الإسلام دين إحسان

عبدالله بن حسن القعود

2010-11-30 - 1431/12/24
عناصر الخطبة
1/ فضل الإحسان ومنزلته 2/ جماع الإحسان 3/ من صور الإحسان

اقتباس

وخير ما تكرم النفس به بجانب تزكيتها بطاعة الله وتصفية وتنقية عقيدتها من شوائب الشرك والبدع -محاولة إغنائها عن الناس، ومن الإحسان الذي أمر الله به الإحسان إلى عباد الله كافة، ولاسيما ذوي الضعف والفاقة والمسكنة والحاجة واليتم من المسلمين، وفي مقدمة ذلك الإحسان إلى الوالدين وذوي القربى ..

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين. الحمد لله ولي المؤمنين، وناصر المتقين والمحسنين، أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأسأله بأسمائه الحسنى أن يوفقنا للقيام في عبادته مقام الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك"، وأن يجعلنا محسنين إلى عباده، مسلمين وجوهنا إليه، ومن ذريتنا أمة مسلمة له؛ متحققاً فيها تأويل قوله -سبحانه-: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) [لقمان:22]

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

 

وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أكرم المحسنين، وأجل وأكمل خلق الله أجمعين، صلى الله وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى كل مسلم محسن إلى أمته وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد:

 

أيها الأخوة المؤمنون: اتقوا الله، واعلموا وتذكروا أن دين الإسلام الذي أكرمنا الله به قد أتم به نعمته علينا (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً) [المائدة:3]

 

إنه دين إحسان وإكرام، وتكاتف وترابط، وتعاون على البر والتقوى، بل وتجاوز وتسامح ما لم تنتهك حرمات الله.

 

دين أمر فيه من أنزله خاتمة لما جاءت به أنبياؤه من قبل بالإحسان في غير ما آية من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يقول -سبحانه-: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة:195] ويقول: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص:77] ويقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان) [النحل:90] ويقول -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء". رواه مسلم. ويقول: "في كل عبد رطبة أجر" رواه مسلم.

 

ورغب -تعالى- في ذلك، وأبان آثاره وجزاءه، وعظم مردوده على أهله في الآجل والعاجل؛ لتتسارع النفوس الخيرة إليه، وتتسابق في طلب ما وعد الله أهله في الآخرة من درجات عالية، ولذة دائمة ونعيم سرمدي.

 

وما وعدهم به في الدنيا من أنه سيكلؤهم ويحفظهم، وينصرهم على من ناوأهم، أو خالفهم. قال -تعالى-: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [يونس:26] وقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) [الذاريات:15-16]

 

وقال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل:128] وقال: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يوسف:56-57] وقال: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:90]

 

والإحسان الذي أمر الله به جِماعُه: ترك المنهيات خوف عقاب الله، وفعل ما يستطاع من المأمورات رجاء ثواب الله، خوف ورجاء من يقوم في عبادته مقام الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك".

 

ومن الإحسان الذي أمر الله به: إحسان المسلم إلى نفسه؛ بتزكية النفس بطاعة الله، وتصفية وتنقية عقيدتها من شوائب الشرك والبدع والمحدثات؛ بل وحفظها وحمايتها مما قد يعرضها لسخط الله وأليم عقابه في الأخرى، ولما يسبق ذلك من ذل وهوان في الدنيا. قال -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس:9-10] وقال: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) [الحج:18]

 

وخير ما تكرم النفس به بجانب تزكيتها بطاعة الله وتصفية وتنقية عقيدتها من شوائب الشرك والبدع -محاولة إغنائها عن الناس.

 

ومن الإحسان الذي أمر الله به الإحسان إلى عباد الله كافة، ولاسيما ذوي الضعف والفاقة والمسكنة والحاجة واليتم من المسلمين، وفي مقدمة ذلك الإحسان إلى الوالدين وذوي القربى.

 

قال -جل شأنه-: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) [الإسراء:23-24] وقال: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ ..) الآية [الإسراء:26]

 

ومن الإحسان: الإحسان إلى كل ذي كبد رطبة؛ من حيوان وطير وحشرات ونحو ذلك، قال -عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم- عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت؛ فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".

 

وروى مسلم -أيضاً- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بينما كلب يطيف بركيه قد كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت خفها فاستقت له به؛ فسقته إياه فغفر لها به".

 

وأعظم وأشمل أنواع الإحسان المطلوبة شرعاً؛ بل وأعظمها أثراً وأكثرها نفعاً: إحسان الولاة والرؤساء والآباء ونحوهم إلى من ولاهم الله عليهم بسياستهم بكتاب الله وسنة رسوله؛ فبذلك مع البعد عن كل ما فيه حرج وعنت وإيغار للصدور يتحقق الخير والترابط والثناء والتحاب والولاء؛ وقديماً قيل:

 

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإحسان إنساناً

 

فاتقوا الله -عباد الله-، وأحسنوا يحسن إليكم، أحسنوا في نفوسكم، وفي أمتكم، وفي من تحت أيديكم، وفيما ائتمنتم فيه إحساناً متوجهاً به إلى الله -سبحانه-، ومتبعاً فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومبتعداً فيه وبه عما يشوبه أو يبطله؛ من المن والأذى أو السمعة والرياء يتحقق لكم وعد صادق الوعد في قوله -سبحانه-: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:46].

 

 

 

 

المرفقات

وأثره في الدعوة إلى الله

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات