اسم الله البصير

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2019-07-02 - 1440/10/29
عناصر الخطبة
1/ تعريف اسم الله البصير 2/اسم الله البصير في القرآن والسنة 3/دلالات على اسم الله البصير4/الآثار الإيمانية المترتبة على معرفة اسم الله البصير 5/مواقف من حياة العارفين لاسم الله البصير.

اقتباس

ولعل من أكثر الأسماء التي غاب فقهها وعلمها عنهم اسم الله البصير، ذلك أنهم لو استحضروا رؤية الله لكل أفعالهم، ومشاهدته -جل وعلا- لحركاتهم وسكناتهم، وكلامهم وخواطرهم، وعلموا علم اليقين أنه مطلع عليهم، لما أقدموا على انتهاك حرماته، عافانا الله تعالى من ذلك...

الخطبة الأولى:

الحمد لله، نحمده ونستـعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

معاشر المؤمنين: لا أقبح من أن يجعل العبد ربه أهون الناظرين إليه؛ لأن في ذلك إساءة للأدب مع البصير السميع -سبحانه وتعالى- فلا ينفع من فعل ذلك ما قدمه من الطاعات واكتسبه من الحسنات؛ حيث يجعلها الله هباء منثورا، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله -عز وجل- هباء منثورا قال ثوبان: يا رسول الله, صفهم لنا جلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم, ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها" (ابن ماجه)؛ فهذا الحديث كما هو ظاهر يبين حال أناس عملوا كثيرا من الطاعات ثم أصبحت هباء منثورا، بسبب ما حملوه من جهل بأسماء الله -عز وجل- وصفاته، واغترارهم به -عز وجل-، وغفلتهم عن العمل بمقتضاها.

 

ولعل من أكثر الأسماء التي غاب فقهها وعلمها عنهم اسم الله البصير، ذلك أنهم لو استحضروا رؤية الله لكل أفعالهم، ومشاهدته -جل وعلا- لحركاتهم وسكناتهم، وكلامهم وخواطرهم، وعلموا علم اليقين أنه مطلع عليهم، لما أقدموا على انتهاك حرماته، عافانا الله تعالى من ذلك.

 

ولقد ورد اسم الله البصير في كثير من الآيات في كتاب الله الكريم, وأكثر ما ورد اسم الله البصير مقترنا باسم الله السميع, كقوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الإسراء:1]، وقوله: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج:75], ويردُ البصير ويراد به الخبير، أي الخبير بأحوالهم وأفعالهم, يعلم من يستحق الهداية ومن يستحق الغواية كما في قول الله تعالى: (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى: 27] وقوله: (وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) [الإسراء:17].

 

وجاء في مواضع من القرآن بصيغة تؤكد أن الله بصير بما تعملون, كما في قوله تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 110]، وجاء بصير بالعباد أربع مرات, كما في قوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 20], وجاء البصير مقترنا بالخبير خمس مرات كما في قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) [الإسراء: 30], وجاء مرة واحدة أنه تعالى بكل شيء بصير, في قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) [الملك: 19].

ووردت في السنة كثير من الأحاديث الدالة على ذلك، ومنها ما رواه أبو مُوسَى -رضي الله عنه- قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا, فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: " أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا -أَيْ اُرْفُقُوا- عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا" (البخاري). قَالَ اِبْن بَطَّال: "فِي هَذَا الْحَدِيث نَفْي الْآفَة الْمَانِعَة مِنْ السَّمْع وَالْآفَة الْمَانِعَة مِنْ النَّظَر, وَإِثْبَات كَوْنه سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا, يَسْتَلْزِم أَنْ لَا تَصِحّ أَضْدَاد هَذِهِ الصِّفَات عَلَيْهِ".

 

كما أن لاسم الله البصير العديد من الحقائق والدلائل التي تبرهن وتوضح المعنى الحقيقي لذلك الاسم، ومنها:

أولا: أن الله -تبارك وتعالى- هو البصير، الذي يبصر كل شيء صغيرا كان أو كبيرا، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران: 5، 6]، فهو -سبحانه- بصير بكل شيء من الأشياء والأقوال والأفعال، يبصر القريب والبعيد، والكبير والصغير، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ، ولا الحركات والسكنات: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [يونس: 61].

 

ثانيا: أن الله -سبحانه- خبير بعباده، وبأحوالهم وأفعالهم، عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، الذي يعلم المؤمن من الكافر، والبر من الفاجر: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [آل عمران: 163].

 

ثالثا: أن الله -سبحانه وتعالى- مالك أسماع الخلق وأبصارهم, وقد أمدنا بذلك بالمقدار الذي يصلح حالنا, ويمكننا من أداء الهدف من حياتنا: وقال جل شأنه: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78].

رابعا: إن الله هو البصير الذي ينظر للمؤمنين بكرمه ورحمته، ويمنُّ عليهم بنعمته وجنته، ويزيدهم كرما بلقائه ورؤيته، ولا ينظر إلى الكافرين إيقاعا لعقوبته، فهم مخلدون في العذاب محجوبون عن رؤيته، لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم.

 

اللهم اغفر لنا ما أسررنا وما أعلنا، وما قدمنا وما أخرنا، وما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.

 

قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،  أما بعد:

 

أيها المؤمنون: من خلال فهم المعنى العظيم لاسم الله البصير يستطيع الإنسان أن يكتسب الكثير من المعاني والآثار الإيمانية، المترتبة على ذلك الفهم، والتي تستقيم بها حياته، ومنها:

أولاً: إثبات صفة البصر له -جل شأنه-، لأنه وصَف نفسه بذلك وهو أعلم بنفسه، وذلك بلا تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وصفة العين صفة ذاتية حقيقية نؤمن بها تصديقا لخبر الله ولا نسأل عن الكيفية، فإن لله له عينان حقيقيتان تليقان بذاته -سبحانه-، قال تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام-: ( قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه:46].

 

ثانياً: الإيمان بأن الله -تبارك وتعالى- بصير بأحوال عباده, خبير بها, بصير بمن يستحق الهداية منهم ممن لا يستحقها، لذلك ختم الله -عز وجل- قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) بقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [ التغابن: 2]، أي: بصير بالصالح والطالح، والمؤمن والكافر، ويجزي كلاً بما يستحق.

 

ثالثاً: إذا علم العبد بأن ربه مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو على ما لا يحب.

 

رابعاً: مراعاة الإخلاص: فإنّ الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، فلا ينبغي أن يكون باطن العبد مخالفا لظاهره، وهذا أشدّ أنواع المجاهدة, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الإحسان: " أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَـرَاهُ، فَإنْ لَـمْ تَكُنْ تَـرَاهُ فَإنَّـهُ يَـرَاكَ" (البخاري).

 

خامساً: الدّعاء بهذا الاسم وبمقتضاه: فلا ينبغي للعبد وهو يعلم أنّ له ربّا سميعا بصيرا، عليما خبيرا، ثم يكفُّ عن دعاء الله والتضرع بين يديه, ومن أدب الدعاء أن لا يجهر بالذّكر والدّعاء إلاّ فيما جاء الدّليل على استحباب الجهر فيه. لقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أيها الناس ارْبعوا على أنفُسِكم فإنكم لا تَدْعونَ أصمَّ ولا غائباً، ولكنْ تدعون سميعاً بصيراً" (البخاري).

 

أيها المسلمون: ولقد كان الجيل الأول أكثر الناس فهما وفقها للآيات والأحاديث، وقد تشرَّبت قلوبهم بتلك المعاني العظيمة، وانطبعت قلوبهم بتلك الآثار الإيمانية الكبيرة لأسماء الله وصفاته، ومن الأمثلة على ذلك:

أن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- كان يتفقد المسلمين ليلا في سكك المدينة, فسمع عجوزاً تقول لابنتها: "امزجي اللبن بالماء", فقالت البنت: "أما علمت أن عمر نهى عن مزج اللبن بالماء"؟, فقالت العجوز في لحظة غفلة: "وأين عمر حتى يرانا؟!", فقالت البنت المؤمنة الموقنة بنظر الله -تعالى- إليهما: "إن كان عمر لا يرانا فربُّ عمر يرانا" ومن نسل هذه المؤمنة الصالحة كان نسمة عظيمة من أعلام الأمة، وهو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-، وصدق الله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) [آل عمران: 34].

 

ذكر ابن الجوزي في التبصرة بسنده , عن نَافِع مولى ابن عمر قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَعْضِ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ, وَمَعَهُ أَصْحَابٌ لَهُ فَوَضَعُوا سُفْرَةً لَهُمْ, فَمَرَّ بِهِمْ رَاعٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: "هَلُمَّ يَا رَاعِي فَأَصِبْ مِنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ" فَقَالَ: "إِنِّي صَائِمٌ". فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: "هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنَا شَاةً مِنْ غَنَمِكَ نَجْتَرِزُهَا نُطْعِمُكَ مِنْ لَحْمِهَا مَا تُفْطِرُ عَلَيْهِ وَنُعْطِيكَ ثَمَنَهَا؟" قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي إِنَّهَا لِمَوْلايَ". قَالَ: "فَمَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ لَكَ مَوْلاكَ إِنْ قُلْتَ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ؟", فَمَضَى الرَّاعِي وَهُوَ رَافِعٌ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: "فَأَيْنَ اللَّهُ؟"، قَالَ: فَلَمْ يَزَلِ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: "فَأَيْنَ اللَّهُ!". فَمَا عَدَا أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ إِلَى سَيِّدِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ الرَّاعِيَ وَالْغَنَمَ, فَأَعْتَقَ الرَّاعِيَ وَوَهَبَ لَهُ الْغَنَمَ.

 

وهناك الكثير من المواقف التي دوَّنها التأريخ، وسطرتها الأيام والليالي شاهدة على توفيق الله لعباد عرفوا الله حق المعرفة، فقدروه حق قدره، وعبدوه حق عبادته، فنالهم فضل منه في الدنيا، وإكرام لهم بما فعلوا في الدنيا بنعيم الآخرة، وذلك الذي ينبغي أن يكون عليه المرء المسلم في كل زمان ومكان، من المعرفة بالله واستشعار مراقبته له، وأنه مسؤول عما قاله وفعله واعتقده، وعما استعمل فيه جوارحه التي خلقها الله لعبادته, فيقوده ذلك إلى المسارعة في فعل الطاعات، وينال بذلك خيري الدنيا والآخرة.

 

اللهم اهدنا بهداك، وأكرمنا برضاك، ومتعنا بخير الدنيا ونعيم الآخرة، إنك جواد كريم.

 

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات