اعترفوا بذنوبهم

عبد الله اليابس

2021-10-08 - 1443/03/02 2021-10-20 - 1443/03/14
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/صدق المتخلفين من المؤمنين في غزوة تبوك 2/أهمية الاعتراف بالذنب 3/من أقوال السلف عن الاعتراف بالذنب 4/آثار عدم الاعتراف بالذنب 5/خطورة تتبع رخص العلماء

اقتباس

يَغْتَابُ النَّاسَ فَإِذَا نَصَحْتَهَ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا الحَقَّ، يَأْكُلُ الرِّشْوَةَ وَيُسَمْيهَا أَتعَابًا وَهَدَايَا، يَتْرُكُ صَلَاةَ الجَمَاعَةِ وَيَتَذَرَّعُ بِالخَوْفِ مِنْ كُورُونَا, مَعَ أَنَّهُ يَذْهَبُ لِلْدَوَامِ كُلَّ يَوْمٍ، يَتَعَاطَى الرِّبَا وَيُسَمِّيْهَ فَوَائِدَ، وَيَجْتَمِعُ فِيْهِ الشَّرُّ وَلَمْ يَعْتَرِفْ يَوْمًا بِذَنْبِهِ...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحَمْدُ للهِ تَقَدَّسَ ذَاتًا وَصَفَاتً وَجَمَالاً، وَعَزَّ عَظَمَةً وَعُلُوًّا وَجَلَالَاً، وَتَعَالَى مَجْدًا وَرِفْعَةً وَكَمَالَاً.

 

لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا طَيِّبًا وَمُبَارَكًا *** لَكَ الحَمْدُ مَوْلَانَا عَلَيكَ الـمُعَوَّلُ

لَكَ الحَمْدُ أَعْلَى الحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَالثَّنَا *** أَعَزُّ وَأَزْكَى مَا يَكُونُ وَأَفْضَلُ

 

وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَعْنُو لَهَا القُلُوبُ خُضُوعًا وَاِمْتِثَالَاً، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا وَسَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه, خَيْرُ مَنْ عَظَّمَ اللهَ أَقْوَالاً وَفِعَالَاً، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأُلَى دَامَ فِيهِمْ الفَضْلُ هَطَّالاً، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مُبَارَكًا سَلْسَالَاً.

 

أما بعد: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[الحشر: 18].

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: لَمَّا كَانَ الـمُسْلِمُونَ يَسْتَعِدُّونَ لِغَزْوَةِ تَبُوكٍ, كَانَ الجَوُّ شَدِيْدَ الحَرَارَةِ، وَكَانَ مَوْسِمَ جَنْيِ الرُّطَبِ، وَلَحِقَتْ بِالـمُسْلِمِيْنَ فَاَقَةٌ شَدِيْدَةٌ؛ وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ اللهُ -تَعَالَى- بِجَيْشِ العُسْرَةِ، تَخَلَّفَ الـمُنَافِقُونَ عَنِ اللَّحَاقِ بِرَكْبِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالصَّحَابَةِ، وَكَانَ هُنَاكَ طَائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِينَ أَيْضًا تَخَلَّفَتْ عَنِ الغَزْوِ؛ ثَبَطَّهُمُ الشَّيْطَانُ، وَجَرَّهُمُ التَسْوِيفُ، حَتَّى فَاتَهُمُ الرَّكْبُ.

 

ولَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مِنَ الغَزْوِ جَاءَهُ الـمُنَافِقُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَتَذَرَّعُونَ بِالأَعْذَارِ الكَاذِبَةِ، أَمَّا الـمُؤْمِنُونَ الصَادِقُونَ فَقَدْ عَضُّوا أَصَابِعَ النَّدَمِ عَلَى تَقْصِيْرِهِمْ، وَلَمْ يَجِدُوا عُذْرًا يُبْدُونَهُ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَوْحَى اللهُ -تَعَالَى- إِلَى رَسُولِهُ خَبَرَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ، فَأَمَّا الـمُنَافِقُونَ فَأَنْزَلَ فِيْهِمْ آيَاتٍ فِي سُورَةِ التَوْبَةٍ تَصِفُ حَالَهُمْ وَصْفًا دَقِيْقًا، وَأَمَّا التَّائِبُونَ النَّادِمُونَ فَقَالَ اللهُ -تَعَالَى- عَنْهُمْ بَعْدَ آيَاتِ الـمُنَافِقِيْنَ: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[التوبة: 102 - 104].

 

كُلُّناَ ذَاكَ الرَّجُلَ الذِي خَلَطَ عَمَلَاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، نَعْمَلُ حَسَنَةً وَاحِدَةً، وَنُتْبِعُهَا بِسَيِّئَاتٍ، وَالـمَلَكَ الـمُوكَلُ بِالكِتَابَةِ يَكْتُبُ:

 

نُرَقِّعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيقِ دِينِنَا *** فَلَا دِينُنَا يَبْقَى وَلَا مَا نُرَقِّعُ

فَطُوبَى لِعَبْدٍ آثَرَ اللهَ رَبَّهُ *** وَجَادَ بِدُنْيَاهُ لِمَا يَتوَقّعُ

 

نَعَمْ, خَلَطْنَا عَمَلاً صَالِحَاً وَآخَرَ سَيِّئًا, لَكِنَّ السُؤَالَ: هَلْ نَحْنُ مِمَّنْ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِم؟.

 

الاِعْتِرَافُ بِالذَّنْبِ وَالإقْرَارُ بِهِ أَوَّلُ دَرَجَاتِ التَّوْبَةِ، وَهُوَ ثَمَرَةُ الـمُحَاسَبَةِ، وَمَنْ لَا يَعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ لَا يَتُوبُ مِنْهُ.

 

يَغْتَابُ النَّاسَ فَإِذَا نَصَحْتَهَ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا الحَقَّ، يَأْكُلُ الرِّشْوَةَ وَيُسَمْيهَا أَتعَابًا وَهَدَايَا، يَتْرُكُ صَلَاةَ الجَمَاعَةِ وَيَتَذَرَّعُ بِالخَوْفِ مِنْ كُورُونَا, مَعَ أَنَّهُ يَذْهَبُ لِلْدَوَامِ كُلَّ يَوْمٍ، يَتَعَاطَى الرِّبَا وَيُسَمِّيْهَ فَوَائِدَ، وَيَجْتَمِعُ فِيْهِ الشَّرُّ وَلَمْ يَعْتَرِفْ يَوْمًا بِذَنْبِهِ!, رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيْحِهِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا اِعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ؛ تَابَ اللهُ عَلَيهِ".

 

إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ تَوْفِيقِ اللهِ لِعَبْدِهِ أَنْ يُبْصِرَ عُيُوبَ نَفْسِهِ، وَيَعْرِفَ زَلَّاتِهِ وَذُنُوبِهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا جَعَلَ فِيْهِ ثَلَاثَ خِصَالٍ: فِقْهًا فِي الدِّيْنِ، وَزَهَادَةً فِي الدُّنْيَا، وَبَصَرًا بِعُيُوبِهِ".

 

كَانَ السَلَفُ -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- يَحْرِصُونَ أَشَدَّ الحِرْصِ عَلَى مُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَالتَعَرُّفِ عَلَى ذُنُوبِهِمْ وَالاِعْتِرَافِ بِهَا، قَالَ اِبنُ سِيْرِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: "إِنِّي لَأَعْرِفُ الذَّنْبُ الذِي حُمِلَ بِهِ عَلَيَّ الدَّيْنُ مَا هُوَ، قُلْتُ: لِرَجُلٍ مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً: يَا مُفْلِسُ", قَالَ أَبُو سُلَيْمَانُ الدَارَانِيُّ: "قَلَّتْ ذُنُوبُهُمْ، فَعَرَفُوا مِنْ أَيْنَ يُؤتَونَ؟، وَكَثُرَتْ ذُنُوبِي وَذُنُوبُكَ, فَلَيْسَ نَدْرِي مِنْ أَيْنَ نُؤتَى؟", وَقَالَ مَيْمُونُ بنُ مَهْرَانَ: "لَا يَكُونُ الرَّجُلُ تَقِيَّاً حَتَّى يَكُونَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ مُحَاسَبَةً مِنَ الشَرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَحَتَّى يَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ مَلْبَسُهُ وَمَطْعَمُهُ وَمَشْرَبُهُ؟".

 

مِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ وَيَحُزُّ فِي الخَاطِرِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ الخَيِّريِنَ يَتَسَاهَلُ فِي اِرْتِكاَبِ بَعْضِ الـمَعَاصِي؛ بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ مُلْتَزِمًا، فَيَحْلِقُ لِحْيَتَهُ وَيُسْبِلُ ثَوْبَهُ وَيَسْتَمِعُ إِلَى الـمَعَازِفِ، وَيَنْظُرُ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ؛ بِحُجَّةِ أَنَّهُ شَخْصٌ عَادِيٌ، وَلَيْسَ مُلْتَزِمًا بِالدِّيْنِ!.

 

مَنْ كَانَ هَذَا مَبْدَؤُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَنْبِهِ، نَعَمَ, خَلَطَ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا, لَكِنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ: (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ)[التوبة: 102].

 

فِعْلُكَ لِمَعْصِيَةٍ صَغِيْرَةٍ لَا يُسَوِّغُ لَكَ اِرْتِكَابَ جَمِيْعِ الصَغَائِرِ، وَالاِسْتِمْرَارُ عَلَى الصَّغِيْرَةِ دُونَ تَوْبَةٍ يُصَيِّرُهَا إِلَى كَبِيرَةٍ, كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ العِلْمِ.

 

لَيْسَ العَيْبُ فِي اِرْتِكَابِ الـمَعْصِيَةِ فَقَط، وَلَكِنَّ العَيْبَ الأَكْبَرَ فِي عَدَمِ إِدْرَاكِ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَسْتَمِرُّ عَلَى هَذِهِ الـمَعْصِيَة، دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا.

 

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[التوبة: 102 - 104].

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الآيات وَالذِّكْرَ الْحَكِيمَ، قَدْ قُلْتُ مَا سَمِعْتُم, وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إحْسَانِهِ, وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَاِمْتِنَانِهِ, وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الداعي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ وَسُلَّمُ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَإِخْوَانِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاِقْتَفَى أثَرَهُ وَاِسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119].

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَكَمَا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَمْ يَعْتَرِفُواَ بِذُنُوبِهِم تَجَاهُلاً وَنِسْيَانًا، فَإِنَّا طَائِفَةً أَصْبَحَتْ تَتَبَّعُ فَتَاوَى العُلَمَاءِ، وَتَبْحَثُ عَنِ الرُّخَصِ؛ لِتَعْمَلَ الذَنْبَ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ بِتَأْنِيبِ الضَمِيرِ، وَإِذَا نُوصِحَ قَالَ: الشَيْخُ فُلَانٌ أَفْتَى بِذَلِكَ!, قَالَ سُلَيْمَانُ التَيْمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: "لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اِجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ", وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ القَاضي -رَحِمَهُ اللهُ-: "دَخَلْتُ مَرَّةً عَلَى الـمُعْتَضِدِ، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا فَنَظَرْتُ فِيهِ، فَإِذَا قَدْ جُمِعَ لَهُ فِيهِ الرُّخَصُ مِنْ زَلَلِ العُلَمَاءِ، فَقُلْتُ: مُصَنِّفُ هَذَا زِنْدِيقٌ، فَقَالَ: أَلَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الأَحَادِيثُ؟ قُلْتُ: بَلَى؛ وَلَكِنَّ مَنْ أَبَاحَ الـمُسْكِرَ لَمْ يُبِحِ الـمُتْعَةَ، وَمَنْ أَبَاحَ الـمُتْعَةَ لَمْ يُبِحِ الغِنَاءَ، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا وَلَهُ زَلَّةٌ، وَمَنْ أَخَذَ بِكُلِّ زَلَلِ العُلَمَاءِ ذَهَبَ دِينُهُ, قَالَ: فَأَمَرَ بِالكِتَابِ فَأُحْرِقَ".

 

لَقَدْ فَطِنَ لِذَلِكَ أَعْدَاءُ الدِّيْنِ وَمَنْ لَا يُرِيْدُ بِالـمُسْلِمِيْنَ خَيرًا، فَحَرِصُوا عَلَى بَثِّ الفَتَاوَى التِي تُرَقِّقُ دِيْنَ النَّاسِ، وَتُمَيِّعَ لَهُمْ الدِّيْنَ، وَاِنْجَرَّ خَلْفَهُمْ أُناسٌ عَنْ هَوىً أوْ جَهْلٍ.

 

إِنَّ اللهَ سَائِلُكَ أَنْتَ عَنْ دِيْنِكَ، وَسَيُحَاسِبُكَ وَحْدَكَ، وَلَنْ يَنْفَعَكَ غَدَاً مَنْ تَذَرَّعْتَ بِرُخْصَتِهِ اليَوْمَ، وَتَذَكَّرْ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ, فَقَالَ: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ".

 

إِنَّنَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الذِي تَمُورُ فِيهِ الفِتَنُ حَوْلَنَا نَحْتَاجُ إِلَى القُرْبِ مِنَ اللهِ، نَحْتَاجُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللهِ -تَعَالَى-، نَحْتَاجُ إِلَى الإِسْلَامِ الذِي كَانَ عَلَيهِ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -وَصَحْبُهُ، قَالَ اِبْنُ الـمُنْكَدِرِ: "كَابَدْتُ نَفْسِي أَرْبَعِينَ سَنَّةً حَتَّى اِسْتَقَامَتْ".

 

إِنَّ مَنْ يُرِيدُ الثَبَاتَ عَلَى هَذَا الدِّينِ فَيَجِبُ أَنْ يُسَلِّمَ لِأَوَامِرِ اللهِ، وَأَوَامِرِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَلَا يُقَدِّمَ عَلَيْهِمَا رَأْيَ أَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ.

 

اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى دِينِكَ حَتَى نَلْقَاكَ، وَخُذْ بِنَوَاصِينَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَوَفِّقْنَا لِلْحَقِّ وَدُلَّنَا عَلَيْهِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّلَاَةِ عَلَى نَبِيهِ مُحَمٍّدِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, وَجَعَلَ لِلصَّلَاَةِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَالْإكْثَارَ مِنْهَا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأيَّامِ، فَاللهَمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحبِهِ أَجَمْعَيْن.

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالـمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِرْكَ والـمُشْرِكِيْنَ، وَاِحْمِ حَوْزَةَ الدِّيْنِ، وَاِجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنَّاً وَسَائِرَ بِلَادِ الـمُسْلِمِيِنَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاِجْعَلْ وَلَايَتَناَ فِي مَنْ خَافَكَ وَاِتَّبَعَ رِضَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ, اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْمُسْلِميْنَ وَالـمُسْلِمَاتِ، وَالـمُؤْمِنيْنَ والـمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ؛ إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدَعَواتِ.

 

 عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللهَ يَأْمَرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وإيتاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ وَالْبَغِيِّ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَاِذكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذكُركُمْ، وَاُشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكرُ اللهُ أكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 

 

المرفقات

اعترفوا بذنوبهم.doc

اعترفوا بذنوبهم.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات