقر عزمه على الخروج في سبيل الله دون أن ينتظر الفرصة الأخرى. وقد عيّن البنجاب مركزا للجهاد.

 

ولما استهلت سنة 1241 ه ودع الإمام أحمد أهله ووطنه مهاجرا في سبيل الله بجمع حاشد من المجاهدين، وقام معه الشيخ إسماعيل الدهلوي بجولات في المدن والقرى للدعوة وبيان السنة وكان لها كبير الأثر في جمع المجاهدين، وعندما أعلن للناس أنه عازم على ذلك، وشاع حديث الجهاد في الناس، وكانت خطة الإمام أن يهاجر في منطقة نفود الإنجليز، ويستعين بالقبائل الأفغانية وأهل البنجاب التي يتمتع أهلها بالأنفة والفروسية ومن هناك يزحف على الهند ليحرره من المحتل الانجليزي.

 

اتجه موكب الجهاد غربًا باتجاه السند، ثم بلوشستان فأفغانستان وقد لاقوا في الطريق أهوالاً ومشاقـًا تغلبوا عليها بإيمانهم وصبرهم وفي (قندهار) و (كابل) استقبل أهلها الإمام بحفاوة بالغة، وتكلم مع أمراء الأفغان وكان هدفه توحيد الصف الإسلامي لمقاومة الإنجليز ثم توجه الشيخ إلى بيشاور حيث استقر هناك وأسس أول معسكر للمجاهدين عام 1242هـ 1826م ومن هذا المعسكر أرسل الرسائل لزعماء القبائل يدعوهم فيها إلى الالتزام بأحكام الشرع والمساعدة على إقامة فريضة الجهاد وأرسل إلى حاكم بنجاب السيخي (رنجيت سنج) يدعوهم للإسلام ولكنه قابل هذه الدعوة بسخرية، وظن أنه شيخ له أطماع دنيوية.

 

استجاب لدعوة الشيخ أحمد كثير من الناس والأمراء وجاءه المتطوعون في الهند وفيهم العلماء، وفي يوم الخميس 12 جمادي الآخرة سنة 1242 هـ اجتمع العلماء والأمراء ورؤساء القبائل وبايعوا الشيخ أحمد بن عرفان على السمع والطاعة في المعروف واختاروه أميرًا لهم وذاق الناس حلاوة الحكم الإسلامي؛ فانتشر الأمن وعم الرخاء وساد الإخاء؛ فقد نُصب في كل قرية قاضي ومفتي وصاحب حسبة، وجامعو زكاة، وأزيلت المنكرات والعادات الجاهلية، وأرسل الأمير السرايا والجيوش للأماكن القريبة، وانتصر على السيخ في معركة (أكورة) بالقرب من بيشاور، وبث الدعاة للوعظ والإرشاد والدعوة للجهاد.

 

المكر الإنجليزي

ظلت إمارة الإمام أحمد قائمة طيلة أربع سنوات تحكم بالعدل والشرع، بحيث أصبحت دار هجرة المسلمين المخلصين الراغبين في إقامة حكم الله عز وجل في الأرض، وهذا بالطبع كان مما يغيظ أعداء الإسلام من الانجليز والهندوس والسيخ، ولكن نظراً لكثرة أتباع الإمام، وقوة أتباعه، أخذ الانجليز -أساتذة المكر والخداع- في التدبير والتخطيط للتخلص من الإمام ودولته الوليدة.

 

تحرك الانجليز على عدة محاور انطلاقاً من مبدئهم الشهير "فرق تسد"، فأرسلوا إلى أمراء الأفغان الذين تحالفوا مع الإمام أحمد، واستخدموا معهم أسلوب الترغيب والترهيب، وأخذوا يفتّلون لهم الحبال، حبلاً حبلاً، وينصبون عليهم الشباك؛ ليروا من يقع في شباكهم، حتى انضم إليهم بعض أمراء الأفغان، وزعماء بعض القبائل الذين لا يريدون التنازل عن عاداتهم الجاهلية وموروثاتهم القبلية، ويرفضون حكم الله وتطبيق الشريعة، فنكثوا بيعتهم للإمام أحمد وأعلنوا خلع الطاعة، ثم قاموا بعمل عدائي كان بمثابة إعلان حرب، حيث قاموا بقتل القضاة والمشايخ والدعاة الذين أرسلهم السيد أحمد للدعوة في تلك البلاد، فكان مردود ذلك سيئاً على الدولة الوليدة والعاملين فيها.

 

قام الانجليز أيضا بالتعاون مع مشايخ الطرق الصوفية الغالية التي كان لهم دولة وصولة في الهند زعزعتها حركة الإمام التجديدية وجهوده الإصلاحية؛ من أجل استصدار فتاوي من علماء السوء ضد الإمام أحمد ووصفه بالوهابي -نسبة للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله-؛ لكون الإمام صاحب عقيدة سلفية ويدعو للاحتكام للكتاب والسنة، وهذا الوصف في تلك الحقبة الزمنية، وفي تلك البلاد البعيدة، كان بمثابة الحكم بالإعدام على صاحبه؛ بسبب كثرة الأراجيف والأكاذيب التي راجت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

 

بالفعل آتت تلكم الفرية أُكلها، وانتشرت مثل النار في الهشيم، وتناقلها الناس في عموم الهند، وأخذ الكثيرون في الانفضاض من حول الإمام أحمد، فعامة أتباعه من عامة المسلمين الذين يريدون إقامة الدين إجمالاً، وحبهم للدين -أيما كانت صورته- هو الذي كان يدفعهم للانضمام للإمام أحمد، فلما سرت تلكم الفتوى الباطلة الزور، انفض الكثيرون من حول الإمام أحمد.

 

معركة وادي بالاكوت واستشهاد الإمام أحمد

ضاقت الأرض على الإمام أحمد ومن بقي معه من أتباع؛ فأمراء الأفغان انقلبوا عليه، ورجاله ودعاته يُقتلون في كل مكان، والأكاذيب والأباطيل تلاحقه، والناس ينفضون من حوله، فعقد العزم على التوجه إلى كشمير حيث دعاه أمراؤها ووعدوه النصرة، فخرج من البنجاب في طريق محفوفة بالأخطار، واتجه إلى كشمير.

 

قرر الإمام أحمد ترك هذه البلاد واتجه بجيشه وإخوانه إلى كشمير، ولم ينس الشيخ في طريقه تذكير وتعليم أهل القرى التي مَرَّ بها. وكان الطريق مهولاً محفوفاً بالمخاطر؛ إذ كان عليه أن يخترق بلاد البنجاب، ويصطدم مع زعيم السيخ "رينجيت سنج" وكان الانجليز قد أمده بأسلحة حديثة ومدافع، تحضيراً للمعركة الفاصلة مع الإمام أحمد.

 

وعند قرية جبلية اسمها (بالاكوت) وكانت المعركة الفاصلة مع دولة السيخ التي آذت المسلمين كثيرًا، وكان الإمام على أتم استعداد لمواجهة السيخ فنظم جيشه ووزع فرق الجهاد واستعد للمعركة، ولم يكن استعداد الشيخ للجهاد ولهذه المعركة يعتمد على السلاح والقوة بقدر ما كان يعتمد على الله وحده؛ فلقد سلك طريق النبي -عليه الصلاة والسلام- في جهاده فبعد أن جهز الجيش ودربه، وفي المعركة كما كان يفعل النبي دعا دعاء طويلاً، وعملاً بوصية أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-  والتي كان يدعو الناس فيها إلى ترك الذنوب والمعاصي، فقد طلب الشيخ أحمد من الناس التوبة والاستغفار، ثم لبس ملابس الحرب.

 

وفي صباح يوم 24 ذي القعدة 1246هـ صلى الإمام أحمد بالناس ثم نزل إلى الميدان ومعه إخوانه يحيطون به والقنابل تنهمر عليهم، وكانت المعركة في بادئ الأمر لصالح المسلمين، إلا أن الخيانة كانت لها دور كبير في هزيمة الجيش الإسلامي واستشهاد البطل أحمد عرفان؛ فقد جاء رجل ممن كانوا يحرسون الطريق إلى قائد جيش العدو، وأفضى إليه سرّ الطريق بغاية من التفصيل، نظير مبلغ من المال، فانقض السيخ على قافلته فهاجموها في وادي بالاكوت في 24 ذي القعدة من سنة 1246هـ/1831م، وقاتل هو ومن معه قتال الأبطال حتى استشهد وهو لابس كفنه، مقبل على ربه هو ورفيق دربه الشيخ إسماعيل بن عبد الغني بن شاه ولي الله الدهلوي، وعدد من أمرائه وجنده.

 

واعتصم من بقي من جنده بالجبال، وواصلوا الجهاد في أحوال صعبة جداً وبرد شديد وجوع وتعب؛ لكنهم صبروا وثبتوا سنوات حتى قضى الإنجليز على جهادهم، وحاكموهم محاكمات طويلة ظهرت فيها ضروب من ثباتهم، وصنوف من عزتهم ما كانت لتخطر على بال أعدائهم، ولقد كان الواحد منهم يقدم على الإعدام أو السجن المؤبد راضياً صابراً ثابتاً، مما يدل على تربية أصيلة، وفهم جليل، وإقبال على الله وتجرد وإخلاص.

 

تلك كانت دعوة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد جهاد باللسان، وجهاد بالسنان، وهداية وإرشاد، وتربية وتعليم، ونقض العادات السيئة وإبطالها، وإعزاز للمسلمين، وبث للثقة في قلوبهم، وصبر على مشاق الطريق، وتضحية بالنفس والنفيس، فلو لم يكن له بعد ذلك من هذا كله إلا تثبيت رحلة الحج واستمرارها، وجهاد السيخ الذين كان من ورائهم الإنجليز، وهداية عشرات الآلاف من المسلمين والهندوس على يده، لو لم يكن له إلا ذلك لكفاه؛ فكيف وقد أضاف إليه ما ذكرته، فرحمه الله رحمة واسعة، وتقبله في الشهداء.

 

أهم الدروس والعبر من سيرة الإمام المجدد

1- قوة الإسلام وانتشاره وهيمنته على القلوب ترجع إلى حيويته الدفّاقة، وقدرته على مواجهة الصعاب والتحديات والمتغيرات، وهذه الحيوية نابعة من ناصعة مصادره، والدور الذي يلعبه المجددون عبر القرون في الحفاظ على نصاعة الدين وتصويب انحرافات المنتسبين إليه عبر القرون.

 

2- سنة الله -عز وجل- ماضية في خلقه، والمجددون لا يخلو منع عصر ولا قطر ولا مجال من مجالات الدين، وهذا أمر مستمر وقائم من رأس المائة الأولى للإسلام إلى نزول المهدي.

 

3- المجدد ليس بالشخص الذي يأتي بما لم يأت به أحد قبله، وليس بدعاً من الدعاة والمجاهدين والعلماء، إنما يستكمل المسيرة، ويبدأ من حيث انتهى الآخرون، ويبني على أساس من قبله، فالإمام أحمد توج جهود العالم الكبير شاه ولي الله الدهلوي ومدرسته العلمية السلفية في الهند، وترجمها إلى حركة جهادية ودولة إسلامية، وخرج بها من التنظير إلى التطبيق.

 

4- الانجليز وغيرهم من أعداء الإسلام الذين احتلوا البلاد ونهبوا خيراتها كان شغلهم الشاغل هو القضاء على الإسلام الحقيقي متمثلاً في المخلصين من الدعاة والعلماء والمجاهدين، فهم يعلمون أن بقاءهم واستمرار احتلالهم لبلاد الإسلام مرهون بالقضاء على النسخة الأصلية للإسلام.

 

5- الطرق الصوفية الغالية وعلماء السوء وأهل الكلام والفلسفة والمنطق والطرق الاستشراقية وغيرها من الفرق الضالة المنحرفة عن صحيح الدين هم نكبة الأمة الحقيقية؛ فهم الخنجر المسموم المغروس في جسد الأمة، وهم دائماً في ركاب أعداء الإسلام؛ سواء محتل أوروبي صليبي، أو طاغوت محارب لله ولرسوله، أينما توجهت بناظريك عبر التاريخ لوجدت أمثال هؤلاء في معسكر الكفر والطغيان، يزينون لهم الباطل، ويدجنون لهم الناس، ويخدرون مشاعر الأمة، ويثبطون العزائم، ويوفرون الغطاء الشرعي لبقاء الاحتلال والطغيان.

 

6- نشر الدين وإزالة الانحرافات التي علقت به نتيجة ممارسة أتباعه، ومحاربة البدع والخرافات، وإزالة العادات الجاهلية والموروثات القبلية وآثار الأجداد، وإحياء ما اندرس من شعائر الدين ورسومه هي أهم واجبات الدعاة والمجددين عبر العصور.

 

7- الخيانة هي السبب الرئيسي وراء معظم هزائم الأمة عبر العصور؛ فخيانة أمراء بيشاور بسبب الحرص على المناصب والمكاسب، وخيانة زعماء القبائل بسبب حب العادات الجاهلية وتقديس التقاليد، وخيانة بعض جند المسلمين بسبب المال، وتعددت صور الخيانة، والنتيجة واحدة؛ لذلك كان الحرص على نقاء الصف أهم من بناء الصف نفسه.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات