الإخلاص

إسماعيل القاسم

2021-03-26 - 1442/08/13 2021-06-10 - 1442/10/29
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/شروط قبول الأعمال 2/معنى الإخلاص وأهميته 3/ثمرات الإخلاص وفوائده 4/مجاهدة النفس على الإخلاص.

اقتباس

يجب على المسلم أن يحفظ عمله من الخوارم التي تحبط العمل، أو تنقص الأجر، فمن أداها بإخلاصٍ وحُسنِ أداء فإنها أقرب إلى القبول، ومَن أدَّى العبادة لغير الله خاب العمل، وما جَنى إلا النصب.

الخطبة الأولى:

 

مدار قبول الأعمال على شرطين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالإخلاص هو: تخليص القلب من كل شَوْبٍ يكّدر صفاءه عن عبادة خالقه، قال -سبحانه-: (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)[الزُّمَر: 3].

 

وقد أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأداء ذلك في جميع أعماله، فقال -سبحانه وتعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)[الزُّمَر: 2]، وقد أمر الله أن يكون إخلاص العمل له وحده لا شريك له: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)[الزُّمَر: 11].

 

وقد وردت نصوصٌ قرآنيةٌ تدل على لزوم تحقيق الإخلاص قولاً وعملاً واعتقادًا، فقال في حق المؤمنين: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)[غَافر: 14]، وقال في حقّ المنافقين إذا تابوا: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ)[النِّسَاء: 146].

 

وقد بيَّن أهميةَ الإخلاص شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بقوله: "إنه هو الذي لا يقبل الله -تعالى- سواه، وهو الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب، واتفق عليه أئمة الإيمان، وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية، وهو قُطب القرآن الذي تدور عليه رحاه".

 

ولما كانت الأعمال بالنيات، وهي خافية عن عيون الناس، جعل الله النظر إلى قبول العمل في القلب لا القالب، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(رواه مسلم).

 

وكلمة الإخلاص التي عليها مدار العمل ثوابها عظيم، ومنزلتها عند الله عالية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبدٌ حقًّا من قلبه إلا حُرم على النار"، فقال له عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنا أحدّثك ما هي، هي كلمة الإخلاص التي أعزَّ الله -تبارك وتعالى- بها محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وأصحابَه، وهى كلمة التقوى التي أمر بها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عمَّه أبا طالب عند الموت، شهادةُ أن لا إله الا الله"(رواه الإمام أحمد).

 

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا انصرف من الصلاة يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون"(رواه أبو داود).

 

والمُخْلص في حرز من الشيطان، لا يستطيع الشيطان إغواءه، فقد أقسم إبليس بعزة ربه أنه يُغوي عباده أجمعين، واستثنى أهلَ الإخلاص منهم (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)[ص: 82-83].

 

وإذا أشرك العبد في العمل؛ خاب وخسر، وما جنى إلا التعب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قال الله -تبارك وتعالى-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركَه"(رواه مسلم).

 

وجاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- سائلاً فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذِّكر ما له؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا شيء له"، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا شيء له"، ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغِيَ به وجهُه"(رواه النسائي).

 

وأما المخلص فهو ينال خير الدنيا والآخرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تكفَّل الله لمن جاهد في سبيله - لا يخرجه من بيته إلا جهادٌ في سبيله، وتصديقُ كلمته - بأن يدخلَه الجنة، أو يرجعَه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة"(متفق عليه).

 

والإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في العمل، ولذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء"(رواه أبو داود).

 

وإذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرةُ الوساوسِ، والرياءُ، والسمعةُ، ونَعِمَ العبدُ بحلاوة العبادة، وأداءِ القُربة التي يعملها.

 

فاللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

يجب على المسلم أن يجاهد نفسه في أقواله وأفعاله؛ لأن الآمر لها مستحقٌّ لكامل العظمة والإجلال، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما قال عبد لا إله إلا الله قطُّ مخلصًا، إلا فُتحت له أبواب السماء حتى تفضيَ إلى العرش؛ ما اجتنب الكبائر"(رواه الترمذي)، فإنه بعمله المخلص لا يطلب عليه شاهدًا غير الله، ولا مجازيًا سواه.

 

سأل أبو هريرة -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟"؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه"(رواه البخاري).

 

والإخلاص عملٌ خفيّ، قال الجنيد -رحمه الله-: "الإخلاص سِرٌّ بين الله وبين العبد لا يعلمه ملََك فَيَكتبه، ولا شيطان فَيُفسده، ولا هوى فَيُمْليه".

 

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملاً ينقله ولا ينفعه".

 

لذا يجب على المسلم أن يحفظ عمله من الخوارم التي تحبط العمل، أو تنقص الأجر، فمن أداها بإخلاصٍ وحُسنِ أداء فإنها أقرب إلى القبول، ومَن أدَّى العبادة لغير الله خاب العمل، وما جَنى إلا النصب.

 

أصلح الله لنا ولكم النيات والذريات.

 

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه؛ فصلوا عليه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات

الإخلاص.doc

الإخلاص.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات