عناصر الخطبة
1/الوصية باغتنام العشر الأواخر 2/وقفتان عظيمتان مع القلب 3/الحث على الإحسان في كل الأعمال 4/حرص المسلم على سؤال الله قبول الأعمالاقتباس
إنَّكم تتفيَّؤون ظلالَ العشرِ الأواخرِ من هذا الشهر، وتنعمونَ بنسائمِ أيامها ولياليها الزُّهْرِ، تَسِحُّ عليكم فيها سحائبُ خيراتِها، وتفيضُ عليكم منها مواردُ بركاتها، أعدَّ اللهُ فيها من مَنَائِحِ إنعامِه وسَوَانِحِ إكرامِه ما لم يتهيَّأْ في عامَّة عامِكم وسائرِ أيامِكم، يُدرِكُ شرفَ ذلك الموفَّقون...
الخطبة الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومَنْ يُضلِلْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].
أما بعد: فأُوصِي نفسي وإيَّاكم بتقوى الله؛ في موسمٍ تتجلَّى فيه معالمُ التقوى، شرعَ اللهُ فيه عبادةَ الصيام قصدًا لتلك الغاية، وتحقيقًا لذلك المعنى؛ حيث ناداكم -أيُّها المؤمنون-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الْبَقَرَةِ: 183].
إخوةَ الإيمانِ: إنَّكم تتفيَّؤون ظلالَ العشرِ الأواخرِ من هذا الشهر، وتنعمونَ بنسائمِ أيامها ولياليها الزُّهْرِ، تَسِحُّ عليكم فيها سحائبُ خيراتِها، وتفيضُ عليكم منها مواردُ بركاتها، أعدَّ اللهُ فيها من مَنَائِحِ إنعامِه وسَوَانِحِ إكرامِه ما لم يتهيَّأْ في عامَّة عامِكم وسائرِ أيامِكم، يُدرِكُ شرفَ ذلك الموفَّقون، ويغتنِمُ ذلك المُفلِحون؛ فيُسابِقون زمانَه لاستِدراكِ فَوَائِتِ لحظاتِه، وبلوغِ مقاماتِه؛ سِباقَ الخيلِ في أواخر المَيْدان.
على أنَّ من أعظم ما ينبغي للمؤمن وهو يَنْصَبُ في محراب الطاعات، ويجتهد في مقام العبودية والإخبات في مواسم العبادات والرحمات: أن يتوقَّفَ مع قلبِه وقفتَينِ عظيمتَينِ، لهما أثرٌ جليٌّ جليلٌ في صلاحِ عملِه وقلبِه، واستقامتِه على طاعةِ ربِّه، وتحقيقِ عبوديتِه ظاهرًا وباطنًا.
الوقفةَ الأُولى: أن يُصحِّحَ مَقْصِدَ العمل وباعِثَه؛ فيُخلِصَ مُرادَه بقصدِ تحقيقِ عبوديةِ الله وحدَه، طاعةً وامتثالًا، ويتعاهَدَ ذلك المعنى في قلبِه؛ لأنَّ القلبَ مَدَارُ الأعمالِ، وقُطْبُ رَحَى الأحوال؛ ولذلك ربطَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ثوابَ الأعمال الظاهرة في رمضان -صيامِها وقيامِها- بما وَقَرَ في القلوبِ من معاني الإيمان والصدق مع الله.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". وعنه أيضًا -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". تأكيدًا على سِرِّ العبوديَّة؛ وهو الإيمانُ والاحتسابُ، وإرادةُ وجهِ الله وإخلاصُ العملِ له.
الوقفةَ الثانيةَ: أنَّه كلما زَادَ لله طاعةً وعملًا زَادَ لله انكسارًا وذُلًّا، فتكون الطاعة موجِبةً لحمد الله والثناء عليه لتوفيق العبد إليها، وباعثةً له على ملاحَظة تقصيرِه بإزاءِ تلك الْمِنَّةِ؛ من جهتين: من جهة القيام لله بما يجبُ له من حقِّ عبوديَّةِ الشكرِ، ومِنْ جهةِ الوفاءِ بحقِّ طاعتِه على الوجه الأتم، فَيَجْبُرُ ذلك بكثرة استغفاره وطلب عفوِهِ في أعقاب الطاعات، فهو كلما اجتهدَ في طاعةِ اللهِ خرجَ منها منكسرَ القلبِ لله، ناظرًا إلى منَّةِ اللهِ عليه فيها؛ لا نظرَ له أصلًا إلى ما كان منه من عملٍ صالحٍ، فتلوحُ آثارُ الطاعاتِ وأنوارُها عليه؛ تواضُعًا في نفسِه لربِّه ولخَلْقِه؛ ولذلك المعنى العظيم شُرِعَ الاستغفارُ خاتِمًا للأعمال الصالحة، وطابعًا عليها؛ فإنَّ الفضلَ لله على العبد المؤمن ممتدٌّ من حين توفيقِه للعمل الصالح وإعانته عليه، إلى كمال المنَّة عليه بقَبوله منه، ولذلك فإنَّ عائشة -رضي الله عنها- حين قالت: "يا نبي الله؛ أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول؟ قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي".
بارَك اللهُ لي ولكم فيما بقيَ من شهر رمضان، وبلَّغنا وإيَّاكم منازل الإحسان. أقول القول الذي سمعتُم، وأستغفر الله لي ولكم؛ إنه كان عفوًّا غفورًا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي حمدُه من عطائِه، وشُكرُه على آلائِه من آلائِه. أحمدُه حمدَ عارِفٍ بحقِّ نعمائِه، مُعترِفٍ بالعجزِ عن إحصاءِ حمدِه وثنائِه؛ حمدَ مُفتقِرٍ إليه، مُسْتَغْنٍ به في كل آنائِه. وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحده لا شريكَ له؛ الكاملُ في ألوهيَّته وربوبيَّته، وصفاتِه وأسمائِه.
صلَّى اللهُ عليه وأتمَّ صلاتِه وأزكى سلامِه على صفوَةِ خَلْقِه، وسيِّد رسُلِه، وخاتمِ أنبيائِه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابِه -مصابيح الهُدى ونجوم سمائِه-، وعلى أتباعِهم بإحسان ما جَادَ غمامٌ بمائِه، وقَطْرٌ بانهمائه.
أما بعدُ أُمَّةَ الإسلامِ: فإنَّ شهرَكم الكريم قد دَنَتْ ساعاتُ رحيلِه، واحْمَرَّتْ شمسُ أصيلِه. فاجبروا نُقْصَانَ البدايات بإحسان النهايات، واغتنِموا تلك الساعاتِ، وسابِقوا في ميادين الطاعات.
واعلموا مع ذلك أن شأنَ الطاعات كلَّ الشأن في أمرين:
الأول: في إحسان الأعمال باطنًا وظاهرًا؛ أما باطنًا: فبتحقيق صدق الإخلاص لله وإرادة وجهِه. وأما ظاهرًا: فبمتابعة سُنَّة رسولِه -صلى الله عليه وسلم-، وقد قرَّر القرآنُ ذلك الأصلَ العظيمَ في سورة الكهف وحدَها في ثلاثة مواضع منها؛ حيث قال -جلَّ شأنُه- في فواتِحها: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الْكَهْفِ: 7]، ثم أكَّدَه في واسِطَتِها بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)[الْكَهْفِ: 30]، ثم ختمَ -سبحانه- السورةَ بتقريرِه بقوله: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)[الْكَهْفِ: 110].
والثاني: أن الشأنَ في قَبولِ الأعمال لا في حصولِها. فاجتهِدوا في إحسانِ العمل، والْهَجُوا بطلبِ القبولِ والعفوِ عن الزلَل؛ (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)[الْمُؤْمِنُونَ: 57-61].
واستحضِروا نعمةَ الله عليكم ببلوغ الشهر، وتَفَيُّؤِ ظلالِ هذه العشر، والأُنْسِ بلياليه الأواخر الغُرّ، واستشعِروا ما أفاضَ علينا وعليكم -معشرَ المسلمينَ- في هذه البِقَاعِ الطاهرة، والْبِطَاحِ الزاهرة، مِنْ تيسُّر أداء شعائر الطاعات ومناسِك العبادات؛ في ظلالٍ وادعةٍ، وأفياءٍ وارِفةٍ مِنَ الأمنِ والإيمانِ والاجتماعِ والرَّخاء. وهو ما يُوجِبُ علينا لِوُلَاةِ أمر هذه البلاد المُقدَّسة كِفَاءَ ذلك: الدعاء الصادق لهم توفيقًا وتسديدًا، وقبولًا وتمكينًا. تقبَّل الله منا ومنكم الصيامَ والقيام، وبارَك لنا ولكم ولأمة الإسلام في ساعاتِ هذه الليالي والأيام، وبلَّغنا بفضلِه حُسنَ التمام.
ثم أَكْثِرُوا من الصلاة والسلام على سيِّد الخَلْق وصفوة الأنام؛ يقول -صلواتُ الله وسلامُه عليه-: "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ".
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّد الْأَوَّلِينَ والآخرينَ، وإمامِ المرسلينَ، ورحمتِكَ للعالمينَ؛ سيِّدنا ونبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ واشمَلنا معهم بفضلِك ومنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمينَ.
اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذِلَّ الكفرَ والكافرينَ. واجعَلْ هذا البلدَ آمِنًا مطمئنًّا، منارَ خيرٍ وعلمٍ وهُدًى، وسُنَّةٍ وعزٍّ وتمكينٍ يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ إنَّا نسألُك أن تحفَظَ هذا البلدَ بحفظِك. اللهمَّ احفَظ مَهْوَى أفئِدة المسلمين، ومَأْرِزَ الإيمان، ومَثْوَى سيِّد الأنبياء والمرسَلينَ. اللهمَّ إنَّا نسألُك أن تحفَظ بلادَ المسلمين أجمعين يا ربَّ العالمينَ. اللهمَّ احفَظ بلادَ المسلمين، وارفع البأساءَ والبلاءَ عن المُستضعَفينَ في كل مكان يا أرحمَ الراحمينَ يا أكرم الأكرمين.
اللهمَّ وفِّق إمامَنا خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهده لما فيه خيرُ العباد والبلاد، ولما فيه النفعُ والسَّداد يا ربَّ العالمينَ، ووفِّق ولاةَ أمورِ المسلمينَ لِمَا فيه خيرُ الإسلام والمسلمين يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ إنَّا نسألُك مِنْ خيرِ ما تعلَم، ونعوذُ بك من شرِّ ما تعلَم، ونستغفِرُك لما تعلَم؛ إنك أنت عَلَّامُ الغيوب؛ (رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].
عبادَ اللهِ: استديموا فضلَ ربِّكم بشكرِه، واحفَظوا نعمتَه باتباع أمرِه، والْهَجُوا بدعائِه وذكرِه؛ (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم