الأسباب الجالبة للأرزاق

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-10-15 - 1437/01/02
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/التقوى تجلب الرزق وتبارك فيه 2/دور عبادة الصلاة والحج والعمرة وإخراج الزكاة في جلب الرزق 3/جلب الرزق بصلة الأرحام 4/جلب الرزق بالتوكل على الله والإكثار من ذكره 5/جلب الرزق بشكر الله على نعمه 6/السعي في طلب الرزق وتجديد التوبة والإكثار من الاستغفار 7/تكفل الرزاق -سبحانه- بأرزاق خلقه
اهداف الخطبة

اقتباس

الناس يشكُون -لقلة عقولهم- من قلة المادة، وقلةِ الأموال، وقلة الأرزاق، ضرب الله -سبحانه وتعالى- لنا مثلا عن أهل الكتاب، أهلِ التوراة وأهل الإنجيل، كانوا يذهبون إلى أنبيائهم ويريدون الأرزاق أن تنزل عليهم، وما هو مطلوب منهم إلا أن...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: 70 - 71].

 

أما بعد:

 

فإن خيرَ الكلامِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمَّدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

 

أعاذنا الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار.

 

عباد الله: اتقوا الله، فبتقوى الله -سبحانه وتعالى- تُنال الأرزاق، وبالطاعاتِ مع التقوى يبارك لنا في الخيرات، فمن أراد -كما هو حال الناس عمومان وهنا في غزة خصوصا، يبحثون عن الأرزاق- أن يجعلوا قبلتهم -إلا من رحم الله- البنوك في قلوبهم وفي صدورهم، نسوا الله -سبحانه وتعالى-، وفكروا في البنوك، أصبحت القبلة عند كثير من الناس في المادة والعمل، وهذه من الأسباب، ومن المعينات، وليست هي الأساس، فالرزاق هو الله، والرازق هو الله، فاتقوا الله، واعبدوا الله، يرزقكم الله.

 

فمن أين توجد بنوك للنمل؟ وأين بنوك الطيور، وأين البنوك للحيوانات؟

 

الله يرزقها -سبحانه وتعالى-، ولم يمت أحد من الجوع -والحمد لله رب العالمين-.

 

رزقك -يا عبد الله- ستأخذه، فلا تتوكل على غيره تعالى.

 

اتقِ الله -يا عبد الله- يرزقْك الله -سبحانه وتعالى-.

 

والناسُ يشكُون -لقلة عقولهم- من قلة المادة، وقلةِ الأموال، وقلة الأرزاق، ضرب الله -سبحانه وتعالى- لنا مثلا عن أهل الكتاب، أهلِ التوراة وأهل الإنجيل، كانوا يذهبون إلى أنبيائهم ويريدون الأرزاق أن تنزل عليهم، وما هو مطلوب منهم إلا أن يتقوا الله، ويعبدوا الله -سبحانه وتعالى-، قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُون) [المائدة: 66].

 

لأكلوا من فوقهم، أمطار تأتيهم من عند الله -عز وجل-، وأمطار تأتيهم ومن تحت أرجلهم بركات تخرج من الأرض.

 

كذلك القرى التي تدعي الإسلام والإيمان، والبلدان التي هي تتبع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، لو كان عندهم إيمان وتقوى؛ لجاءتهم البركات الكثيرة من السماوات ومن الأرض، قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف: 96].

 

وقال سبحانه عن الذين ينحرفون عن منهج الله، وعن طريق الله، وعن هدي الله، وعن شريعة الله: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً) [الجن: 16].

 

وقال سبحانه مذكرا الناس بالتقوى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2- 3].

 

لأنه يحتسب، ويظن أن الرزق في جهة الشمال، فإذا به في الجنوب، يظن أن الرزق يأتيه من الشرق، وإذا به يأتيه من خلفه من الغرب، الرزق كله أين؟ (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [الذاريات: 22].

 

يا من تبتغي الرزق من الله -جلّ جلاله-: عليك بالإكثار من الصلاة، فهي صِلَتُك بالله، فيذكرك الله مع من يرزق من عباده، الذي لا ينسى من رزقه ولا ينسى من فضله أحدا سبحانه، قال سبحانه: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: 132].

 

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في التفسير: "قوله: (لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ) يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب".

 

وأكثر -يا عبد الله- من عبادة الله؛ الحجِّ والعمرة، ففيهما بركاتٌ، وفيهما أرزاقٌ من الله -سبحانه وتعالى-، جاء في الحديث الثابت عنه صلى الله عليه وسلم: "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلَيْسَ الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ ثَوَاب إِلَّا الْجَنَّةِ" [سنن الترمذي: 810، والنسائي: 2631].

 

التوالي بين الحج والعمرة، يفكر فيها الإنسان، ويسعى جاهدا؛ لأن يتحصل على إذن لأدائها أمر طيب، وهو يجلب الأرزاق، ويجلب البركات من الله -عز وجل-.

 

كذلك -يا عبد الله- من العبادات، يا صاحب المال، يا من ماله يحلّ عليه العام، وقد بلغ النصاب لا تنسَ الزكاة، ولا تنسَ الصدقاتِ والهدايا والتطوعات، ولا تنس الأرحام، فكلُّ ما ذكرت لك عنوان على جلب الأرزاق من الرزاق -سبحانه-، قال سبحانه: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) [الروم: 39].

 

الذي يزكي ماله مخلصا لله -عز وجل-، متَّقِيًا اللهِ في ماله، يقدِّمه طواعية من قلبه، أولئك هم المضعفون.

 

قال القرطبي -رحمه الله-: "في معناه قولان:

 

القول الأول في كلمة المضعفون:

 

أحدهما: أنه تضاعف لهم الحسنات.

 

والقول الآخر: أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم، أي هم أصحاب أضعاف".

 

يعني تُخرِج شيئا لله، يأتيك مضاعفا، إما ببركة الواحد، أو يجعل مكان الواحد اثنين، ومن ذلك قول الله -عز وجل- محذرا من يبحث عن الأرزاق، وعن الفلوس والأموال والأطعمة وما شابه ذلك من الطرق الحرام كالربا مثلا، يريد أن يأخذ الربا في أموال الناس حتى يزداد ماله، قال الله عنه: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة: 276].

 

فرق من يجعل أمواله في الربا، ومن يتصدق بها، فرق كبير، الله تكفل بأصحاب الربا بالمحق، محق أموالهم، وهم أرادوا الزيادة فإذا بها تذهب، في القديم والحديث، وربا يربو يزيد من الصدقات.

 

قوله: (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) أي ينميها في الدنيا بالبركة، ويكثر ثوابها بتضعيف أجرها في الآخرة، قال سبحانه عمن ينفق في سبيل الله زكاة أو صدقات: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39].

 

أنت لا تملك إلا مائة شيكل، ووجدت إنسانا يحتاج إلى مائة شيكل، وأنت محتاج إليها فقدمتها لله من قلبك متقيا الله -سبحانه وتعالى- رحمة بهذا المسكين، ثق تماما سيخلفه لك ويضاعفه أضعافا كثيرة، لكن لا بد أن يقوى إيمانك، فإذا خرجَتْ هذه المائةُ شيكل من يدك، لا تفكر فيها بعد ذلك، ربما تحتاج إليها بعد قليل امتحانا من الله، فلا تقل: "يا الله! يا ريتني ما تصدقت" كأنك ما تصدقت، فإذا ندمت على الخير محي الخير، فلا تمحُه بالندم -يا عبد الله- اندم على ما فعلته من حرام، ومن سيئات، ولا تندم على ما فعلت من حسنات.

 

كذلك جاءت أحاديث في صلة الأرحام، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مبينا أن صلة الرحم تزيد وتوسع وكثر الرزق، فمن الأسباب الجالبة للرزق والبركة، ما جاء في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" [البخاري: 2067].

 

وفي لفظ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" [مسلم: 2557].

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا: "تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ" -مثراة؛ أي تصبح ثريا إن شاء الله- "مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ" -ذكرٌ طيبٌ بعد الموت- [الترمذي: 1979].

 

كل هذا في صلة الرحم التي قطعت في هذا الزمان إلا من رحم الله.

 

قال النووي: "بسط الرزق" توسيعه وكثرته، وقيل: البركة فيه" قد يكون قليلا، لكن يكون فيه بركة أكثر من غيرك الذي عنده أضعاف مضاعفة؛ لأنه لا بركة فيه، فلا يصل رحما، ولا يخرج زكاة.

 

وقال الحافظ ابن حجر: "قال العلماء: معنى البسط في الرزق البركة فيه؛ لأن صلة أقاربه صدقة، والصدقة تربي المال، وتزيد فيه فينمو بها ويزكو -بإذن الله-".

 

عبد الله: من الأسباب الجالبة للرزق: التّوكُّل على الله -سبحانه وتعالى- مع الأخذ بالأسباب، خذ بالأسباب وتوكل على الوهاب، عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا" [ابن ماجة: 4164].

 

فالتوكل على الله بعد أن تأخذ بالأسباب، كالطير الذي لم يبق في عشِّه وهو قادر على الطيران يطير، لكنه إذا كان غير قادر أو إنسان مقعد سيرزقه الله، لن ينساه الله -سبحانه وتعالى-، تروى في هذا المجال قصة يذكرها ابن القيم -رحمه الله- عن الحمام، فقال: "من عجيب أمرها، ما ذكره الجاحظ؛ أن رجلا كان له زوجُ حمامٍ مقصوص، وزوجٌ طيَّار، وللطيار فرخان، قال: ففتحت لهما في أعلى الغرفة كُوَّةً للدخول والخروج، وزقِّ فراخهما، قال: فحبسني السلطان فجأة، فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام، ولم أشك في موتهما؛ لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة، وليس عندهما ما يأكلان ويشربان، قال: فلما خُلِّى سبيلي؛ لم يكن لي همٌّ غيرهما، ففتحت البيت، فوجدت الفراخ قد كبرت، ووجدت المقصوص على أحسن حال فعجبت، فما لبثَ أن جاء الزوجُ الطيارُ فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم الفرخ، فزقَّاهم، فانظرِ إلى هذه الهداية، فإن المقصوصَين لما شاهدا تلطُّف الفراخ للأبوين، وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش، فعلا كفعل الفرخين، فأدركتهما رحمة الطيارين، فزقاهما كما يزقَّان فرخيهما [شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص: 73].

 

من وكَّلَ هذا بهذا؟

 

إنه الله -سبحانه وتعالى-، الذي رزق الطير في الهواء، والحيوانَ والنملةَ في الجُحْر، والحوتَ في البحر، لا ينسى أحدا.

 

على بعد ستةٍ وثمانين مترا في الأرض أو أكثر ممن يحفرون الآبار وجدوا حجرا، فتحوه فوجدوا حشَرَة صغيرة في وَسَط الحَجَر؛ دودة تتحرك، من يرزقها هناك -يا عباد الله-؟!

 

أنت عندما كنت جنينا في بطن أمك من يرزقك؟ لم تهتم هناك للرزق أبدا، فكيف تهتم له الآنظ! خذ بالأسباب وتوكل على الله -يا عبد الله-.

 

ومع ذلك، ما دمت عاقلا مسلما مميزا، اذكر الله، ذِكر الله على أيِّ عمل تقوم به، يبارِك لك فيه الله، فإذا ذكرت الله على الجماع يخرج الأولاد فيهم البركة.

 

إذا ذكرت الله على الطعام دخل فيه البركة، وتوزع البركة في الجسد.

 

وإذا ذكرت الله في التجارة أرباحُك مباركٌ لك فيها.

 

إذا ذكرت الله عند الصناعة، عند الزراعة، عند أي عمل تقوم به، في تعليم، أو صحة، أو ما شابه ذلك، تجد الآثارَ الطيبة، بأمر الله -سبحانه وتعالى-.

 

ومن هذه الأذكار: التّسمية والذكر والدعاء، والحمد والثناء والشكر لرب الأرض والسماء، هذه  تجلب الأرزاق، ويبارك لك فيها، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله تعالى عنها- قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ" -أي سبعة أشخاص- فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ -صار المجموع ثمانية على الطعام- فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ- وانتهى الطعام- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ" [سنن الترمذي: 1858، وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"].

 

فعدم التسمية على طعام يكفي الثمانية، يأكله من لم يسمِّ بلقمتين، فلو سمَّى لكفى، ونسيان التسمية من الشيطان، فينسى العبد التسمية، ويقعد على طعام كثير، فلا يشبع، بل يأكله بلقمتين.

 

ويقول صلى الله عليه وسلم مبينا جلب الأرزاق، الدعاء، وقبل الدعاء بالرزق، لا بد أن تقدم بمقدمة، فإننا نحن جميعا عبيد لله -عز وجل-، لكننا غارقون في الذنوب والخطايا، وقبل أن تقول: "اللهم ارزقني" قل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي" [سنن للترمذي: 3500].

 

ونحن بالجماعة، نقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا ذَنوبنا، وَوَسِّعْ لنا فِي دُورِنا، وَبَارِكْ لنا فِيمَا رَزَقْتَنا".

 

وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ" -فهذا الأعرابي يريد أن يتعلم، وعنده فقهٌ حسب علمه؛ لأن الإنسان يفكر في نفسه سواء كان كافرا أم مسلما، أما المسلم يفكر في الدنيا والآخرة، هذا الأعرابي- قَالَ: "قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" -فيها توحيد لله، فيها ذكر لله، فيها حمد وثناء لله -عز وجل-، فانظر ماذا قال الأعرابي- قَالَ: "فَهَؤلَاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟" قَالَ: "قُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي" [مسلم: 2696].

 

اللهم اغفر لنا وارحمنا، واهدنا وارزقنا.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

أما إن تكلمنا عن سبب آخر يجلب الرزق: فالشكرُ على النعمة، التي بين يديك، وأن تنظر إلى غيرك من الناس، ممن هم أقلُّ منك شأنا، وهم أكثرُ منك فقرا وحاجة، فتحمد الله -عز وجل-، ولا تنظر إلى من هم فوقك في دنياهم، وأكثر منك أموالا وأولادا، فتزدري نعمتك الله عليك.

 

يا عبد الله: اشكر الله واحمده، ففي حمده وشكره بركة، وزيادةٌ ونماءٌ في الأرزاق، قال سبحانه: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7].

 

وقال سبحانه: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11].

 

بعض الناس تأتيه الأرزاق من كل مكان، ولكن لا يريد أن يعلم عنها أحد، ولا يشكر الله، ويجري هاهنا وهاهنا، ولا يدري إن لم يتحدث بنعمة الله عليه يبقي يجري، ولن تنفعه مثل هذه الأموال، ولن يكون فيها بركة: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11].

 

قل: الحمد لله، نِعَمٌ كثيرة من الله -عز وجل-.

 

وإن أردت التوسعة في الأرزاق، فتب إلى الله، وأكثر من الاستغفار، لقوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً) -متاع يمتعك الله من عنده متاعا حلالا تستحسنه النفوس- (إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) [هود: 3].

 

وقد قال نبي الله هود -عليه السلام- لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) -هذه من أسباب الاستغفار والتوبة- (وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) [هود: 52].

 

ذكر القرطبي -رحمه الله- : "أن الاستغفار يُستنزل به الرزق والأمطار، وأن عادًا -قوم هود- كانوا أهل بساتين وزروعٍ وعمارة، فحبس عنهم المطر، فقال لهم هود: "إن آمنتم وأكثرتم الاستغفار، يحيي الله بلادكم ويرزقكم، الأموال والأولاد، ويزيدكم قوة إلى قوتكم".

 

وقال سبحانه تعالى على لسان نوح: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً).

 

انظر الاستغفار بماذا يأتي: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ * وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) [نوح: 10- 11].

 

روى الربيع بن صبيح أن رجلاً أتى الحسن -البصري- فشكا إليه الجدوبة -الجدب في الأرض، فلا نبات عنده في الأرض-، فقال له الحسن: "استغفر الله" فأتاه آخر فشكا إليه الفقر -لا يوجد أرزاق، لا يوجد مال- فقال له: "استغفر الله" وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه- عنده بساتين لكنها عطشى- فقال له: "استغفر الله" وأتاه آخر، فقال له: "ادع الله أن يرزقني ابنا" فقال له: "استغفر الله" -المشاكل مختلفة والحاجات متنوعة، والجواب واحد-فقلنا له: "أتاك رجال يشكون إليك أبوابًا، ويسألونك أنواعًا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار" فقال: "ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئًا -يعني ليس من عندي- إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى إخبارًا من نبيه نوح -عليه السلام- أنه قال لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) [10- 12].

 

عبد الله: لا بد من السعي، وعدم التواكل والبقاء في البيوت وعدم العمل، لا بد من السعي حتى تأخذ الرزق الحلال، وتأخذ الرزق المبارك فيه، أمور ينبغي عليك أن تفعلها، أن تسعى جاهدا وتتوكل على الله، ولا تنقطع عن العمل، قال عمر -رضي الله عنه-: "لا يقعدن أحدكم في المسجد يقول: الله يرزقني" -ماذا يفعل في المسجد؟ يسبح ويصلي ويذكر الله -تعالى-، وهذا خير، لكن يبقى طول اليوم والليلة هكذا- "فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة" [موسوعة الألباني في العقيدة: 9/ 595].

 

ألا واعلموا: أن الله -سبحانه- خلقنا لعبادته، وتكفل لنا بالأرزاق من عنده، ما عليك إلا أن تسعى وتتوكل على الله، قال سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56 - 58].

 

عبد الله: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) [سبأ: 39].

 

ويضيق على من يشاء أيضا، بعض الناس الله يعطيه، وربما عنده فسق أو فجور، أو كفر، ككفار العالم أثرياء وأغنياء، يبسط الرزق لمن يشاء، ويقبضه عمن يشاء، يضيِّق ربما على عباده المؤمنين، يذلُّوا إليه، ويتوبوا إليه، وينيبوا إليه، ويستغفروه: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39].

 

ألا وصلوا على الهادي البشير، كما أمركم العلي القدير: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

 

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مِنْ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَصَاعِنَا -ومكيالنا-.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ وَنَسْتَسْقِيكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ، إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، أَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا.

 

اللَّهُمَّ اسْقِنَا سُقْيَا نَافِعَةً وَادِعَةً، تَزِيدُ بِهَا فِي شُكْرِنَا، وَارْزُقْنَا رِزْقَ إِيمَانٍ، وَبَلَاغَ إِيمَانٍ، إِنَّ عَطَاءَكَ لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا.

 

اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبِلَادَكَ، وَأَحْيِ بَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 

اللَّهُمَّ أَنْزِلْ فِي أَرْضِنَا رَبِيعَهَا، وَأَنْزِلْ فِي أَرْضِنَا سَكَنَهَا، وَارْزُقْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.

 

اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، طَبَقًا عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، تُرْخِصُ بِهِ أَسْعَارَنَا، وَتُدِرُّ بِهِ أَرْزَاقَنَا، وَتُنْعِمُ بِهِ عَلَى بَدْوِنَا وَحَضَرِنَا، وَاجْعَلْنَا لَكَ شَاكِرِينَ.

 

(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45].

 

 

 

المرفقات

الأسباب الجالبة للأرزاق.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات