الإسلام دين التفاؤل

عبد الرحمن بن محمد الهرفي

2013-02-27 - 1434/04/17
التصنيفات: قضايا اجتماعية
عناصر الخطبة
1/ أهم أسباب العمل هو التفاؤل بالنجاح 2/ حاجتنا للتفاؤل 3/ التفاؤل علامة النجاح 4/ حسن الظن بالله تعالى هو قمة التفاؤل 5/ أهمية التفاؤل في حياة المسلم 6/ كلمات قصيرة ورسائل سريعة 7/ موقف الإسلام الحازم من التشاؤم 8/ من أخطاء المتشائمين

اقتباس

إن التفاؤل هو ذلك السلوك الذي يصنع به الرجال مجدهم، ويرفعون به رؤوسهم، فهو نور وقت شدة الظلمات، ومخرج وقت اشتداد الأزمات، ومتنفس وقت ضيق الكربات، وفيه...التفاؤل يقاوم المرض، وقد ثبت طبيًّا أيضًا أن الذين يعيشون تفاؤلاً هم أقدر من غيرهم على تجاوز الأمراض وحتى الأمراض الخطيرة، فلديهم قدرة غريبة على...

 

 

 

 

الخطبة الأولى: 

الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: 70 و71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: إن الله تعالى أنزل هذا الدين ليعمل به، ولم ينزله لينزوي في زاوية، أو يختصر في مختصر، ولما كان من أهم أسباب العمل هو التفاؤل بالنجاح، فقد أكد النبي -صلى الله عليه وسلم- على التفاؤل مرات ومرات، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان متفائلاً في أحلك الأوقات وأضيق السبل، ومن تأمل السيرة النبوية تأكد له ذلك، ولا يمكن للإنسان أن يصارع جيش الشيطان الرجيم إلا وهو واثق بالنصر والتأييد من الله تعالى، بل لا يمكن للإنسان أن يفتح تجارة إلا وهو متفاؤل بالكسب، ولا يمكن لرجل أو امرأة أن يتزوج إلا وهو متفائل بالحياة السعيدة، ولا يمكن للمتشائم أن يعمل أو ينتج، بل هو خبيث النفس كسلان.

عباد الله: إننا بحاجة ماسة للتفاؤل وبثّ روح النصر بين الناس، ففي خضم هذه الأحداث الجسام التي تمر بها الأمة يخطئ من يبث روح التشاؤم؛ فإن التشاؤم سبيل للدعة والركون.

إن التفاؤل هو ذلك السلوك الذي يصنع به الرجال مجدهم، ويرفعون به رؤوسهم، فهو نور وقت شدة الظلمات، ومخرج وقت اشتداد الأزمات، ومتنفس وقت ضيق الكربات، وفيه تُحل المشكلات، وتُفك المعضلات، إن التفاؤل هو دقات القلب النابض بالحياة، وهو روح تسري في الروح؛ فتجعل الفرد قادرًا على مواجهة الحياة وتوظيفها، وتحسين الأداء، ومواجهة الصعاب.

فالتفاؤل قرار ينبثق من داخل النفس، التفاؤل هو توقع الخير وهو الكلمة الطيبة تجري على لسان الإنسان، والتفاؤل كلمة والكلمة هي الحياة! بل إن التفاؤل هو الحياة.

واسمع -يا عبد الله- لكلمات كتبها أحد الدعاة الفضلاء بعد أن حُكِمَ عليه بالقتل فقال مخاطبًا أخته الحزينة: "أختي الحبيبة: هذه الخواطر مهداة إليك، إن فكرة الموت ما تزال تخيل لك، فتتصورينه في كل مكان، ووراء كل شيء، وتحسبينه قوة طاغية تُظِلُّ الحياة والأحياء، وتَرَيْن الحياة بجانبه ضئيلة واجفة مذعورة. إنني أنظر اللحظة فلا أراه إلا قوة ضئيلة حسيرة بجانب قوى الحياة الزاخرة الطافرة الغامرة، وما يكاد يصنع شيئًا إلا أن يلتقط الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات! مد الحياة الزاخر هو ذا يعج من حولي! كل شيء إلى نماء وتدفق وازدهار، الأمهات تحمل وتضع، الناس والحيوان سواء، الطيور والأسماك والحشرات تدفع بالبيض المتفتح عن أحياء وحياة، الأرض تتفجر بالنبت المتفتح عن أزهار وثمار، السماء تتدفق بالمطر، والبحار تعج بالأمواج، كل شيء ينمو على هذه الأرض ويزداد! بين الحين والحين يندفع الموت فينهش نهشة ويمضي، أو يقبع حتى يلتقط بعض الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات! والحياة ماضية في طريقها، حية متدفقة فوارة، لا تكاد تحس بالموت أو تراه!".

عباد الله: التفاؤل علامة النجاح، يقول أحد الدعاة: تولد عندي قناعة عملية إثر تجارب عديدة، فحينما أرى الأشخاص الذين يمارسون أعمالهم بحماس وصبر وإصرار فإنني أشعر أنهم يضعون الأسس والقواعد لنجاح كبير مُدوٍّ في المستقبل؛ شريطة أن يوجد عندهم الحماس، ثم الحماس، ثم الحماس.

فالذين يلجؤون إلى الله تعالى، ويلتمسون منه المدد والعون، ويهرعون إلى الدعاء والتضرع في الشدائد، ويطلبون الإعانة في أعمالهم ومعاناتهم هم أسعد الناس في حياتهم، وأجدر الناس بالتوفيق والنجاح.

أيها المسلمون: حسن الظن بالله تعالى هو قمة التفاؤل؛ حسن الظن فيما يستقبل فيحسن العبد ظنه بربه.

"تفاءلوا بالخير تجدوه"، ما أروعها من كلمة!! وما أعظمها من عبارة!! المتفائل بالخير سيحصد الخير في نهاية الطريق؛ لأن التفاؤل يدفع بالإنسان نحو العطاء والتقدّم والعمل والنجاح، فالتفاؤل إذًا شعور نفسي عميق واعٍ، يوظف الأشياء الجميلة في أنفسنا ومن حولنا توظيفًا إيجابيًّا.

إن التفاؤل يعين على تحسين الصحة العقلية؛ فالمتفائل يرى الأشياء جميلة، يرى الأشياء كما هي؛ فيفكر باعتدال، ويبحث عن الحلول، ويحصد الأرباح والمكاسب بعيدًا عن سيطرة الوهم والخوف والتشاؤم.

يعين على تحسين الصحة النفسية؛ فالمتفائل سعيد، يأكل ويشرب وينام ويستمتع ويسافر ويشاهد ويسمع ويبتسم ويضحك ويجدّ، دون أن يمنعه من ذلك شعور عابر من الخوف أو التشاؤم.

التفاؤل يعين على تحسين الصحة البدنية؛ فإن النفس تؤثر على الجسد، وربما أصبح الإنسان عليلاً من غير علة، ويا لها من علة؛ أن تكون النفس مسكونةً بهواجس القلق والتشاؤم وتوقع الأسوأ في كل حال.

المتفائل يعيش مدةً أطول، وقد أثبتت الدراسات أن المُعَمرين عادةً هم المتفائلون في حياتهم.

التفاؤل يقاوم المرض، وقد ثبت طبيًّا أيضًا أن الذين يعيشون تفاؤلاً هم أقدر من غيرهم على تجاوز الأمراض وحتى الأمراض الخطيرة، فلديهم قدرة غريبة على تجاوزها والاستجابة لمحاولات الشفاء.

المتفائل يسيطر على نفسه ويشارك في صناعة مستقبله بشكل فعال وكفء؛ فهو يؤمن بالأسباب ويؤمن بالحلول كما يؤمن بالمشكلات والعوائق.

المتفائل ليس أعمى ولا واهمًا يعيش في الأحلام، وإنما هو واقعيٌّ؛ يدرك أن الحياة -بقدر ما فيها من المشكلات- يوجد إلى جوارها الحلول، وبقدر العقبات فهناك الهمم القوية التي تحوِّل أبدًا المشكلة والأزمة إلى فرصة جميلة.

المتفائل ينجح في العمل؛ لأنه يستقبله بنفس راضية وصبر ودأب، ويعتبر أنه في مقام اختبار، وهو مصرّ على النجاح.

وينجح في التجارة؛ لأنه يستقبل مشاريعه ومحاولاته برضا وثقة وطمأنينة، ويحسب خطواته بشكل جيد.

ينجح بالزواج؛ لأن لديه القابلية الكبيرة على الاندماج مع الطرف الآخر، والتفاهم وحسن التعامل والاستعداد للاعتذار عند الخطأ، والتسامح عند خطأ الطرف الآخر.

والفأل كله خير؛ لأن الإنسان إذا أحسن الظن بربه ورجا منه الخير وكان أمله بالله كبيرًا فهو على الخير ولو لم يحصل له ما يريد، فهو قد حصل له الرجاء والأمل والتعلق بالله والتوكل عليه، وكل ذلك له فيه خير، فالتَّفَاؤُل حُسْن ظَنّ العبد بربِهِ، وَالْمُؤْمِن مَأْمُور بِحُسْنِ الظَّنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلّ حَال؛ ولذلك ذكر أهل العلم أَنَّ تَحْوِيلَ ردَاءِ النَّبِيّ بعد صلاة الاستسقاء -ونَفعله نحن كذلك اقتداءً به- فهو من باب التَّفَاؤُلِ وحسن الظن بالله، لِلانْتِقَالِ مِنْ حَالِ الْجَدْبِ إِلَى حَالِ الْخَصْبِ، ولو لم ينزل مطر فقد حصل الخير برجاء الله -جل وعلا-، وهذا أعظم من نزول المطر؛ لأنه متعلق بأمور العقيدة.

حسن الظن بالله تعالى هو قمة التفاؤل؛ حسن الظن فيما يستقبل فيحسن العبد ظنه بربه.

فالتفاؤل إذًا شعور نفسي عميق واعٍ، يوظف الأشياء الجميلة في أنفسنا ومن حولنا توظيفًا إيجابيًّا.

وهذه كلمات قصيرة، ورسائل سريعة:

إياك أن تتحدث عن حظك العاثر! إياك أن تتحدث عن حياتك التعيسة! إياك أن تسمح للحظة عابرة من الإخفاق أو الفشل أن تحكم على حياتك كلها. خالط الناس، وشاركهم أحاديثهم، واستفد منهم، وأفدهم، وقد يكون من نجاحك أن تكون سببًا وسُلَّمًا لنجاح الآخرين.

إن الحياة تزخر بالمشاكل، ولكنها تفيض بالفرص، وما من مشكلة أو أزمة إلاّ وفي أعماقها فرج، وفي رحمها فرصة سانحة جميلة لمن أراد أن يلتقطها وينتفع بها.

وحياة الأفراد والأسر والجماعات مليئة بالشكوى، ولكنها زاخرة بالحلول أيضًا.

فعلينا أن لا نقرأ الوجه القاتم، ولا النص الفارغ. فلنحاول أن نعدل الكفة والميزان.

نحن بحاجة إلى الأمل الذي يحيي النفوس، والعمل الذي يرفع عن الأمّة حالة الذلّ والهوان، وأخطر الناس من عاش بلا أمل، يسقط فلا ينهض؛ ذلك أن اليأس يسوّق إلى الأفعال اليائسة، فإذا كان المرء مصابًا بالقنوط مما نزل به من مصائب، أو يأسٍ من إصلاح الناس غدت الحياة في منظاره سوداء، يكره الناس، لا يثق بهم، وقد يندفع للانتحار أو العنف والقتل الذي هو الأسلوب الناجع بزعمه وضلاله.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله.

أما بعد:

فيا عباد الله: لقد اتخذ الإسلام موقفًا حازمًا من التشاؤم، فلقد نهى عنه ربنا -عز وجل- فقال: (لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله) [الزمر: 53]، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَّقْنَطُ مِن رحْمَة رَبِّه إلا الضَّالُّون) [الحجر: 56].

وقال: (ولا تيْأَسوا مِن رَوْحِ الله إنّه لا ييْأَسُ مِن رَوْح الله إلا القومُ الكافرون) [يوسف: 87].

وروى اِلْبُخَارِيّ ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم-: "لا طِيَرَة، وَخَيْرهَا الْفَأْل"، قَالوا: وَمَا الْفَأْل يَا رَسُول اللَّه؟! قَالَ: "الْكَلِمَة الصَّالِحَة يَسْمَعهَا أَحَدكُمْ"، وَفِي رِوَايَة أخرى: "لا طِيَرَة، وَيُعْجِبنِي الْفَأْل: الْكَلِمَة الْحَسَنَة، الْكَلِمَة الطَّيِّبَة"، وَفِي رِوَايَة: "وَأُحِبّ الْفَأْل الصَّالِح".

وإن التشاؤم يعذَّب به صاحبه ويتألم به قبل وقوع أي أمر عليه، فإن بعض الناس قد يجمعون بين المصائب بسبب سوء ظنهم بربهم وتشاؤمهم، وبين الألم والخوف والعذاب قبل وقوع المصائب.

ومن أخطاء المتشائمين: النظر إلى الناس على أساس أنهم فجرة ظلمة فسقة، وفي الحديث الشريف: "إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم"، فالنظرة إلى الناس على أنهم جاهليون خطأ كبير، بل جعل الله تعالى في هذه الأمة خيرًا، ولا يخلو عصر من قائم لله بحجة، وحتى أولئك المفرطون والعصاة، في دواخل الكثير منهم بقية من معاني الخير والبر والإيمان والندم، وهم بحاجة إلى الاستنبات والتحريك، وسقي تلك البذور وتنمية تلك المشاعر الخيرة لتنمو وتورق وتثمر.
 

 

 

 

المرفقات

دين التفاؤل

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات