الأنبار في العراق أزمة أم كارثة؟ (1/ 5)

عمران الكبيسي

2022-10-04 - 1444/03/08
التصنيفات:

 

 

 

 

 

 

الأنبار في العراق أزمة أم كارثة؟ (1)

 

الأنبار محافظة عراقية تقع غرب البلاد. أكبر محافظات العراق مساحة، تبلغ نحو 140 ألف كيلومتر مربع، تشكل ثلث مساحة العراق، تقطنها حاليا نحو مليوني نسمة، وهناك أكثر من مليون رحلوا منها إلى المحافظات الأخرى خصوصا إلى العاصمة بغداد، كانت تدعى قبل 1960 لواء الدليم لتمركز قبائل الدليم فيها. وكان

عدد سكانها يوازي سكان بغداد عام 1920، تتميز الأنبار بأنها تجاور ثلاث أقطار عربية سوريا والأردن والسعودية، وتتصل بخمس محافظات عراقية بغداد وصلاح الدين ونينوى شمالا وكربلاء والنجف جنوبا. أسماها المناذرة الأنبار حيث كانت مخزناً لعددهم الحربية ومؤونتهم من الحنطة والشعير والتبن. وكانت مركزا حربيا مهما قبل الإسلام لصد هجمات الروم، وفي العصر العباسي أصبحت عاصمة ثانية للدولة بعد الكوفة، أقام فيها أبوجعفر المنصور حتى بنى مدينة بغداد، وتعد طريقاً برياً للجيوش الداخلة والخارجة إلى العراق وعبره. وتعرضت المنطقة للهجرات القادمة في الجزيرة واستقرت فيها.

سكان الأنبار الأصليون جميعهم من العرب السنة، وهي المحافظة الوحيدة في العراق التي ليس من بين سكانها من هو غير عربي أو غير مسلم، وأصبحت الأنبار معقلا للمقاومة ضد الاحتلال الأميركي للعراق، تكبدت فيها القوات الأميركية آلاف القتلى، أكثرها في ملاحم مدينة الفلوجة، المدينة التي ظلت عصية على الاحتلال الأميركي عاما، لم يدخلوها.. فشل هجومهم الأول لمقاومتها الشرسة، وتمكنوا من دخولها بهجوم ثان استعدوا له بمختلف الأسلحة الكيماوية وقنابل النابالم الشديدة الاحتراق المحرمة دوليا، فقتل فيها من النساء والأطفال والشيوخ الكثير، وضربت مدن المحافظة مثالا في المقاومة وعدم الاستسلام، الفلوجة والخالدية والكرمة وحديثة والقائم وعنه وراوه وهيت والرطبة وكبيسة، دفعت أميركا في كل منها ضحايا جسيمة. وبعد رحيل الاحتلال أصبحت قوات الشرطة المحلية المكونة من عشائر الأنبار مسؤولة عن إدارة الأمن فيها، وعرفت الأنبار بأنها أشد المحافظات السنية رفضا للانتخابات بظل الاحتلال، صوت فيها 3,775 ناخبا فقط من مليون ناخب.

يشق نهر الفرات مجراه وسط أرضها المتموجة بانحدار واضح، حيث تعد جزءا من هضبة الجزيرة العربية وامتدادا لها، تتخللها التلال وعدد من الوديان أكبرها وادي حوران الذي بني عليه سد الرطبة لسقي بدو المنطقة الرحل. ويجوب بادية الأنبار في الربيع هواة العرب الأغنياء بحثا عن الطيور النادرة كالصقور، وأهم محاصيلها الزراعية الحنطة والشعير والذرة والخضراوات والأبصال والأعلاف. وفيها بساتين على ضفتي مجرى نهر الفرات، تضم نحو مليوني شجرة نخيل. تروى أغلب مزروعاتها سيحا من النهر والينابيع أو بواسطة النواعير، وتعتمد زراعة صحرائها على الري أما أهلها فيرتوون من الآبار.

وتضم الأنبار ثروة هائلة لم تستثمر من الغاز الطبيعي والنفط الخام وثروات معدنية كالذهب والفوسفات والحديد واليورانيوم والكبريت والفضة في ‏الصحراء، لهذا السبب أرادت القوات الأميركية السيطرة عليها دون غيرها، وأقامت الحكومة السابقة فيها عددا من المشروعات المهمة كسد حديثة ومحطتها الكهرومائية، ومشروع ديزلات، ومعمل الزجاج والسيراميك، ومعمل الأسمنت في كبيسة، ومحطة هيت الحرارية، ومحطة تصدير الغاز من حقل عكاس، وتصدير النفط من حقول عكاشات، والشركة العامة للفوسفات، ومشروع قناة الفرات الرطبة (نهر مائي صناعي لتعمير الصحراء) وفيها بحيرة الحبانية وجزء من مشروع بحيرة الثرثار.

بيئة الأنبار العشائرية جعلت أهلها من ذوي الحمية العربية الطاغية، فهم يعتزون ويفتخرون بعروبتهم جدا، ويتمسكون بدينهم الإسلامي وطقوسه، واعتادت أكثر بيوت أهل الأنبار الاحتفاظ بالسلاح من دون المجاهرة بحمله، وشعارهم: “ألا لا يجهلن احد علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلينا”. ولذلك من الصعب إهانتهم، وأي اعتداء بين الأفراد قد يتسبب بوقوع ضحايا، وما يجري اليوم على أرض الأنبار جزء من طبيعة أهلها التي لم تدركها الحكومة الحالية حينما بالغت وأوغلت تعمدا في تهميشهم وازدرائهم، ومجابهتهم بالقوة بدوافع طائفية فأثارت حفيظتهم وتسببت بإثارة الأزمة القائمة التي تحولت إلى كارثة مستعصية، وللحديث بقية تأتي.

 

 

الأنبار في العراق أزمة أم كارثة؟ (2)

 

ما يحدث في الأنبار لم يكن وليد شهر ولا سنة إنما حصيلة تراكمات مع الحكومات التي تلت الاحتلال على مدى عشر سنوات، نال الحيف والتهميش والاستهانة كل قطاعات المجتمع، الأنباريون معروفون بردود فعلهم المباشرة، ولهم وقفات مع كل الحكومات السابقة، وهم على رأس كل حركات التغيير التي مرت بالعراق، كنت صبيا في السادس الابتدائي أثناء العدوان الثلاثي على مصر العربية، وكان موقف الحكومة العراقية الملكية لا يرقى إلى مستوى الحدث فتظاهر الأنباريون احتجاجا على حكومة نوري السعيد، ودفعوا عشرات الشهداء، كنت أرى نعوشهم تشيع إلى الفلوجة وهيت وعنه وراوة، والعرب السنة هم من أنشأ تنظيم الضباط الأحرار وقاموا بثورة 14 تموز 1958 وأسقطوا الملكية وأبرز المساهمين بالثورة ابن الأنبار عبدالسلام عارف الذي سيطر على إذاعة بغداد وألقى منها البيان الأول للثورة معلنا قيام الجمهورية. والطيار عارف عبدالرزاق من كبيسة الذي حمى سماء بغداد صباح الثورة.

 

وبعد تفرد عبدالكريم قاسم بالحكم سمح للشيوعيين بإقامة مؤتمرهم في الموصل عام 1959 وسير قطار السلام إلى هناك، فاحتج قائد الفرقة العسكرية ابن الأنبار العقيد عبدالوهاب الشوّاف بمؤازرة أهل الموصل، وأفشل المؤتمر واستشهد، وكانت للقوة الجوية في الحبانية بمحافظة الأنبار بقيادة عارف عبدالرزاق على رأس القوات التي أسهمت بإسقاط نظام قاسم 1963 وأصبح عبدالسلام عارف رئيسا للجمهورية، وكان لأهل الأنبار موقف من حكم البعثيين الذي دام تسعة أشهر، وعلى اثر خلاف بين القادة البعثيين الشباب انفرد عبدالسلام عارف بالسلطة وأقصى البعثيين، فقامت عشائر الفلوجة بمحاصرة مقر الحرس القومي وأبادت من فيه، وفي عام 1968 عاد البعثيون وسيطروا على الحكم ثانية، بفضل تعاون إبراهيم الداود قائد دروع القصر الجمهوري، وعبدالرزاق النايف مدير الاستخبارات مع البعثيين.. كلاهما من الأنبار، إضافة إلى فرقة الجيش في حامية الأنبار التي تحركت نحو بغداد وأمنت نجاح الثورة وإقصاء الرئيس عبدالرحمن عارف ثاني رئيس للجمهورية من الأنبار.

 

ولم تكن بعض عشائر الأنبار راضية كل الرضا عن حكومة الرئيس صدام حسين للفترة 1979 – 2003 وكانت لها مواقف، خرجوا فيها تظاهرات وأضربت مدينة الرمادي يوم الجمعة 17 أيار 1995 انطلاقا من جامع الرفاعي احتجاجا على إعدام بعض أبنائها منهم العقيد الطيار محمد مظلوم، ولكن الرئيس صدام على دراية بطبيعة عشائر الأنبار وكيفية التعامل معها وحل إشكالياتها ومشاكلها مع الحكومة، ومن أين يؤكل الكتف، واحتفظ بمساحة من الود، فلم يحصل في عهده ما يكدر صفو العلاقة إلى حد القطيعة، وأهل الأنبار ككل العراقيين لا يقبلون الضيم وليس من السهل عليهم تمرير الإهانة والازدراء والتجاهل، فهم أهل نخوة وإباء وأصحاب كرامة لا تجرح. ولهم جرأة للمبادرة في الملمات والحسم في المواقف الصعبة.

 

قبل الاحتلال كانت الأنبار بوابة العرب المتطوعين لنصرة العراقيين ضد العدوان الأميركي، استضافت المقاتلين المتطوعين أياما يوزعون على الأسر حتى يتم تنظيم التحاقهم بوحدات المتطوعين، وبعد الاحتلال طاردت القوات الأميركية وعملاؤها المتطوعين فعاد الكثير منهم إلى الأنبار لمعرفتهم بمن استقبلهم عند دخولهم، فاضطر نفر من الأنباريين إلى بيع حلي نسائهم الذهبية لتأمين عودة المتطوعين إلى مواطنهم، ولا ينكر أن بعض المتطوعين كان من القاعدة ووجدوا في الأنبار حاضنة لاتساع تنظيمهم، مستغلين الشعور المعادي للاحتلال. ولكن أهل المحافظة أدركوا خطر القاعدة وتطرفها فانتفضوا عامي 2008 و2009، وأخرجوا مقاتلي القاعدة من مدنهم بعد عجز الحكومة والأميركان معا، ولكنهم لم يجدوا من حكومة المالكي إلا الجحود والإنكار.

 

لم تقتصر معاناة الأنباريين بعد الاحتلال على إهمال وتهميش الحكومة، وعوضا عن تكريم هذه المحافظة التي قاومت الاحتلال واستبسلت في منازلته وجها لوجه، وبالكر والفر ومرغت أنوف المعتدين بالوحل، وكبدت الغزاة نصف الخسائر في الأرواح والمعدات، التي فقدوها بمحافظات العراق الثماني عشرة، استعصت الأنبار وقاتلت حتى لم يصدق الغزاة كيف يخرجون منها سالمين، ولاحقوا الأميركان في المحافظات الأخرى، حتى أطلق على نقطة التقاء حدود الأنبار مع النجف بغداد صلاح الدين بمثلث الموت لكثرة سقوط ضحايا المحتلين. وعوضا من اعتراف حكومة المالكي لهم بالوطنية والشجاعة كافأتهم بإنكار الفضل والازدراء وهو ما ستتحدث عنه الحلقة القادمة بإذن الله.

 

 

الأنبار في العراق أزمة أم كارثة؟ (3)

 

لم يكن أهل الأنبار وغالبية العرب السنة في العراق قبل الحرب العراقية الإيرانية يعرفون رائحة الطائفية، خصوصا في محافظة الأنبار، فليس من بين أهلها من هو على غير مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يعرفون إلا القليل عن الشيعة؛ لعدم وجود احتكاك يولد تعصبا أو تطرفا، وأنا شخصيا أنباري ولم أكن أعرف ذلك، ولا أعلم شيئا عن عدم مودة الشيعة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلا في السنة الثالثة من الجامعة، على إثر حوار مع زميلة لي، وصعقت وقتها لما سمعت، وتخرج ابني في الثانوية وسألته أمه عن صديقه في المدرسة إن كان شيعيا أو سنيا، فتصور أنها تسأله إن كان مسلما أم مسيحيا؛ لأنه لا يدري ما معنى الشيعة! وكنا ومازلنا لا نفرق بين الخلفاء الراشدين، نحب آل البيت ونجل الصحابة.

وحين قامت الثورة الإسلامية في إيران فرح الكثير من العراقيين بها؛ لتصورهم أن الشاه صديق للغرب وإسرائيل، وأن إيران ستكون دولة مسلمة بحق وحقيقة تناصر العرب والثورة الفلسطينية، وكنت واحدا من هؤلاء، حتى تبين خلاف ذلك، وبعد الحرب العراقية الإيرانية بدأت تتكشف الأمور أكثر، عرفنا أثر الاتجاه المجوسي الفارسي في الدعوة الصفوية، خصوصا بعد قيام الحكومة العراقية بإبعاد من كانت أصوله أعجمية إلى إيران بعد قيامهم بأعمال تخل بالأمن، وباعت دورهم ومحلاتهم في المزاد. فعرفنا مدى الخلاف والاختلاف. وحصلت أول عمليات قتل السنة حينما سمحت القوات الأميركية لهؤلاء المهجرين الإيرانيين بالعودة بعد الاحتلال بلا جوازات سفر ولا تدقيق، وكان عددهم يقارب المليون ونصف المليون، وصاروا يريدون دورهم ومحلاتهم القديمة التي تركوها قبل عشرين سنة وباعتها الحكومة، ولم ينتظروا إجراءات الدولة القانونية للبت بمصير هذه الأملاك وعائديتها فحصلت مشادات تطورت إلى قتال أحيانا.

وبعد انتهاء الحرب كانت غالبية قيادات حزب البعث وقوات الجيش والشرطة من الشيعة، ولم تكن لدينا مشكلة أو حساسية، وكان أخي عميدا في الجيش وأخلص أصدقائه من الضباط الشيعة، ولا نشعر بتميز وفوارق في الحقوق والواجبات بين هذا وذاك، وكنا نخجل أن نسأل عن المذهب. حتى حصل الاحتلال وبدأت تطفو على السطح بوادر اختلاف الاتجاهات، اختار العرب السنة المقاومة، واختار غالبية الشيعة مهادنة الأميركان فأطلق عليهم السيد الصدر الحوزة الصامتة، وكان على رأس من هادن الأميركان وأفتى بعدم مقاومتهم السيد السستاني؛ بذريعة أن الشيعة ضعفاء ومن العبث مقاومة المحتلين الأقوياء. فاستغل الشيعة فرصة المهادنة لكسب رضا الأميركيين وثقتهم ليستولوا على المناصب والمراكز الحساسة ويبعدوا عنها العرب السنة ولترجح كفتهم من دون اعتبار للوطنية والانتماء وحكم الشرع كمسلمين.

ومن الأيام الأولى للاحتلال، حل الأميركان الجيش وقوات الأمن، وحين أرادوا إعادة تشكيلها ترفع العرب السنة عن المشاركة في جيش وشرطة تشكل على يد المحتلين الأجانب، وتكالب عليها ذوو الأصول الإيرانية المهجرون فاستوعبتهم ومن بينهم مليشيات بدر وغيرها، وهنا الطامة الكبرى، وفسح المجال لأفراد الجيش والشرطة السابقين من الشيعة بالعودة حتى لو كانوا بعثيين، ولم يسمح إلا لقلة من العرب السنة الذين كانوا معادين للنظام السابق بالانتماء إلى سلك الجيش والشرطة، ومن هنا بدأت مظاهر التمييز والعنف الطائفي تطفو، لاسيما في مطاردة البعثيين السنة واعتقالهم وقتلهم أحيانا انتقاما لمواقف ماضية، وشمل القتل بعض أعضاء حزب البعث الشيعة أيضا ممن رفضوا الاحتلال، وبدأ قتل أساتذة الجامعات أمام الجامعة وداخل كلياتهم وبعد مطاردتهم عند خروجهم؛ لأسباب طائفية أو لمن كان سببا في رسوب بعض الطلبة لضعف مستواهم العلمي، وبدأ القتل يطال مسؤولي الجيش الشعبي ممن أشرفوا على تجنيد العامة وتدريبهم ليسهموا في الحرب ضد إيران أيام النظام السابق، ثم تلاها اختطاف الطيارين وقادة الفرق والكتائب والوحدات أيام الحرب العراقية الإيرانية وتسفيرهم إلى إيران لمحاكمتهم والاقتصاص منهم، وغالبيتهم عرب سنة ومن الأنباريين الذين يقطنون في بغداد. سرح ضباط الجيش وضباط الصف القدامى وحرموا من الرواتب والمعاشات والتقاعد فشعروا بالضيم والحيف وعيش الكفاف، وفيهم الكثير من أبناء الأنبار الذين كانوا معززين في الدولة السابقة. وكانت نتائج هذه الأحداث المؤلمة شعور العرب السنة بالقهر والاضطهاد وبداية لانقسام المجتمع العراقي الحاد فيما بعد.. وللحديث صلة.

 

 

الأنبار في العراق أزمة أم كارثة؟ (4)

 

لا يمكن فصل ما يجري في الأنبار عما يجري في سائر أنحاء العراق، من تهميش للعرب السنة، فهي المحافظة التي يشكلون فيها 100 % من السكان، غالبيتهم من الطبقة المتوسطة المثقفة، وفي عام 1959 كانت أول محافظة عراقية يقرر أهلها مقاومة المد الشيوعي وطرد كل الحزبيين إلى خارج المحافظة، لقوة الاتجاهين الإسلامي والقومي، وكانا يتنافسان على قيادات المجتمع المدني ورئاسة نقابة المعلمين، وهو ما يؤكد تمسك المحافظة بدينها وعروبتها، وتعد الأنبار الباروميتر الذي يقيس تفاعل العراقيين مع الأحداث في العراق والعالم العربي والإسلامي، وتأتي مدينة الموصل بالمحافظة بالدرجة الثانية، هاتان المحافظتان مع مدينتي سامراء وتكريت في صلاح الدين أهم المراكز المؤثرة في سياسة العراق وقياداته.

ومن أهم المظاهر التي دفعت الأنباريين نحو مقاومة الاحتلال، غطرسة الأميركيين واعتداء جنودهم على الناس بصفاقة، وقيام مجموعات شيعية بمساعدة المليشيات القادمة من إيران باغتصاب المساجد السنية ببغداد والمحافظات والاستيلاء عليها وطرد المؤذنين والأئمة وقتل من قاوم منهم، بحجة أن الدولة لم تكن تبني للشيعة مساجد، ولم تحرك المرجعيات الشيعية ساكنا رغم مناشدة علماء السنة لها، ولم تعر السلطات المؤقتة اهتماما لاستعادتها. ومازال الكثير من المساجد والجوامع مغتصبا، ولا أدري كيف أجازت المراجع الشيعية الصلاة في مساجد مغتصبة، فكان لابد أن يشعر العربي السني إزاء هذا الاعتداء بالظلم والحيف والقلق خصوصا في الانبار.

ظاهرة الاستيلاء على المساجد أذكت في الأنباريين الحمية الطائفية ودفعتهم للانضمام إلى فرق المقاومة بقوة تحت شعار مقاومة الاحتلال ودفاعا عن حرمات الإسلام التي انتهكها الصفويون. واستغلت القاعدة فتح الحدود العراقية لمن هب ودب منذ اليوم الأول للاحتلال ودخول العراق واستقطاب بعض الشباب كواحدة من التنظيمات الجهادية التي تصدت للاحتلال وقاومته، وقيل وصل عددها إلى ثمانين تنظيما، وحرب الفلوجة الأولى والثانية ضد المحتلين شاهد لما حدث في الأنبار، حيث أصبحت غالبية الشباب مقاومة، وحين دخلت القوات الأميركية الفلوجة عنوة في حملتها الثانية بعد حصار دام طويلا، انتشر المقاومون في كل مناطق العراق وامتدت المقاومة إلى كل مكان تواجد فيه الأميركان. كما أن تصفية الأساتذة الجامعيين والأطباء والعسكريين والمهندسين والصحافيين خصوصا البعثيين السنة بالاغتيالات، وانتشار جنود الاحتلال في أنحاء البلد لبسط سيطرتهم وتمكين وجودهم إلى الأبد، هو ما زاد من سرعة انتشار المقاومة.

أما الانقسام المجتمعي على أسس طائفية فكان تنظيم القاعدة أحد أسبابه، حيث اتخذت القاعدة استراتيجية الرد على اعتداءات المليشيات الشيعية بالمثل، حينما يقتل أستاذ جامعي أو طبيب سني تقتل القاعدة بالمثل أستاذا جامعيا شيعيا أو طبيبا، وبدا الموضوع ثأريا، وعمقت هذه الاغتيالات منظمات صهيونية سرية مارست اغتيال العلماء فزادت الطين بلة وحرجا، ووقفت المنظمات السنية الجهادية وعلماء الدين السنة ضد القاعدة والاغتيالات واستنكروها، وكفروا مرتكبيها، فغضبت القاعدة وبدأت تقتل العلماء السنة الذين يقاومون استراتيجيتها، وهذا ما لم يفهمه الشيعة، ولم يتجاوب معه الساسة الجدد، وتركوا العامة في حالة هيجان وانفلات، وكان يمكن أن تكون هذه الظاهرة عامل وحدة بين الشيعة والسنة ضد القاعدة والاغتيالات وليس عامل انقسام ولكنها فرصة أهدرتها المرجعيات والساسة فذهبت سدا.

ومن الأسباب التي أدت إلى الانقسام الطائفي أيضا أن المرجعيات الشيعية في العراق تخلت عن المقاومة، ما عدا الصدريين الذين كان لهم نشاط محمود لم يستمر وتوقف بضغوط من إيران، وزاد في الانقسام خبث القيادة العسكرية الأميركية التي بدأت تسير أرتال دباباتها ومركباتها وتطعم طاقم كل مركبة بجنديين أميركيين وخمسة عراقيين من الشيعة، وحين يهاجم المقاومون رتلا أميركيا يسقط ضحايا عراقيون، فيروج الإعلام الموالي للاحتلال أن المقاومة تقتل العراقيين، والهدف شيطنة المقاومة. واقتصرت الاعتقالات والمداهمات سواء التي يقوم بها الأميركان أو الحكومة المؤقتة على العرب السنة وغالبيتهم من الانبار فهم من يقاوم الاحتلال وعلى مقربة من بغداد، حتى تجاوز العدد “مئة وخمسين ألفا”، وليس بخاف ما تعرض له المعتقلون من تعذيب وإعدامات واغتصاب في سجون الأميركيين والحكومة المؤقتة، وهكذا نجد الأنباريين يحملون تراكمات الظلم والطغيان والتهميش طيلة عشر سنوات مضت فما يجري اليوم في الانبار تراكم لجور السنين تفجر أخيرا بتمادي حكومة المالكي وطغيانها، وللحديث صلة.

 

 

الأنبار في العراق.. أزمة أم كارثة؟ (5)

 

منذ أن وطأ الأميركان بأقدامهم أرض العراق، ومن يوم دخول طلائعهم بغداد واجه العرب السنة واقعا مأساويا كارثيا، إزاء ما كان مطلوبا منهم عمله في ظل الاحتلال، سواء من قوى الاحتلال الغاشم أم من لدن إخوانهم الشيعة الذين يشكلون نصف سكان بغداد، والغالبية العظمى من سكان المحافظات الجنوبية، ومن إخوانهم الأكراد في المحافظات الشمالية وغالبيتهم الساحقة من السنة، لم يكن الواقع واقع أزمة يمكن التفاوض عليها والوصول فيها إلى حل وسط، وهل يتفاوض المخلصون لأمتهم على الوطن؟ أو يتنازلون عن الثوابت: الله، الوطن، الحرية، هذا ما كان مطلوبا منهم، ورفضته غالبيتهم وأولهم أهل الأنبار المحافظة البيضاء التي لم تشملها حالات النهب والسلب والاعتداء أثناء الاحتلال ولا في حالات قبله ولا بعده، وصغيرهم وكبيرهم يؤمن بأن أمتنا واحدة ومصير شعبنا العربي واحد.

الإخوة الشيعة العرب والعجم من أصول إيرانية - نقولها بأسى وحزن وجرح عميق - ساروا خلف السفهاء من أبنائهم الضالين، فالأميركان قبل الاحتلال جندوا كل معاد للنظام السابق ممن لم يتحملوا حياة الحصار في الغذاء والدواء، الذي فرضه أشقاؤنا العرب على العراقيين بضغط من أميركا بعد دخول العراق الكويت خطأ ليعالج بخطأ أكبر، استمر الحصار 14 عاما لم يتضرر منه النظام بل تضرر الشعب، النساء والأطفال والشيوخ المرضى، فهرب من هرب من الشباب إلى دول أوروبا وأميركا وحصل العديد منهم على اللجوء ثم على الجنسية الأجنبية، استقطبهم الغرب وأغدق عليهم الهبات، وأرسلت أميركا الآلاف منهم إلى المجر يتدربون جواسيس ومساعدين لوجستيين لحملة الاحتلال، ودخل كثير منهم العراق عن طريق الشمال ودول الجوار، قبيل الغزو مزودين بهواتف «ثريا»، وقطع معدنية ممغنطة مشعة تهتدي بها طائرات الحلفاء المعتدين، ورافق بعضهم حملة الغزو يمهدون للاحتلال، ومن الطبيعي أن تكافئهم سلطات الاحتلال بالمال والسلطة ووظائف حساسة ردا على جميل ما قدموا من خدمات، أما العملاء فبرروا ولاءهم للأجنبي بالمظلومية والتحرر من قبضة النظام القوية، و»اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين».

كان عيش هؤلاء المنسوبون إلى العراق، وولاؤهم لإيران ودول أجنبية يحملون جنسياتها وأقسموا على الولاء لأميركا ودول غربية كبريطانيا وألمانيا وهولندا وغيرها عيشا متواضعا ومؤهلاتهم محدودة، وعملوا بمهن لا تحتاج إلى مهارات، ووجدوا أنفسهم فجأة بعد الاحتلال بوظائف مرموقة ومرتبات عالية منّ بها الحلفاء عليهم، يتودد لهم الوجهاء وتخضع لهم الرقاب، وخلفهم حرس وحشم وحمايات فطغوا وبغوا وأغرقوا في الفساد والسرقات والرشاوى والمحسوبية، تعالوا على الآخرين وعاشوا بمعزل عن عامة الناس وابتزوا المحتاجين، فتكونت طبقة محدثة من حديثي النعمة، غالبيتهم من مناطق بغداد والجنوب الشيعية، احتكروا المناصب المهمة، وأصبحت نسبة أبناء الطائفة السنية بين ضباط الجيش والشرطة لا تزيد عن 5 %

بفعل السرقات وسوء أداء هؤلاء الضائعين ومزوري الشهادات توقفت التنمية وساءت أحوال البلد الاقتصادية وأصبح ثلثا مجموع الشعب تحت خط الفقر، لسرقة وضياع الأموال العامة وتقاسمها بينهم، وشمل تزوير الوثائق والشهادات الثانوية والجامعية البكالوريوس والماجستير والدكتوراه الوزراء ومجلس النواب والسفراء والمبعوثين وشاغلي المجالس المحلية، ووصل عدد الشهادات المزورة إلى مئات الآلاف، والدولة تعلم بذلك فازدادت نسبة المعدمين والمستضعفين، وتردت الخدمات العامة، شح في المياه النقية الصالحة للشرب، وانقطاع في التيار الكهربائي، وعوز في خدمات النقل العام، وانسداد في مجاري المياه الثقيلة، ومنافذ تصريف مياه الأمطار، وانتشار القمامة في الشوارع والأزقة، وازدحام الطرق بالسيارات نتيجة كثرة مفارز التفتيش التي تسخر من الناس وفق أسمائهم ومحافظاتهم وعلى وجه الخصوص المسافرين من المحافظات السنية «الأنبار وصلاح الدين وديالى» من وإلى بغداد لقربهم منها.

وفي الحقيقة لم تكن الكارثة وقفا على أبناء الأنبار دون غيرهم، بشهادة التظاهرات التي خرجت في المحافظات وعمت المدن العراقية تستنكر سوء الأوضاع وترديها، بيد أن أهل الأنبار كانوا فوق كل هذه المعاناة، يداهمون ليلا ويعتقلون وتعتقل النساء، وتهمش رموزهم وتتهم بالإرهاب، وتتعرض لهم المليشيات على مفارز الطرق، وتغتصب حقوقهم وتوضع عليهم علامات الاستفهام أينما وجدوا، ووقعوا بين ناري القاعدة والمليشيات الطائفية فطفح الكيل، وسنتحدث عن مظاهر هذا الظلم وردة فعلهم تجاهها. وللحديث صلة.

 

 

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات