الإسراء والمعراج (1)

إبراهيم بن محمد الحقيل

2011-11-20 - 1432/12/24
التصنيفات: السيرة النبوية
عناصر الخطبة
1/ فضل محمد صلى الله عليه وسلم وأمّتِهِ 2/ أهمية الإسراء والمعراج وتوقيتهما 3/ وصف رحلتي الإسراء والمعراج 4/ معانٍ مستفادة من رحلتي الإسراء والمعراج

اقتباس

لقد انطوت حادثة الإسراء على معانٍ عظيمة، وحصل فيها مواقفُ كثيرةٌ تدل على شرف محمد صلى الله عليه وسلم، ومكانة أمَّتِه من بين سائر الأمم، فهو صلى الله عليه وسلم إمام الأنبياء، ودينُه دينُهم الذي غايته تحقيق العبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له، وهو -عليه الصلاة والسلام- رسول الله تعالى إلى الناس أجمعين، عرباً وعجماً، سوداً وبيضاً وحمراً، في كل الأرض، وإلى آخر الزمان ..

 

 

 

 

 

الحمد لله (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [القصص:68]، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله -عز وجل-، فإنها نعم العدة ليوم تشخص فيه الأبصار، وتوجل القلوب! (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر:18].

أيها المسلمون: مِن فضل الله تعالى على هذه الأمة المباركة أن جعلها آخر الأمم وأفضلها، واختار لها خاتم النبيين وأفضل المرسلين، سيد ولد آدم محمداً -صلى الله عليه وسلم- الذي قال عن أمته: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" أخرجه أحمد والترمذي وحسنه.

لقد اصطفاه الله تعالى من البشر، واصطفى أمته من بين الأمم، وأكرمه بالآيات، وأيـده بالمعجزات، وحفظـه من عداوة المشركين، وكيد المنافقين، ومكر اليهود.

وأعظم مقام ناله النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا أن أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء، حتى بلغ سدرة المنتهى، ورأى من آيات ربه الكبرى، وكلمه الرب تبارك وتعالى من غير واسطة.

أسري به -صلى الله عليه وسلم- في وقتٍ اشتدَّ فيه أذى المشركين، وعظم ظلمُهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه رضي الله عنهم.

مات عمه أبو طالب وقد كان يحامي عنه، وتوفيت زوجُه خديجة -رضي الله عنها- وقد كانت تواسيه، فذهب المحامي والمواسي، وقلّ النصير، وضعفت الحيلة، وضاق الصدر، وانقطع الرجاء إلا مِن الله تعالى، الذي جعل مع العسر يسراً، وبعد الضيق فرجاً؛ فبعد أن عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- من الطائف وقد دعا أهلها إلى الإسلام فأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فقذفوه بالحجارة، وأدموه -صلى الله عليه وسلم-؛ شرّفه الله تعالى - عقب ذلك - بهذه الرحلة المباركة ليطمئن قلبه، ويزداد إيمانه.

أسري به ليرى جزءاً من ملك الله تعالى فيحتقر الدنيا وما فيها، فيتعلق قلبُه بما عند الله تعالى، وما عنده خير وأبقى من الدنيا وزخرفها.

أسري به ليرى طرفاً مما يدل على عظمة الله تعالى وقدرته وكبريائه، فيَجِدَّ في الدعوة، ويصبر على أذى المشركين؛ تعبداً لصاحب هذه العظمة والكبرياء.

أسري به من مكة إلى الشام، ثم عرج به إلى ما فوق السماء السابعة في ليلة واحدة؛ ليزداد إيماناً إلى إيمانه بقدرة الله تعالى الذي هو على كل شيء قدير، فيطمئن قلبُه بهذه القدرة والقوة التي لا تساوي معها قوة المشركين شيئاً ولو اجتمعوا وتآمروا على كبت الدعوة، وقتل صاحبها، وأذية أتباعه، ولو اجتمع معهم الشيطان، ومكر لهم، ودلهم على السوء، فإن قوتهم ومكرهم لا يكون إلا بتقدير من الله تعالى لحكمة يريدها، وليس ما يملكون من قوة شيئاً مذكوراً أمام قدرة الله تعالى الذي هو على كل شيء قدير.

فلما أذن الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بهذه الكرامة بعد شدة شديدة، وعسر عظيم، وأذىً من المشركين؛ هيأه لذلك، فجاءه ملَكٌ فشق صدره من ثُغْرَة نحره إلى أسفل بطنه، قال -عليه الصلاة والسلام- يخبر عن ذلك: "فاستخرج قلبي ثم أُتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، فغُسل قلبي ثم حُشي ثم أعيد" أخرجه الشيخان.

قال ابن أبي جمرة -رحمه الله تعالى-: الحكمة في شق قلبه -مع القدرة على أن يمتلىء قلبُه إيماناً وحكمة بغير شق- الزيادة في قوة اليقين؛ لأنه أُعطي برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمِن معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس وأعلاهم حالاً ومقالاً.

فلما غُسل قلبه بماء زمزم، وحُشي إيماناً وحكمة، أسرى الله تعالى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء بروحه وجسده -صلى الله عليه وسلم-، في حال اليقظة؛ كما دل على ذلك القرآن الكريم، وتواترت به السنة النبوية، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والحق أنه أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً البراق -وهو دابة بين البغل والحمار ينتهي خطوها عند انتهاء بصرها- فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب ودخله، وصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين.

ثم أتي بالمعراج، وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلّم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مرَّ بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما -صلى الله عليه وسلم- وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام -أي أقلام القدر بما هو كائن-.

ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب، وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هنالك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، قد ملأ ما بين السماء والأرض، ورأى رفرفاً أخضر قد سدَّ الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسنداً ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية، يدخله كلَّ يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار.

وفرض الله تعالى عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها صلاة الصبح من يومئذ... ثم خرج من بيت المقدس، فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس. اهـ.

ولم ير الله تعالى بعينه في هذه الرحلة السماوية بل حجبه النور؛ لأن الله تعالى قد قضى أنه لا يُرى بالعين في الدنيا، وإنما يُرى في الآخرة؛ كرامة لأهل الجنة، وزيادة في النعيم؛ ولذلك لما سأل موسى -عليه السلام- ربه أن يكشف له الحجب ليراه، قال الله تعالى: (لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ) [الأعراف:143].

قال أبو ذر -رضي الله عنه-: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنّى أراه" وفي رواية "رأيت نوراً" أخرجه مسلم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الإسراء:1].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه، يليق بجلال ربنا وعظيم سلطانه، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المؤمنون: لقد انطوت حادثة الإسراء على معان عظيمة، وحصل فيها مواقف كثيرة تدل على شرف محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومكانة أمته من بين سائر الأمم، فهو -صلى الله عليه وسلم- إمام الأنبياء، ودينُه دينُهم الذي غايته تحقيق العبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له، وهو -عليه الصلاة والسلام- رسول الله تعالى إلى الناس أجمعين، عرباً وعجماً، سوداً وبيضاً وحمراً، في كل الأرض وإلى آخر الزمان.

لقد كان بالإمكان أن يُعرج به من المسجد الحرام إلى السماء مباشرة دون الذهاب إلى بيت المقدس، ولاسيما أن المسجد الحرام أعظم شرفاً من المسجد الأقصى، ولكن كانت هذه الرحلة الأرضية مقصودة، وفيها إيماء إلى أن الله تعالى جعل هذا الإسراء دليلاً على أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم عليه السلام، الصادر من المسجد الحرام، إلى ما تفرع منه من الشرائع التي كان مقرها بيت المقدس، ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضاً، فقد صدرت الحنيفية من المسجد الحرام، وتفرعت في المسجد الأقصى؛ ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سُرىً يعقبه تأويب.

وسلامه على الأنبياء في السماء فيه تصديق النبوات بعضها لبعض، وأن دين الأنبياء عليهم السلام واحد، ثم هبوطه والأنبياء إلى البيت، وإمامته لهم في الصلاة تسليم بأنه -عليه الصلاة والسلام- إمام الأنبياء والمرسلين عليهم السلام أجمعين، وأنه واجب على كل نبي لو أدرك بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- أن يتبعه، ويلتزم شريعته؛ كما قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [آل عمران:81].

وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني" أخرجه أحمد وغيره وفيه ضعف؛ ولذلك لا يقبل الله تعالى من أحد ديناً بعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا دين الإسلام؛ كما قال سبحانه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ) [آل عمران:85]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم.

وبهذا نخلص إلى نتيجة شرعية مهمة في هذا العصر كثر فيها الجدال والكلام، واختصمت فيها الطوائف والأمم، كل يدَّعِي أن الحق له فيها دون غيره، ومقتضاها: أن أمة الإسلام أولى ببيت المقدس من اليهود وإن زعموا أن لهم فيه هيكلاً، ومن النصارى وإن ادعوا أنها مولد عيسى ومهده وموضع قتله، بل المسلمون أولى بالأرض كلها من كل الأمم؛ لأن دينهم هو دين الأنبياء، وأما دين غيرهم فإما مخترع وإما محرَّف، فإن كان اليهود يريدون بناء هيكل سليمان، وإعادة مملكة داود -عليهما السلام-، والنصارى يرون أحقيتهم ببيت المقدس؛ لأنها بلد عيسى -عليه السلام-؛ فإن المسلمين أولى بداود وسليمان وموسى وعيسى -عليهم السلام- من اليهود والنصارى؛ لإمامة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأنبياء عليهم السلام، وتسليم الأنبياء له بالإمامة.

فيجب أن يرتفع المسلمون عن مجادلة أهل الكتاب على بيت المقدس من الحجج الواهية كزعمهم حق كنعان واليبوسيين إلى الحجة الشرعية الدامغة؛ ولكن -مع الأسف!- إن الممسكين لزمام المجادلة عليه قوم علمانيون لا يعنيهم إلا التراب والوطن، ولا تعنيهم الأرض المقدسة بمسجدها الأقصى الذي باركه الله تعالى، وبارك حوله بصلاة الأنبياء فيه -عليهم السلام-، يؤمهم فيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولن يكون غريباً لو باعها الوطنيون والقوميون بثمن بخس، وهم سيفعلون ذلك لولا رَدَّة فعل الشعوب الغاضبة التي تنظر إلى تلك الأرض المباركة نظرة عقائدية.

ولن يكون تحرير بيت المقدس من عصابات اليهود المدعومة من قبل النصارى بالشعارات الوطنية الجوفاء، أو المضامين القومية المنهزمة، أو المشاريع العلمانية الفاشلة، كذلك لن تحرر بالابتداع في دين الله تعالى بالاحتفال بليلة الإسراء، وإنشاد القصائد والمدائح، وكل ذلك لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا صحابته الكرام -رضي الله عنهم-، ولا سلف هذه الأمة الصالح، بل هو محدث في دين الله تعالى، وإنما يُحَرَّرُ بيت المقدس بالإيمان بالله تعالى، واتباع سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والحذر من العصيان والبدع، وإحياء شعيرة الجهاد في سبيل الله تعالى الذي هو ذروة سنام الإسلام، (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:10].

ألا وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم...

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

والمعراج (1)1

والمعراج (1) - مشكولة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات