اعتبروا يا دعاة الضلالة من فرعون

أحمد شريف النعسان

2017-04-16 - 1438/07/19
التصنيفات: الإيمان
عناصر الخطبة
1/ الابتلاء سنة الحياة 2/ الابتلاء بالنعم 3/ رعاية الله وعنايته بالمؤمنين وبعض ذلك 4/ عظم مكر الكفار بالمسلمين 5/ تحذير دعاة الضلالة من مآل فرعون ونهايته

اقتباس

البعض باع دينه بعرض من الدنيا قليل بسببه, مع العلم أنه نعمة, ولكن العبد حوَّله إلى نقمة والعياذ بالله -تعالى-, البعض لم يثبت أمام صورة خليعة, لم يثبت أمام رسالة فاجرة فانزلقت...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: يقول الله -تعالى-: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) [العنكبوت: 1- 2].

 

كلُّنا يعلم هذه الآية ويحفظها, وكلُّنا يذكر حديث سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءَ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [رواه الإمام أحمد عن أبي عبيدة -رضي الله عنه-].

 

وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ, وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ, وَمَا يَزَالُ البَلاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" [رواه الإمام أحمد عن مصعب بن سعد -رضي الله عنه-].

 

فيا أيها المؤمن: أنت في هذه الحياة الدنيا مبتلى ومختبر, فلا تغفل عن هذه الحقيقة, ولقد بيَّن الله -عز وجل- الغاية من هذا الابتلاء والفتنة فقال: (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت: 3].

 

وقال: (لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [الأنفال: 37].

 

فبالابتلاء يُظهر الله -تعالى- به صدق إيمان المؤمن, ليكون حجةً على غيره، ويكون قدوةً صالحةً للناس جميعاً.

 

أيها الإخوة الكرام: يجب علينا أن نعلم بأن النعمة ابتلاء واختبار لك, فهل تشكر الله من خلال النعمة, أم يكفر العبد بالنعمة فيستخدمها في معصية الله -عز وجل-؛ كما قال تعالى في قصة سيدنا سليمان -عليه السلام-, عندما رأى سيدُنا سليمان -عليه السلام- عرشَ بلقيس أمامه قال: (هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل: 40].

 

ولقد قلت لكم في الأسبوعين الماضيين بأن نعمة الهاتف الجوال من أعظم نعم الله -تعالى- على العبد إذا استخدمها في طاعة الله, ولكن وبكلِّ أسف صار نقمةً على بعض الشباب والشابات، بحيث انحرفوا عن جادة الصواب، وانتُهِكت الأعراض, وفسدت العلاقة بين الأزواج, وخانَ الرجل زوجته, وخانت الزوجة زوجها إلا من رحم الله -تعالى-, وما ذاك إلا من خلال صور ورسائل ومقاطع فيديو.

 

البعض باع دينه بعرض من الدنيا قليل بسببه, مع العلم أنه نعمة, ولكن العبد حوَّله إلى نقمة والعياذ بالله -تعالى-, البعض لم يثبت أمام صورة خليعة, لم يثبت أمام رسالة فاجرة فانزلقت قدمه -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, ونسال الله -تعالى- أن يحفظنا والمسلمين جميعاً-.

 

يا عباد الله: استحضروا قول الله -عز وجل-: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى: 7].

 

واعلموا بأنَّ لكلِّ دارٍ أهلها, فاثبت على دينك في حياتك الدنيا, واعلم بأنَّك مُختَبَر, ولا تغترَّ بفسق الفاسقين ولا بفجور الفاجرين.

 

يا عباد الله: إذا كان أحدنا يتضايق من شدة الفتن والمحن والابتلاءات فليتذكر قول الله -تعالى-: (فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64].

 

وليتذكر قول الله -تعالى-: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 257].

 

وليتذكر قول الله -عز وجل-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: 11].

 

ومن كان الله -عز وجل- مولاه فهو الحافظ والناصر والمعين والمؤيد له, وهو الغالب وليس بمغلوب, وهو المحفوف بألطاف الله -عز وجل-, وهو الذي يتولى اللهُ -عز وجل- جوارحَه, يتولى سمعَه وبصرَه ويدَه ورجلَه, وجوارحَه الظاهرة والباطنة.

 

ومن أراد هذه الولاية والعناية من الله -تعالى-، فليسمع قول سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "احْفَظْ الله يَحْفَظْكَ, احْفَظْ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ, وَإِذَا سَأَلْتَ فَلْتَسْأَلْ الله, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله" [رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-].

 

فمن حفظ جوارحه كما أمر الله -تعالى- فإن الله -تعالى- يحفظه من نار الفتن الظاهرة والباطنة, مهما كادَ له الفُسَّاق والفُجَّار والمنافقون, ومهما حاول المنافقون فِتنته فالله حافظٌ له, وصدق الله القائل: (فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64] ووعدُ الله -تعالى- لا يخلف.

 

أيها الإخوة المؤمنون: لقد أعطانا الله تبارك و-تعالى- في القرآن الكريم نماذجَ عن صور حفظه وعنايته بأوليائه وأحبابه, جسَّد لنا في القرآن العظيم حقيقة قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: 11].

 

وجسَّد حقيقة قول سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "احفظ الله يحفظك".

 

من هذه النماذج: أولاً: عناية الله -تعالى- بسيدنا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-:

 

اسمع -يا عبدَ الله المُبْتَلى- إذا أردت أن يحفظك الله -تعالى- من الفتن والابتلاءات, هذا سيدنا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- يدعو قومه إلى الله -تعالى-, وأقام عليهم الحجة حتى نكسوا رؤوسهم أمام حُجَجِه, ولكنَّ الكفر والعناد دفعهم لارتكاب جريمة في حقِّ سيدنا إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم- فقالوا كما أخبرنا الله -عز وجل- عنهم: (قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُون * قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيم * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُون * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُون * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَء يَنطِقُون * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُم * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 68 - 59].

 

هكذا قالوا انتصاراً لآلهتهم, ولكن الله -تعالى- يحفظ من حفظ حدوده, فجاء الردُّ عليهم من الله -تعالى-: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) [الأنبياء: 69 - 70] فأيُّ القولين سيكون النافذ؟

 

لا شكَّ ولا ريب بأنَّ صاحب المشيئة العليا قوله هو النافذ؛ لأنه هو القائل: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير: 29].

 

لا شكَّ ولا ريب بأنَّ الذي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء قوله هو النافذ, وهذا ما أكَّده سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ, وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ, رُفِعَتْ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ" [رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-].

 

أما صارت النار برداً وسلاماً على سيدنا إبراهيم -عليه السلام-؟ أما جعل الله -تعالى- كيدهم في ضلال؟

 

فيا عباد الله: اثبتوا أمام الفتن واحفظوا جوارحكم من المخالفات الشرعية: (فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64] -وربِّ الكعبة-، واحذروا من الابتعاد عن دين الله -تعالى-, واحذروا أن تنقادوا خلف الفتن والشهوات, فمن انقاد إليها وقع في حبائل الشيطان وخرج من النور إلى الظلمات؛ كما قال تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 257].

 

سيدنا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- نموذج من نماذج وعد الله الذي لا يخلف, وتحقيق لقول سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "احْفَظ الله يَحْفَظْكَ".

 

ثانياً: عناية الله -تعالى- لسيدنا موسى -عليه السلام-: -يا عباد الله-: الفتن كثيرة والابتلاءات عظيمة ولا ملجأ ولا منجى منها إلا بالله -تعالى-, فمن جعل ولايته لله -عز وجل- تولاه الله, وحفظه بما يحفظ به عباده الصالحين, ولنسمع إلى هذا النموذج من حفظ الله -تعالى- لأوليائه وأحبابه.

 

فرعون أصدر أمراً فرعونياً بأن يقتل الأبرياء من الأبناء من بني إسرائيل خوفاً على ملكه من الزوال, لأن سَحَرَته وكَهَنَته قالوا له: هلاكك وزوال ملكك على يد غلام من بني إسرائيل, وولد سيدنا موسى وخافت عليه أمه من هلاكه على يد فرعون, ولكن:

 

وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالمخاوف كلهنَّ أمانُ

 

لنسمع -أيها الإخوة- كيف تكون عناية الله -تعالى- بأحبابه, قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: 7].

 

نعم الآمر ضامن, هو الذي أمر بإلقائه في اليم, واليمُّ يُلقِيهِ بالساحل, ومن الساحل يأخذْه عدوٌّ لله وعدوٌّ له, أخذه فرعون وعرف أنه غلام من بني إسرائيل فأراد قتله, ولكن هيهات هيهات أن يجري في الدنيا أمر من غير مشيئة الله -عز وجل-, قال -تعالى- في حق سيدنا موسى -عليه السلام-: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طـه: 39].

 

عندما أمر فرعون بقتله قالت زوجته: (لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) [القصص: 9].

 

وصدق الله القائل: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طـه: 39].

 

وصدق الله القائل: (فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64].

 

أراد فرعون قتله فربَّاه الله -تعالى- في قصر فرعون, وجعل هلاك فرعون على يَدِ سيدنا موسى -عليه الصلاة والسلام-.

 

لا تخش الفتن ما دام الله موجوداً, وكنتَ ملتزماً شرع الله -عز وجل-, ملتزماً هدي الحبيب -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

 

أيها الإخوة الكرام: يا شباب هذه الأمة: كونوا على ثقةٍ بأنَّ الشرق والغرب وأذنابهم من المنافقين يكيدون لكم كيداً من أجل فتنتكم في دين الله -عز وجل-, وجعلوا السلاح ضدكم النساءَ السافرات المتبرجات, فأنتم ترون النساء المتبرجات في كل مكان, في الطرقات وفي الأسواق وفي الدوائر وفي المؤسسات, وعلى أجهزة الإعلام بأنواعها, وضيَّقوا عليكم أسباب الزواج فما أنتم فاعلون؟ هل تنزلق أقدامكم من خلال رسالةٍ أو صورةٍ أو مقطع فيديو تُرسَل إلى جوالاتكم؟ أم تعتصمون بالله -تعالى- وتطلبون منه الحفظ والعناية كما حفظ عباده الصالحين؟

 

تذكروا -يا شباب- حديث سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "احْفَظْ الله يَحْفَظْكَ".

 

فمن أراد الحفظ من الفتن الظاهرة والباطنة فليكن مع الله -تعالى- يحفظ حدوده وشريعته.

 

يا شباب: إذا اشتدَّت الفتن والمحن عليكم فازدادوا صبراً؛ لأنه كلما صبرتم زاد أجركم, وأما أصحاب الفتن فتزيد آثامهم وأوزارهم, كلما صبرتم زدتم قرباً من الله -عز وجل- وقرباً من الجنة, وهم ازدادوا بعداً عن الله -تعالى- وقرباً من وسط جهنم -والعياذ بالله تعالى-.

 

واجعلوا -يا شباب هذه الأمة- الفارق بينكم وبين دعاة الضلالة سكرات الموت, حيث تكونون ببركة الصبر عن المعاصي من أهل الولاية والعناية في عالم الدنيا, وتكونون عند سكرات الموت ضاحكين مستبشرين بإذن الله -تعالى-, وفي عالم البرزخ يكون قبركم روضة من رياض الجنة، وفي أرض المحشر تكونون في ظل عرش الرحمن, ثم في جنةٍ عرضها السموات الأرض أعدَّت للمتقين, مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

 

أما دعاة الفتنة أهل الفساد والإفساد فلا مولى لهم, فحياتهم في الدنيا حياةُ شقاءٍ وضنك -وربِّ الكعبة- ولا تغترُّوا بظواهرهم, وعند سكرات الموت سَيَسأَلون الرجعة, وأما في عالم البرزخ فقبرهم حفرةٌ من حُفَرِ النيران والعياذ بالله -تعالى-, وأما في أرض المحشر فتحت الشمس التي تدنو من الرؤوس بمقدار ميل, ثم إلى جهنم وبئس المصير حيث وقودها الناس والحجارة.

 

يا عباد الله: قولوا لدعاة الضلالة: يا دعاةَ الضلالة: اعتبروا من فرعون, حيث كان رأساً في الضلالة والإضلال, حيث قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات: 24].

 

وقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38].

 

وقال: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: 29].

 

وقال في حقه وحق قومه مولانا -عز وجل-: (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَد * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) [الفجر: 10 - 12].

 

قولوا لدعاة الضلالة الذين يريدون الفساد في الأرض: هذا الطاغية لقد أرسل إليكم رسالة عندما وقع سياق الموت, فهل تنبَّهتم لها؟ رسالته أرسلها إلى كلِّ طاغية من بعده, فقال عندما أدركه الغرق: (آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس: 90].

 

تذكروا -يا دعاة الضلالة- بأنَّ التوبة لا تنفع عندما يقع أحدكم في سكرات الموت, وذلك لقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء: 18].

 

يا دعاةَ الضلالة: اعلموا بأنَّ الطاغية فرعون عندما قال عند سكرات الموت: (آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِين) [يونس: 90] جاءه الردُّ صريحاً واضحاً: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس: 91]؟

 

يا أحباب سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-, يا شباب هذه الأمة: حياتنا قصيرة, وأيامنا في الحياة الدنيا معدودة, فطوبى لعبدٍ حفظ جوارحه من المعاصي حتى يحفظه الله -تعالى- من الفتن, وحتى يحفظه الله -تعالى- في عالم البرزخ, وحتى يحفظه الله -تعالى- في أرض المحشر, وحتى يُدخله الله -تعالى- الجنة.

 

أيها الإخوة: أقول لنفسي ولكلِّ واحد فيكم: لا تضيِّع حظك في الآخرة بشهوة ساعةٍ في الدنيا, فالشهوة المحرَّمة في الدنيا تذهب لذَّتها وتبقى مرارتها.

 

نسألك يا ربنا أن تحفظنا من جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن. آمين.

 

أقول هذا القول، وكل منا يستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

المرفقات

يا دعاة الضلالة من فرعون

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات