الألسنة القذرة والأفواه المذرة

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-08-08 - 1436/10/23
عناصر الخطبة
1/اللسان بين النعمة والنقمة 2/التحذير من الاستهزاء وخطر ذلك 3/بعض صور مظاهر الاستهزاء 4/عقوبة المستهزئين في الآخرة

اقتباس

خلق الله اللسانَ ليزيِّن الإنسان، فهو هنا نعمة على صاحبه، فبه يفارق الحيوانَ الأعجمَ البهيم. وبه يذكرُ الله ويحمَده ويشكره. وقد يشينُ الإنسان، ويصبح نقمةً على صاحبه، ويصيرُ أضلَّ من الحيوان، ويمسي بسببه في أسفل سافلين. والأفواه خلقها الله -جلَّ جلاله- نعمةٌ على الإنسان، وزينةٌ له، تساعده في دنياه على أكله وشربه، وكلام وخطابه. فإذا استخدمت هذه الأفواه مع الألسنة في...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسلَه بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70 - 71].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

خلق الله اللسانَ ليزيِّن الإنسان، فهو هنا نعمة على صاحبه، فبه يفارق الحيوانَ الأعجمَ البهيم: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) [الروم: 22].

 

وبه يذكرُ الله ويحمَده ويشكره، فعَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ" [صحيح البخاري (6478)].

 

وقد يشينُ الإنسان، ويصبح نقمةً على صاحبه، ويصيرُ أضلَّ من الحيوان، ويمسي بسببه في أسفل سافلين، فعَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "... وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ" [البخاري (6478)].

 

وفي رواية: "إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ" [البخاري (6477) ومسلم (2988)].

 

والأفواه خلقها الله -جلَّ جلاله- نعمةٌ على الإنسان، وزينةٌ له، تساعده في دنياه على أكله وشربه، وكلام وخطابه، قال سبحانه: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ) [البلد: 8 - 9].

 

فإذا استخدمت هذه الأفواه مع الألسنة في التفوُّه بما يغضب الله -سبحانه-، ونقلِ الشائعات، وقالةِ السوءِ بين المسلمين ، فهذا أمر عند الله عظيم، قال سبحانه: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور: 15].

 

وحذرنا الله -جل جلاله- أن نستهزئ به، أو بصفة من صفاته، أو بدينه، أو بآية من كتابه، أو بحكم من أحكام شريعته، أو برسوله، أو بخُلُق من أخلاقه، أو سنة من سننه، أو سيرة من سيرته، أو الاستهزاء بصاحب من أصحابه، أو أحدٍ من آل بيته، كلُّ ذلك كفر ونفاق، أو يؤدِّي إلى الكفر والنفاق، قال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التوبة: 65 - 66].

 

ففي غزوة تبوك استهزأ قوم بالصحابة فأصبحوا منافقين كافرين إلا من تاب، فمن استهزائهم أن "قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: "مَا أَرَى قُرّاءنا هَؤُلَاءِ -أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- إِلَّا أَرْغَبَنَا بُطُونًا، وَأَكْذَبَنَا أَلْسِنَةً، وَأَجْبَنَنَا عِنْدَ اللِّقَاءِ".

 

وفي رواية: "أَتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؟ وَاللَّهِ لَكَأَنَّا بِكُمْ غَدًا مُقَرّنين فِي الْحِبَالِ، إِرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ".

 

وفي أخرى: "فَقَالُوا: يَظُنُّ هَذَا -أي النبي صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الرُّومِ وَحُصُونَهَا. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ".

 

فَقَالَ رَجُلٌ: "كذبتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ أحدهم وهو مُخَشّن بْنُ حُمَيّر: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وأنَّا نَنْفَلتُ أَنْ يُنَزَّلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ".

 

فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَح- وَقَالَ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: "أَدْرِكِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلَى! قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا". فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ، فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، ويقولون: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ). فَقَالَ: (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) [التوبة: 65- 66] وَإِنَّ رِجْلَيْهِ لَتَنْسِفَانِ الْحِجَارَةَ، وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنِسْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- -أي زمام ناقته-.

 

فَقَالَ مُخَشّن بْنُ حُمّير: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِيَ اسْمِي وَاسْمُ أَبِي، فَكَانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخَشّن بْنُ حُمّير، فَتَسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لَا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ" بتصرف من [تفسير ابن كثير، تعليق سلامة (4/ 171، 172)].

 

والمثير للانتباه أن الصحابة الذين كانوا في غزوة تبوك، ونزلت فيهم هذه الآيات لم يكن من بينهم عليُّ بنُ أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-؛ لأنه بقي في المدينة بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- له أن يكون خليفة له على النساء والذرية، ولهذا لما آذاه المنافقون، فقالوا: "تركه على النساء والذرية" لحقَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فشكا إليه ذلك، فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ: "أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ، مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي" [البخاري (4416)].

 

وهذا خلاف ما يفتريه الرافضة ضدَّ الصحابة.

 

والآية تعني أن من سبَّهم أو لعنهم، أو استهزأ بهم أو شتمهم عرَّض نفسه للكفر والنفاق، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ لِي: أَيُسَبُّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيكُمْ؟ قُلْتُ: مَعَاذَ اللَّهِ! أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ! أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "مَنْ سَبَّ عَلِيًّا، فَقَدْ سَبَّنِي" [مسند أحمد (44/ 328، رقم 26748) الصحيحة (3332)].

 

فالاستهزاء بالدين والقرآن كفر، والاستهزاء بحكم من أحكامه أو آية من آياته كفر ونفاق، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة: 57].

 

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [لقمان: 6 - 7].

 

وقال سبحانه: (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا) [الكهف: 56].

 

(يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) [الجاثية: 8 - 9].

 

وبعض المستهزئين يستهزئ بالأذان، قال سبحانه: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) [المائدة: 58].

 

وبعضهم يستهزئ بالطلاق، قال سبحانه: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) [البقرة: 231].

 

أما الاستهزاء بنبي من الأنبياء، أو برسول من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فهو كفر ونفاق، قال سبحانه: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) [الكهف: 106].

 

وقال سبحانه: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) [الأنبياء: 36].

 

(وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) [الفرقان: 41].

 

ومن الاستهزاء برسول الله: أن يقال عن اللحية وساخة وقباحة، ويقال عن ترك الأظافر تقدم ورقي ومدنية، وعن الحجاب والتحشم تأخر ورجعية، وعن الصلاة -دقة قديمة- أي عادة قديمة، والصوم ما هو إلاَّ رياضة، والحج والعمرة إلى بيت الله الحرام وثنية... إلى آخر الألفاظ القذرة، والكلمات المذرة.

 

والمشكلة العظمى والطامة الكبرى: أن يشتم الله -سبحانه-، ويسب الله -جل جلاله-، فإذا نهينا نحن المسلمين عن سب الكافرين والمشركين، حتى لا يسبوا رب العالمين، جهلا وعنادا، كما قال سبحانه: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 108]؛ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-:... يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ الْأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ".

 

يَعْنِي -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ اللَّهَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ بِهِ مَا يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الْمَصَائِبِ، فَالْأَمْرُ بِيَدِهِ، يُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ كَيْفَ شَاءَ، وَإِذَا سَبَّ فَاعِلَهَا كَانَ قَدْ سَبَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-" [الآداب للبيهقي، (ص: 148، رقم 354)].

 

فكيف وقد نشأ في هذه الأمَّة من يسب الله -جل جلاله- علانية، ليلا أو نهارا، لا يمتنع من فعل ذلك والتلفظ به في أي بقعة فوق أرض الله، أو أي مكان تحت سماء الله؟! إلا من تاب قبل الموت توبة نصوحا، فتوبوا إلى الله واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.

 

وبعد:

 

عباد الله: إن وعدَ الله حقٌّ، والساعةَ آتيةٌ لا شكَّ فيها، فماذا أنت فاعل يا من تسبُّ وتشتم؟ وكيف سيكون حالك إذا مُتَّ وأنت تلعنُ وتكفر؟ وما مصيرك وأنت تستهزئ وتسكبر؟ من سينصرك هناك من دون الله؟ من سيجيرك في الآخرة من عذاب الله؟ هل تشكُّ في يوم القيامة؟ هل تظنُّ أنه لا يوجد حسابٌ ولا عقابٌ ولا حسرةٌ ولا ملامة؟ اسمع ما وَبَّخ الله -جل جلاله- المستهزئين الكفارَ بقوله تعالى في سورة [الجاثية: 32 - 37]: (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ) منكرين لذلك: (مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ).

 

فهذه حالهم في الدنيا، وحالُ البعث الإنكارُ له، وردُّ قولِ من جاء به، قال تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) أي: وظهر لهم يوم القيامة عقوبات أعمالهم: (وَحَاقَ بِهِمْ) أي: نزل: (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزئون به وبوقوعه، وبمن جاء به.

 

(وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ) أي: نترككم في العذاب: (كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) فإن الجزاء من جنس العمل: (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ) أي: هي مقرُّكم ومصيركم: (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) ينصرونكم من عذاب الله، ويدفعون عنكم عقابه.

 

(ذَلِكُمْ) الذي حصل لكم من العذاب: (ب) سبب (أنكم اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) مع أنها موجبة للجِدِّ والاجتهاد، وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح: (وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) بزخارفها ولذاتها وشهواتها، فاطمأننتم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية: (فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) أي: ولا يمهلون ولا يردُّون إلى الدنيا ليعملوا صالحا.

 

(فَلِلَّهِ الْحَمْدُ) كما ينبغي لجلاله، وعظيم سلطانه: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلائق؛ حيث خلَقَهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة.

 

(وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: له الجلال والعظمة والمجد.

 

فالحمد فيه الثناءُ على الله بصفاتِ الكمال، ومحبتُه تعالى وإكرامه، والكبرياءُ فيها عظمته وجلالُه، والعبادة مبنية على ركنين، محبة الله والذُّلِّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه: (وَهُوَ الْعَزِيزُ) القاهر لكل شيء: (الْحَكِيمُ) الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا يَشْرَعُ ما يشرعُه إلا لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلا لفائدةٍ ومنفعة" [تفسير السعدي، (ص: 777، 778)].

 

اللهم: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

 

(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 250].

 

(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 286].

 

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8].

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23].

 

(رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [يونس: 85 - 86].

 

(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45].

 

 

المرفقات

القذرة والأفواه المذرة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات