عناصر الخطبة
1/بيان بعض فضائل شهر رمضان 2/الحث على اغتنام شهر الرحمات 3/وجوب الحرص على قبول العمل 4/من علامات قبول العملاقتباس
راقِبوا اللهَ في أعمالِكم؛ فإنَّ اللهَ لا يَنظرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أجسامِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم. ورُبَّ صائمٍ ليس له من صيامِه إلَّا العطشُ والجوعُ والنصَب، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامِه إلَّا السهرُ والتعب...
الخطبة الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ؛ نحمدُه ونستعينُه، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَنْ يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلِل فلا هاديَ له. أشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه؛ بلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمةَ، وجاهَدَ في اللهِ حقَّ الجهادِ حتَّى أتاه اليقينُ. صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه، ومَنْ تبعَهم بإحسانٍ وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعدُ: فإن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ نبيِّنا محمد بن عبد الله، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ بِدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
عبادَ اللهِ: أوصيكم بتقوى الله -عز وجل-؛ فهي وصيةُ اللهِ للأولينَ والآخرينَ: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النساء: 131].
ثم اعلموا أن طاعةَ الله خيرُ مغنَمٍ ومكسب، ورضاه خيرُ ربحٍ ومطلب. والجنةُ حُفَّت بالمكارِه، وحُفَّت النارُ بالشهوات؛ (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)[آل عمران: 185].
معاشرَ المسلمينَ: إنَّ اللهَ قد أكرمَكم ببلوغِ هذا الشهرِ المباركِ؛ وهو فرصةٌ عظيمةٌ لمن يريدُ أن يتدارَك، وميدانٌ للسعيِ إلى التوبة قبلَ انقضاء الأعمارِ وفواتِ الأوانِ. فاللهَ اللهَ في رمضان؛ عظِّموه حقَّ تعظيمه، وصوموه حقَّ صيامه، وصونوه عن كل ما يُنقِص أجرَه، واغتنِموا ساعاتِه ولياليَه.
عبادَ اللهِ: رمضان شهرٌ كريمٌ، وموسمٌ عظيمٌ. ينفحُ بالبركات والعطاء، ويعُمُّ بالخير والسخاء. يتنافسُ الناسُ فيه في الخير، ويتسابقون إلى الطاعة. أبوابُ الرحمةِ فيه مفتوحةٌ، والأجرُ فيه مُضاعفٌ. رمضانُ شهرُ عبادةٍ وتوبةٍ، شهرُ تقرُّبٍ وأَوْبَةٍ، شهرُ جدٍّ واجتهادٍ ومُثابَرةٍ وجهادٍ للنفس. رمضانُ شهرُ توبةٍ ورجوع، وإخلاصٍ وخشوع، وسجودٍ وركوع؛ شهرُ صيامٍ وقيام، شهرُ برٍّ وإحسان وتلاوةٍ للقرآن.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُبشرُ أصحابَه بمقدمه فيقول: "أتاكم رمضانُ شهرٌ مباركٌ، فرضَ اللهُ -عز وجل- عليكم صيامَه، تُفتحُ فيه أبوابُ الجنة، وتُغلَقُ فيه أبوابُ الجحيم، وتُغلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ. لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، مَنْ حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم"(رواه النَّسائيُّ وأحمد).
معاشرَ الصائمينَ: إنَّكم في أيامٍ عظيمة، وأوقاتٍ فاضلة، فلا تُضيِّعوها، بل اغتنِمُوها فيما يُقرِّبُكم إلى الله. اغتنِمُوها في الفرائض والسنن والنوافل، في الصلاة والصيام وقراءة القرآن، في الذكر والتسبيح والتهليل والصلاة والسلام على رسول الله. اغتنِمُوها في التوبة والاستغفار، في الدعاء والابتهال والتضرُّع إلى الله الواحد القهَّار. اغتنِمُوها في الصدقات وإطعام المساكين وإفطار الصائمين، اغتنِمُوها في صلة الرحم وأعمال البِرّ.
عبادَ اللهِ: طرقُ الخيراتِ كثيرة، وأبوابُها مفتوحة؛ فخذوا -عبادَ اللهِ- من كل طاعةٍ بنصيب. واقدُروا هذا الشهرَ حقَّ قدرِه، وعظِّموه كما عظَّمه اللهُ واحترِموه، واستغلُّوه بطاعةِ اللهِ -عز وجل-. واحذَروا أن يمرَّ عليكم منه وقتٌ لا يُكتَبُ لكم فيه أجرٌ، ولا يُرفعُ لكم فيه ذِكرٌ. وإيَّاكم والغفلة؛ فإنَّها مصيبةٌ تفوِّتُ على الإنسانِ مواسمَ الخير، وتضيِّعُ عُمرَه، وتُبدِّدُ وقتَه، وتُهدِرُ طاقتَه، وتُميتُ قلبَه، وتحجُبُ عنه كلَّ خيرٍ مرغوب، وتمنعُه من كلّ مطلوب.
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزولُ قدمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن عمرِه فيما أفناهُ، وعن شبابِه فيما أبلاهُ"(رواه الترمذي).
فسارِعوا -رحمكم الله- إلى الطاعات، واستبِقوا الخيراتِ، وبادِروا بالقُرُباتِ قبلَ أن يُطوَى بساطُ العمل. فلا يدري أحدُكم هل ستتكرَّر له الفرصةُ في رمضان قادم؟ وهل في العُمر من فُسحَة؟ فبادِروا بالأعمال وليكن لسانُ الحال: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)[طه: 84]. "فَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ شِبْرًا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ ذِرَاعًا تَقَرَّبَ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَاهُ يَمْشِي أَتَى إِلَيْهِ هَرْوَلَةً".
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[الْحَدِيدِ: 21].
بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعَني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذِّكْر الحكيم. أقولُ ما تسمعون، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم من كل ذنبٍ؛ فاستغفِروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ الذي هدانا للإيمان، وبلَّغنا بفضلِه شهرَ رمضان، وآنسَ بطاعته وذِكْره وحشةَ القلب والجَنان، وفضَّل بعضَ الأزمان والأوقات، وخصَّها بأنواع القُرَب والطاعات. أشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا وتبجيلًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وكفى به إمامًا ودليلًا؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أيُّها الناسُ: الأعمالُ الصالحةُ هي وسيلةٌ للتقرُّب إلى الله؛ فاحرِصوا على قَبولها كحرصِكم على أدائِها. فكم مِنْ عملٍ قد ضاعَ سُدًى، وكم من جُهدٍ ذهبَ هباءً؛ وَ(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)[المائدة: 27].
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)[الْمُؤْمِنَونَ: 60]؛ قالت: أهم الذين يشربون الخمرَ ويسرِقون؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يا ابنةَ الصديق؛ ولكنَّهم الذين يصومون ويُصلُّون ويتصدَّقون وهم يخافون أن لا تُقبَلَ منهم"(رواه الترمذي).
وقبولُ العمل -عبادَ اللهِ- إنما يكونُ بحُسن أدائِه وباتباع السُّنَّة. فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ عملَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ"(رواه مسلم).
فراقِبوا اللهَ في أعمالِكم؛ فإنَّ اللهَ لا يَنظرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أجسامِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم. ورُبَّ صائمٍ ليس له من صيامِه إلَّا العطشُ والجوعُ والنصَب، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامِه إلَّا السهرُ والتعب.
عبادَ اللهِ: إنَّ من علامات قَبول الأعمال تغيُّرَ الأحوال إلى أحسن حال، والاستقامةَ على صالح الأعمال، والتوبةَ إلى الله -عز وجل-. فأَرُوا اللهَ من أنفسِكم خيرًا، وأقرِضوا الله قرضًا حسنًا؛ (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[الْمُزَّمِّلِ: 20].
اللهمَّ وفِّقنا لما تحبُّ وترضَى، وتقبَّل منا الأعمال. واجعلنا من الذين يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه؛ أولئك الذين هدَاهم الله وأولئك هم أولو الألباب. اللهمَّ استعمِلْنا في طاعتِكَ، ووفِّقنا لاستغلال الأوقات في عبادتِكَ، وبارِكْ لنا في العُمر، ومتِّعْنا بالصحة والعافية يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنَّا. اللهمَّ اغفِرْ ذنوبَنا وزلَّاتِنا، واستُر عيوبَنا وعوراتِنا، وفرِّجْ همومَنا ونفِّسْ كُروبَنا، واكلَأنا بحفظِك ورعايتِك يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنْه في قلوبِنا، وكرِّهْ إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهمَّ يا مُقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينِك. اللهمَّ يا مُصرِّفَ القلوب صرِّف قلوبَنا إلى طاعتِك؛ (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)[آلِ عِمْرَانَ: 8].
اللهمَّ اغفِر لنا ولوالِدِينا وللمؤمنينَ والمؤمناتِ. اللهمَّ اشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، وارحَمْ موتانا يا أرحم الراحمين.
اللهمَّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وانصُر عبادَكَ الموحِّدين. واجعل اللهمَّ هذا البلد آمِنًا مطمئنًّا وسائرَ بلاد المسلمينَ.
اللهمَّ آمِنَّا في أوطاننا وأصلِحْ أئمَّتنا وولاةَ أمورنا. اللهمَّ وفِّق وليَّ أمرِنا خادمَ الحرمينِ الشريفينِ بتوفيقِكَ، وأيِّدْهُ بتأييدِكَ، وأعِزَّ به دينَكَ. اللهمَّ وفِّقْهُ ووليَّ عهدِه لما تحبُّ وترضَى يا سميعَ الدعاء؛ (رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201]. اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبِه أجمعينَ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم