افرحوا يا مؤمنون بالحدود

خالد القرعاوي

2016-01-07 - 1437/03/27
عناصر الخطبة
1/ سعادة الأمة في تطبيق الالتزام بالشريعة 2/ الإسلام شريعة عادلة 3/ الحدود كفارات وزواجر 4/ فوائد وثمرات تطبيق الحدود الشرعية في المجتمع.

اقتباس

لا بُدَّ أنْ نُؤمِنَ أنَّ البَشَرَ لَهُم إرِادَاتٌ مُتَبَايِنَةٌ وَنَزَعَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَأُنَاسٌ إلى الحَقِّ والخَيرِ، وآخَرُونَ إلى البَاطِلِ والشَّرِ! فَكَانَ لا بُدَّ لِهذِهِ النَّزَعَاتِ مَا يَكْبَحُ جِمَاحَهَا وَيُخَفِّفُ حِدَّتَها، حِينَها فَرَضَ رَبُّ العَالَمِينَ بِرَحْمَتِهِ وَحِكمَتِهِ، عُقُوبَاتٍ دُنْيَوِيَّةً وَحُدُودَا شَرْعِيَّةً، لِتَرْدَعَ المُعتَدِي، وَتُصلِحَ الفَاسِدَ، وَتُقِيمَ الأَعوَجَ، وحتى تَظَهَرَ مَحَاسِنُ المِلَّةِ، وَتَستَقِيمَ الأُمَّةُ، وشُرِعَتِ الحُدُودُ تَكْفِيرَاً لأصْحَابِها فَلا يَجتَمِعُ لَهُم عُقُوبَةُ الآخِرَةِ مَعَ عُقُوبَةِ الدُّنْيا لِمَنْ تَابَ إلى رَبِّهِ وأَنَابَ...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ شَرعَ الشَّرَائِعَ وأَحكَمَ الأَحكَامَ، نَحمدُهُ سُبْحانَهُ ونَشكُرُهُ وَلِيُّ كُلِّ إنْعَامٍ، نَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَريك له، المَلِكُ العَلاَّمُ، وَنشهدُ أنَّ نَبِيَّنَا مُحمداً عبدُ اللهِ وَرَسُولُه سَيِّدُ الأَنَامِ، أَوضحَ المَحَجَّةَ، وأَقَامَ الحُجَّةَ وَبَيَّنَ الحَلالَ والحَرَامَ، صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عليهِ، وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ الكِرَامِ، والتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهم بِإحسَانٍ وإيمَانٍ على الدَّوامِ.

 

 أمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُم واحمَدُوهُ على نِعمَتِهِ عَليكُمْ بِهذا الدِّينِ القَويمِ الكَامِلِ، الجَامِعِ بينَ الرَّحمَةِ والحِكمَةِ، رَحمَةٌ فِي إصلاحِ الخَلْقِ، وحِكمَةٌ فِي سُلُوكِ الصِّراطِ المَستَقِيمِ.عبادَ اللهِ:اعلمُوا أنَّ العَدْلَ والمُسَاوَاةَ، وإيقَافَ الظَّالِمِ عِندَ حَدِّهِ، والمُحَافَظَةَ على استِتْبَابِ الأَمْنِ، لا يَحصُلُ ولا يُتَصَوَّرُ، إلاَّ بِتَطْبِيقِ شَرْعِ اللهِ تَعَالى القائِلِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال: 24].

 

أيُّها المُؤمِنُونَ: مَا تَقُولُونَ فِي مَطَرٍ يُرْسِلُهُ اللهُ على عِبَادِ أربَعِينَ يَومَاً فَيَسْقِي أَرْضَهُمْ وَيُنْبِتُ زَرْعَهُمْ وَيَشْرَحُ بِهِ صُدُورَهُمْ، أَلا تُعدُّ تِلكَ نِعمَةٌ كُبْرى؟ بَلى وَاللهِ! فاسمَعُوا إذاً ما هُو خَيرٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّه. رَوى ابنُ مَاجَةَ وَغَيرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ-: "حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ، خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا".

 

وَرَوى الطَّبَرَانِيُّ بِإسنَادٍ حَسَنٍ عنْ ابنِ عَبَّاسِ -رضيَ اللهُ عنهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ-: "يَوْمٌ مِنْ إِمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً، وَحَدٌّ يُقَامُ فِي الأرْضِ بِحَقِّهِ أَزْكَى فِيهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ عَامًا".

 

عِبَادَ اللهِ: لا بُدَّ أنْ نُؤمِنَ أنَّ البَشَرَ لَهُم إرِادَاتٌ مُتَبَايِنَةٌ وَنَزَعَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَأُنَاسٌ إلى الحَقِّ والخَيرِ، وآخَرُونَ إلى البَاطِلِ والشَّرِ! وَصَدَقَ اللهُ: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) [الليل: 4]. فَكَانَ لا بُدَّ لِهذِهِ النَّزَعَاتِ مَا يَكْبَحُ جِمَاحَهَا وَيُخَفِّفُ حِدَّتَها، حِينَها فَرَضَ رَبُّ العَالَمِينَ بِرَحْمَتِهِ وَحِكمَتِهِ، عُقُوبَاتٍ دُنْيَوِيَّةً وَحُدُودَا شَرْعِيَّةً، لِتَرْدَعَ المُعتَدِي، وَتُصلِحَ الفَاسِدَ، وَتُقِيمَ الأَعوَجَ، وحتى تَظَهَرَ مَحَاسِنُ المِلَّةِ، وَتَستَقِيمَ الأُمَّةُ، وشُرِعَتِ الحُدُودُ تَكْفِيرَاً لأصْحَابِها فَلا يَجتَمِعُ لَهُم عُقُوبَةُ الآخِرَةِ مَعَ عُقُوبَةِ الدُّنْيا لِمَنْ تَابَ إلى رَبِّهِ وأَنَابَ.

 

أيُّها المؤمِنُونَ: فَرَضَ اللهُ الحُدودَ وَأَوجَبَ على وُلاةِ الأُمُورِ إِقَامَتُها على الشَّرِيفِ والوَضِيعِ والغَنِيِّ والفَقَيرِ والذَّكَرِ والأُنْثى. قَالَ أصدَقُ القَائِلينَ تَعَالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فإتباع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 178].

 

 قَالَ الشَّيخُ السَّعدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- ما مَفَادُهُ: "بَيَّنَ اللهُ -تَعَالَى- حِكمَتَهُ العَظِيمَةَ فِي مَشرُوعِيَّةِ القَصَاصِ أنَّ بِهِ تَنْحَقِنُ الدِّمَاءُ، وَتَنْقَمِعُ الأَشقِيَاءُ، لأنَّ مَنْ عَرَفَ أنَّهُ مَقتُولٌ إذَا قَتَلَ، فَلا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنهُ القَتْلُ، وإذَا رُئِيَ القَاتِلُ مَقْتُولاً انْذَعَرَ غَيرُهُ وانْزَجَرَ، وَهَكَذا سَائِرُ الحُدُودِ الشَّرعِيَّةِ، فِيها مِنْ النِّكَايَةِ والانْزِجَارِ، مَا يَدَلُ على حِكمةِ الحَكِيمِ الغَفَّارِ،  وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ وَدِينَهُ وَشَرْعَهُ وَأَسرَارَهُ العَظِيمَةُ والحِكَمُ البَدِيعَةُ والآيَاتُ الرَّفِيعَةُ، أَوجَبَ لَهُ ذَلِكَ أنْ يَنْقَادَ لأمْرِ اللهِ، وَيُعَظِّمَ مَعَاصِيَهُ فَيَتْرُكَهَا".

 

أيُّها المؤمِنُونَ: فِي تَنفِيذِ الحُدُودِ حَسْمٌ لِلفَوضَى واستِتْبَابٌ لِلأَمْنِ وَدَفْعٌ لِلفَتَنِ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). [المائدة: 32].

 

 إقامَةُ الحُدُودِ تَكُونُ على كُلِّ أحَدٍ فالكُلُّ سَواسِيَةٌ! يَقُولُ رَسُولُ الهُدى -صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-: "أَقِيمُوا حُدُودَ اللهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلاَ تَأْخُذْكُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ". رَواهُ ابنُ ماجَةَ. وَلْتَعْلَم أَخَا الإسلامِ: أنَّهُ لا مَجَالَ لإقَامَةِ الحُدُودِ مَا لَمْ تَكُنْ عَدْلاً على رِقَابِ الجَميعِ، فلا يَرْضَ اللهُ ولا رَسُولُهُ ولا المُؤمِنُونَ أنْ تُقَامَ الحُدُودُ على البُسَطَاء، وأَنْ يُترَكَ أَكَابِرُ المُجرِمِينَ طُلَقَاءَ.

 

 وَفي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ وَهِيَ مِنْ قُرَيْشٍ أعظَمُ العِبَرِ ذَلِكَ حِينَ رُفِعَ أمْرُها إلى رَسُولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- وَأَرَادَ تَطْبِيقَ شَرْعَ اللهِ فِيها فَأَهَمَّ قُرَيْشٌ أَمْرَهَا، وَبَحَثُوا عَنْ كَافَّةِ السُّبُلِ لِعَدَمِ تَنْفِيذِ حُكْمِ اللهِ فِيها، فَاختَارُوا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-ما حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ وابْنُ حِبِّهِ، لِيُكَلَّمَ فِيهَا رَسُولَ فَوَافَقَ أُسَامَةُ ظَانَّاً أنَّ الأمَرَ يَسِيرٌ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ عَليهِ وَزَبَرَهُ وَقَالَ أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فاختَطَبَ فَقَالَ: "إنَّمَا أهْلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَأَيْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطمَةَ بِنْتَ مُحمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعتُ يَدَهَا" متفقٌ عَلَيْهِ.

 

أتُريدُونَ -يا رَعَاكُمُ اللهُ- أنْ تَعرِفُوا ثَمَرَةَ إصْرَارِ رَسُولِ اللهِ على إقامَةِ الحَدِّ عليها؟ استَمِعُوا إلى أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عنْها- وهيَ تَقُولُ: ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا. فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَقْضِيَهَا.

 

وَهُنا لَفْتَةٌ لِلمؤمِنينَ أنْ لا يَسُبُّوا مَنْ أُقيمَتْ عليهِم حُدُودُ اللهِ أو يَحكُمُوا عليهم بِجَنَّةٍ أو نَارٍ، فَقَد أَفْضَوا إلى حَكَمٍ عَدْلٍ. وفي صحيحِ مُسلِمٍ أنَّ امرَأةً غَامِدِيَّةً زَنَتْ فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- النَّاسَ فَرَجَمُوهَا فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ: «مَهْلاً يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ». ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.

 

فاللهمَّ إنَّا نَسألُكَ العفوَ والعافِيةَ في الدِّينِ والدُّنيا ولآخِرَةَ، أَقُولُ مَا سَمِعتُم وَأَستَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنْبٍّ فَاستَغْفِرُوهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحَمدُ لِلهِ القَوِيِّ العَظِيمِ، الرَّءوفِ الرَّحِيمِ، يَقضِي بِالحَقِّ وَيَحكُمُ بِالعَدْلِ وَهُو الحَكِيمُ العَلِيمُ، نَشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً نَرْجُوا بِها النَّجَاةَ مِن العَذَابِ الأَلِيمِ، والفَوزَ بَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، وَنَشهدُ أنَّ مُحمَّدا عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ بَعَثَهُ اللهُ رَحمَةَ لِلعَالَمِينَ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَليهِ وَعلَى آلِهِ وأَصحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهم عَلى صِراطٍ مُستَقِيمٍ.

 

أمَّا بَعدُ. فَاتَّقُوا اللهَ يا مُسلِمُونَ، وَعَظِّمُوا أَمْرَ اللهِ وَشَرْعَهُ واشْكُرُوهُ على هَذَا الدِّينِ القَوِيمِ والصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، واحَمَدوا اللهَ على وَجْهِ الخُصُوصِ على ما تَنعَمُ بِهِ بِلادُنا بِحمْدِ اللهِ مِنْ أمْنٍ في الأَوْطَانِ وَرَغَدٍ في الأرزاقِ ومَا ذاكَ إلاَّ بِفضْلِ تَمَسُّكِنا بِشَرِيعَةِ اللهِ وَتَطبيقِ حُدُودِهِ. فَإقامَةُ حَدِّ القَصَاصِ والحِرابَةِ على عَدَدٍ مِن المُعتَدينَ مَطْلَعِ الأسبُوعِ الماضي لَهُو خَبَرٌ يُفْرِحُ المُؤمِنِينَ ليسَ تَشَهِّيَاً لِلدِّماءِ وَلَكِنْ فَرَحاً بِإقامَةِ شَرْعِ اللهِ تَعَالى واللهُ تَعالى يَقُولُ : (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) [النور: 2].

 

فَلا تَجُوزُ الرَّحمَةُ بِهِم بَلْ يَجِبُ الفَرَحُ بِإِقَامَةِ الحَدِّ عليهم؛ ولا يَلزَمُ مِنْ ذلكَ سَبُّهُم والتَّشَفي مِنْهِم.

 

فَمَصلَحَةُ المُجتَمَعِ وَحِمَايَةُ الدِّينِ، واسْتِتْبَابُ الأَمْنِ مُقَدَّمٌ على كُلِّ اعتِبارٍ! ولَقَدْ هَيَّأ اللهُ لِدِينِهِ مَنْ يَنْصُرُهُ وَلِشَرْعِهِ مَنْ يَحكُمُهُ وَيُطَبِّقُهُ فَامْتَنَّ على بِلادِ الحَرَمَينِ أنْ جَعَلُوا القُرَآنَ دُستُورَهُم وَهَدْيِ النَّبِيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- نِبْرَاسَهم فَهَيَّأ وُلاةً  أَخَذُوا الأَمْرَ بِقُوَّةٍ وَحَزْمٍ وأَقَامُوا شَرْعَ اللهِ في فِئَةٍ اعتَدَتْ وضَلَّتْ وَبَغَتْ فَأقَامُوا شَرْعَ اللهِ فِيهم في وَقْتٍ فاقَ كُلَّ التَّوَقُّعَاتِ رغْمَ الضُّغوطِ الخَارِجِيَّةِ والحُرُوبِ المُحيطَةِ إلاَّ أنَّ ذلكَ لَمْ يَمْنعْهُم مِنْ إقامَةِ شَرْعِ اللهِ بِكُلِّ حزْمٍ وَعَزْمٍ!

 

وفي حَدِيثٍ حَسَنٍ أنَّ النَّبِيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- قالَ: "وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ".

 

وَسُبَحَانَ اللهِ : صِنْفٌ مِن النَّاسِ غَلِيظٌ قَاسٍ لا يَكفِيهِ تَوجِيهٌ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِ مَوَعِظَةٌ، فَلا يَرْدَعُهُ إلَّا عُقُوبَةٌ زَاجِرَةٌ، وَيَدٌ حَازِمَةٌ عَازِمَةٌ صَارِمَةٌ، لِذَا كَانَ لابُدَّ مِنْ سَوْطِ السُّلطَانِ مَعَ زَوَاجِرِ القُرآنِ، وفِي الأَثَرِ: "إنَّ اللهَ لَيَزَعُ بِالسُّلطَانِ مَا لا يَزَعُ بِالقُرَآنِ". وَصَدَقَ اللهُ تَعَالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة: 33].

 

 فَهَذا حُكْمُ اللهِ: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50]. فَأَمنُ النَّاسِ وَدِمَاؤُهم وأموالُهُم وأعرَاضُهُمْ مَصُونَةٌ مَحفُوظَةٌ، كَمَا أَعَلَنَهَا رَسُولُنا -صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- في أَعْظَمِ جَمْعٍ وأفضَلِ البِقَاعِ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا".

 

عِبَادَ اللهِ: خَيْرُ الْهُدَي هُدَيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ. وَيَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ في النَّارِ، فَالزَمُوا جَمَاعَةَ المُسلِمينَ وَكُونُوا إخْوَةً مُؤمِنينَ مُتَحَابِينَ مُتَعَاوِنِينَ. (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: 105].

 

وَرَحِمَ اللهُ ابْنَ المُبَارَكِ إذْ يَقُولُ:

إِنَّ الجَمَـاعَةَ حَبْـلُ اللهِ فَاعْتَصِمُوا *** مِنْهُ بِعُرْوَتِـهِ الْوُثْقَى لِمَنْ دَانَا

كَمْ يَدْفَـعِ اللهُ بِالسُّلْطَانِ معضلَـةً *** في دِينِنَـا رَحْمَةً مِنْهُ وَدُنْيَانَـا

لَوْلاَ الأئِمَّةُ لَمْ تَأْمَنْ لَنَـا سُبُــلٌ *** وَكَـانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لأَقْوَانَـا

 

 (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبيَّنا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمةِ المهديين، أبي بكرَ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

 

 اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مستقرا وسائر بلاد المسلمين عامةً يا ربَّ العالمين. اللَّهُمَّ احم بلادنا من كل عدو وكافر وملحد وزنديق ومن كل منافق وشرير، اللهم احم هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين من كيد الكفار وشر الأشرار وعذاب النار يا حي يا قيوم يا سميع الدعاء.

 

اللَّهُمَّ أصلح ولاة أمورنا اللهم اجعلهم هداة مهتدين، اللهم أصلح شأنهم اللهم اجمع كلمتهم على الحق وأيدهم بنصرك وتوفيقك وحمايتك يا رب العالمين، اللهم أعنهم على الحق، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم إنك على كل شيء قدير. (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

 

عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [النحل: 90- 91]. فاذكروا الله يذكركم، واشكُروه على نعمه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

 

 

المرفقات

يا مؤمنون بالحدود

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات