اسم الله الآخر

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2019-06-26 - 1440/10/23
عناصر الخطبة
1/من أسماء الله ما يدل على إحاطة -سبحانه- بالخلق 2/اسم الله "الآخر" المعنى والدليل 3/دلالات اسم الله "الآخر" 4/بقاء الله لازم لذاته -سبحانه- 5/ الآثار الإيمانية لحياة العبد في ظل آخرية الله.

اقتباس

فالآخر هو المتصف بالبقاء والآخرية فهو الآخر الباقي -سبحانه- بعد فناء خلقه, الدائم بلا نهاية، ليس بعده شيء, وهو الغاية والصمد الذي تصمد إليه المخلوقات بتألهها، ورغبتها، ورهبتها، وجميع مطالبها. قال ابن القيم: "فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر, وما من أول إلا والله قبله وما من آخر إلا والله بعده, فالأول قدمه والآخر دوامه وبقاؤه, فسبق كل شيء بأوليته, وبقي بعد كل شيء بآخريته...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

 

معاشر المؤمنين: إن من أسماء الله الحسنى ما يدل على إحاطته -سبحانه-بجميع المخلوقات؛ إحاطة علمٍ وقدرةٍ وغلبة, وإحاطته -سبحانه- بالأزمنة والأمكنة, ومن هذه الأسماء؛ اسم الله الآخر".

 

ومن أسمائه -سبحانه- اسمه الآخر، فالله هو الآخر المتصف بالبقاء والآخرية  فهو الآخر الباقي -سبحانه- بعد فناء خلقه, الدائم بلا نهاية، ليس بعده شيء, قال ابن القيم: "فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر, وما من أول إلا والله قبله وما من آخر إلا والله بعده, فالأول قدمه والآخر دوامه وبقاؤه, فسبق كل شيء بأوليته, وبقي بعد كل شيء بآخريته".

 

الآخر اسم حسن من أسماء الله الحسنى ورد في القرآن والسنة، ففي الذكر الحكيم قال -سبحانه-: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3], وقد جاء في السنة من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يضطجع على شقه الأيمن ويقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ", كان يروي ذلك عن أبي هريرة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-" (مسلم).

 

إخوة الإسلام: وأسماء الله الحسنى تضمنت معان عظمى ودلالات كبرى، وقد دل اسم الله الآخر على:

أنه الباقي -سبحانه- الدائم بلا نهاية بعد فناء خلقه، فليس بعد الله شيء, (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: 26، 27], وقال -سبحانه-: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [القصص: 88], قال ابن كثير: "هذا إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ الدَّائِمُ الْبَاقِي الْحَيُّ الْقَيُّومُ، الَّذِي تَمُوتُ الْخَلَائِقُ وَلَا يَمُوتُ", وقد ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ, كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا  اللَّهَ بَاطِلُ" (البخاري).

 

وليس بقاء أهل الجنة والنار أبدا متعارضا مع تفرد الله -عز وجل- بالبقاء, وأنه الآخر الذي ليس بعده شيء؛ لأن ما سواه باق بإبقائه، إن شاء أبقاه وإن شاء أفناه، فبقاء المخلوقات في الآخرة لا لذاتها, ولكن بعطاء من الله لإكرام أهل طاعته, وإنفاذ عدله في أهل معصيته، ومن ثم فإن الله هو الآخر الموصوف بالآخرية المطلقة، والبقاء ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا الفناء، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم وإبقاء مستمر من الله -تعالى-.

 

ومن الدلالات لاسم الله الآخر: أنه الذي تنتهي إليه الأمور، وإليه تصير الأشياء, ترجع الخلائق إليه بالبعث والنشور، وإلى الله المنتهى في كل حال، فإليه ينتهي العلم والحكمة، والرحمة... وسائر صفات الكمال, (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) [النجم:42]، وقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ, ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ, ثُمَّ قُلْ: "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ, اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ, وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ, فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ" (البخاري), وقوله: "لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ" أي: لا مهرب ولا ملاذ أعتصم به، ولا خلاص من عذابك إلا إلى رحمتك، وأخذك إلا إليك؛ فأنت نهاية كل مطلوب وغاية كل مقصود.

 

والآخر هو آخر ما يرتقي إليه العباد، لذلك قالوا: أن توحيد الله أشرف العلوم، فمنه المبدأ أولاً, وإليه المرجع والمصير آخراً, فالإنسان مهما سافر وتاجر وجمع مالاً، وأسس أعمالاً، ونجح وتألق؛ لكنه في نهاية المطاف مصيره إلى الله الآخر، (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ) [الغاشية:25].

 

اذهب أين شئت! اتجه أنى شئت! في الأخير إلى الله المرجع, (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:148]، فلك أن تركن على من شئت؛ إلى جماعة، إلى كبير, إلى قوتك، لكن في النهاية أنت مع الله، مصيرك إليه؛ لأنه الآخر -سبحانه-.

 

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده وصلاة وسلاما على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله، وعلى من والاه، واهتدى بهداه، أما بعد:

 

فيا عباد الله: وإذا استقرت في القلب هذه المعاني تحركت بين الجوانب عبادات قلبية من الإخلاص واليقين والتوكل وغيرها، وإن الحياة في ظل اسم الله الآخر، لها العديد من الآثار والثمار منها:

التحقق بمعرفة اسم الله الآخر يوجب علينا قوة الاضطرار, وكمال الافتقار له -سبحانه-, وعدم ركون العبد ووثوقه بالأسباب والوقوف معها, فإنها تنعدم لا محالة, وتنقضي بالآخرية؛ فالتعلق بها تعلق بالعدم والزائل, والتعلق بالآخر -سبحانه- تعلق بالحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول.

 

وإن ربك الآخر كما كان واحدا في إيجادك فاجعله واحدا في تألهك إليه لتصح عبوديتك, وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه؛ لتصح لك عبوديته باسمه الأول والآخر.

 

ومن الثمار أيضا أنه إذا استقرت في قيعان القلوب اسم الله الآخر ومعناه، فإن العبد  يجعل المرجعية في فعله وحياته على وفق ما اختاره الآخر، لعلمه أن الله الذي بيده الأمور ابتداؤها وانتهاؤها, وهو -جل جلاله- مالك الإرادات ورب القلوب والنيات، يصرفها كيف شاء، فما شاء أن يزيغه منها أزاغه، وما شاء أن يقيمه منها أقامه، قال -تعالى-: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران:8].

 

وإذا أكثر العبد من ذكر هذا الاسم والدعاء به تجلى لقلبه اسم الله الظاهر، حيث كَانَ عليه -الصلاة والسلام- يدعو به: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ " (مسلم), فيدرك العبد أن البقاء لله، مما يحمله على الفرار من دار الفناء إلى دار البقاء.

 

كذلك من الآثار أنه إذا امتلئ قلب العبد بمعاني اسم الله الآخر توجه إليه وحده ولم يلتفت لغيره, فكما أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته -تعالى- وتقدس, فكذا لن يبقى إلا ما أريد به وجهه, وكل ما كان لغيره يزول ويضمحل: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [القصص:88].

 

الله ربي لا أريد سواه *** هل في الوجود حقيقة إلا هو

الشمس والبدر من أنوار حكمته ***والبر والبحر فيض من عطاياه

والطير سبحه والوحش مجده *** والموج كبره والحوت ناجاه

والنمل تحت الصخر الصم قدسه *** والنحل تهتف حمدا في خلايا

والناس يعصونه جهرا و يسترهم *** والعبد ينسى وربي ليس ينساه

 

وأخيرا فإن العبد إذا علم أنه من جملة من كتب الله عليهم الفناء, دعاه ذلك إلى أن يبادر بالتوبة قبل أن ينزل به ما لا طاقة له على دفعه, ولا فرصة أخرى له, مما يقوده ذلك إلى التسليم له -سبحانه- حين يقضي على العبد بفوات صفقة, أو خسارة تجارة, ولأجل هذا دعا الله عباده للإنابة, وحذرهم مغبة التفريط, وعاقبة التسويف, فقال -تعالى-: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ..) [الزمر : 54 - 56].

 

نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة *** فكيف آسى على شيء إذا ذهبا

 

وقضاء الله -سبحانه- على موت حبيب, لا ينبغي لعبد أن يسخط عليه أو يعترض على موت قد كتبه على الخلائق أجمعين, فالموت حتم مقضي, والبقاء من صفة الآخر.

 

فينبغي أن نجعل من الدنيا مطيةً للآخرة, كما قال ابْنُ عُمَرَ: "إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لَسَقَمِكَ، وَمَنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ".

 

ألا صلوا وسلموا على الحبيب المصطفى؛ حيث أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

 

المرفقات

اسم الله الآخر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات