استقبال شهر رمضان وآلام الأمة

صالح بن عبد الله بن حميد

2015-06-14 - 1436/08/27
عناصر الخطبة
1/ مُحاسبة النفس ديدَنُ العاملين المُخلِصين 2/ فضائل إدراك شهر رمضان 3/ وسائل استقبال شهر رمضان 4/ التوبة التوبة عباد الله 5/ رمضان شهرُ التاريخ والأمجاد والانتِصارات 6/ النهي عن الغدر والحذر من مكر الأعداء.

اقتباس

طاعةُ الله شرف .. والوقوفُ بين يدَي الله نعمة .. واغتِنامُ مواسِم الخيرات منَّة، وإن من لُطفِ الله ورحمته أن عوَّض بقِصَر الأعمار ما تُدرَكُ به أعمارُ المُعمَّرين بمئات السنين، وذلك بمُضاعفَة الأجور؛ لشرف الزمان، وشرف المكان، ومواسِم الطاعات. وشهرُكم شهرٌ عظيمٌ مُبارَك، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرِم خيرَها فهو المحرُوم. إنكم تستقبِلون شهرًا عظيمًا مُبارَكًا، تُفتَحُ فيه أبوابُ الجنة، وتُغلَقُ أبواب النار، وتُصفَّدُ الشياطين.. ومن أعظم صِدق الاستِقبال لهذا الشهر الكريم: مُجاهَدةُ النفس من الشيطان والهوَى والشهوات، والاجتِهادُ في طلب الخير، والتعرُّض لنفَحَات الربِّ الكريم...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله، الحمدُ لله الملك الحقِّ المُبين، أوضحَ المحَجَّة للمُتبصِّرين، فاهتدَى بفضلِه المُهتدُون، وضلَّ بعدلِه الضالُّون، أحمدُه على إحسانه، وأشكرُه على إنعامِه، وأسألُه الثباتَ على دينِه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحكمةُ البالِغةُ في أفعالِه وأحكامِه، لا يُدرِك العبادُ أسرارَه في تدبير أقدارِه، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أرسَلَه بالهُدى ودين الحقِّ ليُظهِره على الدين كلِّه، أقامَ العدل، ورفعَ الظُّلم، وجاء بالرحمة، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه وأتباعِه بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد:

فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -، اتَّقُوا الله حقَّ تُقاته، وبادِروا بالسعي إلى مرضاته، وأيقِظوا القلوبَ من غفَلاتها، وأرشِدوا النفوسَ في شهواتها.

 

لقد وضحَ الحقُّ لولا صممُ القلوب، وبانَ السبيلُ لولا كدَرُ الذنوب. إن السؤال عظيم؛ فاسكُبُوا دمعَ الخوف والخشية سائِحًا، والموقفُ عصيب؛ فادَّخِروا لأنفُسِكم عملاً صالِحًا. لقد أوردَت الأترابَ مصارِعُ المنايا، وجاءَت بالزواجِر قوارِعُ الرَّزايا.

 

فرحِم الله عبدًا أعدَّ العُدَّة لحسابِه، واتَّخذَ من العمل الصالِح زادًا لمآبِه، فطِيبُوا أنفسًا بمُعاملة الله، فأنتم الرابِحون، (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31].

 

أيها المسلمون:

مع دورات الأفلاك، وتقلُّبات الأيام، ترتجِفُ قلوبُ المؤمنين، وتقشعِرُّ جلودُ المُخبِتين؛ فالأعمارُ قصيرةٌ مهما طالَت، والأيام سريعةٌ مهما أبطَأَت. الدنيا مُدبِرة، والآخرةُ مُقبِلة، فاستقبِلوا المُقبِل، ولا يشغلكُم المُدبِر، فاليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل، والكيِّسُ من دانَ نفسَه، وعمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ من أتبعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.

 

إن مُحاسبةَ النفس هي ديدَنُ العاملين المُخلِصين، ونَهجُ عباد الله الصالِحين. انظُروا ماذا ادَّخرتُم ليوم معادِكم، وماذا قدَّمتُم للعرض على ربِّكم؟! فلله كم من الأعمار أمضيتُم؟ وكم من الأحباب فقدتُم؟ وكم من الأقارِب دفنتُم؟ وكم من عزيزٍ في اللُّحود قد وارَيتُم؟ عاجَلتهم آجالُهم، وقطعَ الموتُ آمالَهم، ولعلَّ الله أن يُثيبَهم على صالِح نيَّاتهم، فإنما لكل امرئٍ ما نوَى.

 

يُقال ذلك - يا عباد الله - والأمةُ الإسلامية تستعِدُّ لاستِقبال هذا الشهر الكريم "رمضان العظيم".

 

تأمَّلوا هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، وصحَّحه الألبانيُّ - رحمهم الله جميعًا -: عن طلحة بن عُبيد الله - رضي الله عنه -، أن رجُلَين قدِما على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وكان إسلامُهما جميعًا - أي: في وقتٍ واحدٍ -، وكان أحدَهما أشدَّ اجتِهادًا من صاحبِه، فغزَا المُجتهِدُ منهما فاستُشهِد، ثم مكثَ الآخرُ بعده سنة، ثم تُوفِّي.

 

قال طلحةُ: فرأيتُ فيما يرى النائِمُ كأني عند بابِ الجنة، فإذا أنا بهما، وقد خرجَ خارِجٌ من الجنة، فأذِنَ للذي تُوفِّي الآخر منهما، ثم خرج، فأذِنَ للذي استُشهِد، ثم رجعَ إليَّ، فقال: ارجِع فإنه لم يأنِ لك بعدُ. فأصبحَ طلحةُ يُحدِّثُ به الناس، فتعجَّبُوا لذلك - أي: تعجَّبُوا كيف أن الذي لم يُجاهِد ولم يُستشهَد دخلَ الجنةَ قبل صاحبِه .

 

فبلغَ ذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال: "من أيِّ ذلك تعجَبون؟". قالوا: يا رسولَ الله! هذا كان أشدَّ اجتِهادًا، ثم استُشهِد في سبيل الله، ودخلَ هذا الجنةَ قبلَه! فقال - عليه الصلاة والسلام -: "أليسَ قد مكَثَ هذا بعدَه سنة؟". قالوا: بلى، "وأدركَ رمضانَ فصامَه؟". قالوا: بلى، "وصلَّى كذا وكذا سجدة في السنة؟". قالوا: بلى، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فما بينَهما أبعَدُ ما بين السماء والأرض".

الله أكبر يا عباد الله! بينهما أبعَد ما بين السماء والأرض.

 

إنه الشهر المُبارَك .. كنزُ المُتقين .. وبهجةُ السالِكين .. وراحةُ المُتعبِّدين .. (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185].

 

طاعةُ الله شرف .. والوقوفُ بين يدَي الله نعمة .. واغتِنامُ مواسِم الخيرات منَّة، وإن من لُطفِ الله ورحمته أن عوَّض بقِصَر الأعمار ما تُدرَكُ به أعمارُ المُعمَّرين بمئات السنين، وذلك بمُضاعفَة الأجور؛ لشرف الزمان، وشرف المكان، ومواسِم الطاعات.

 

وشهرُكم شهرٌ عظيمٌ مُبارَك، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرِم خيرَها فهو المحرُوم.

إنكم تستقبِلون شهرًا عظيمًا مُبارَكًا، تُفتَحُ فيه أبوابُ الجنة، وتُغلَقُ أبواب النار، وتُصفَّدُ الشياطين، كما جاء في الحديث الصحيح.

 

وجاء في "السنن": "يُنادِي فيه المُنادِي: يا باغِيَ الخير أقبِل، ويا باغِيَ الشر أقصِر، ولله عُتقاءُ من النار، وذلك كل ليلة".

 

معاشر المسلمين:

ومن أعظم صِدق الاستِقبال لهذا الشهر الكريم: مُجاهَدةُ النفس من الشيطان والهوَى والشهوات، والاجتِهادُ في طلب الخير، والتعرُّض لنفَحَات الربِّ الكريم، وفي الحديث: "اطلُبُوا الخيرَ، وتعرَّضُوا لنفَحَات الله؛ فإن لله نفَحَاتٍ من رحمته يُصيبُ بها من يشاء" (رواه الطبراني، وصحَّحه الألباني).

 

فترَون المُوفَّق - يا عباد الله - يُقبِلُ على ربِّه في ابتِهاجٍ، وفي انشِراح، وإقبالٍ على الطاعةِ، وفرحٍ بها، وأملٍ عظيمٍ من ربِّه بالتيسير والقبول.

 

ومن حُسن الاستِقبال - معاشِر الأحبَّة -: العزمُ الصادق، والنيَّةُ الخالِصة، وربُّكم مُطَّلعٌ على النوايا، وخبيرٌ بالعزائِم، (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 100].

فانْوُوا الخيرَ، واعقِدُوا العزم، واشحَذُوا الهِمَم؛ تُفتَح لكم أبواب التوفيق.

 

ويُعينُ على العزم الصادِق، والنيَّة الخالِصة: ما يعلمُه المُسلم من عظيم الأجر، وجزيلِ الثواب في انطِلاقةٍ جادَّة، وعزيمةٍ مُؤكَّدة، وتوبةٍ صادِقة، يُجدِّدُ فيها العبدُ العهدَ مع ربِّه، يأتمِرُ بالأوامِر، وينتهِي عن النواهِي، ويستقيمُ على الجادَّة، وإنما العِبرةُ بالخواتِيم. ومن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه.

 

ومن الاستِعداد - حفِظَكم الله -: التوبةُ الصادِقة النَّصُوح، إقلاعًا عن المعاصِي، وندمًا على فعلِها، وعزمًا على عدم العودة إليها، وتوجُّهًا إلى فعل الخير، واستِغلالُ مواسِم الطاعات، والاستِكثارُ من الأعمال الصالِحات؛ من صيامٍ، وصلاةٍ، وصدقاتٍ، وقيامِ ليلٍ، وقراءةِ قرآن، وذكرٍ، ودعاءٍ، وصِلةِ رحِم، وتفقُّد الأهل والذريَّة، وحفظٍ للوقت، وبُعدٍ عن المُشكِلات والمُلهِيات.

 

ومن حُسن الاستِقبال - وفَّقكم الله -: تصفيةُ القلب، وذلك بالصِّدق مع النفس ومع الناس، وحبِّ الخير للجميع، والبُعد عن أمراض القلوب؛ من الغلِّ، والحِقد، والحسد، والكِبر، والغِشِّ، والغِيبَة، والنَّميمة.

 

وفي الحديث: قيل : يا رسول الله! أيُّ الناس أفضل؟ قال: "كلُّ مخمُوم القلب، صدُوق اللسان". قالوا: يا رسول الله! صدُوق اللسان نعرِفُه، فما مخمُوم القلب؟ قال: "هو التقِيُّ النقِيُّ، لا إثمَ فيه ولا بغيَ، ولا غلَّ ولا حسَد"(رواه ابن ماجه).

 

شهرُ رمضان المُبارَك، شهرُ البرِّ والإيمان، والخير والإحسان، والصَّفح والغُفران، وهو فرصةٌ للتحلُّل من حُقوق العباد ومظالِمهم، فيرُدُّ العبدُ ما يستطيعُ ردَّه، ويطلُبُ المُسامَحَة من إخوانِه.

 

وفي الحديث: "رحِم الله عبدًا كانت عنده مظلَمة في عِرضٍ ومالٍ، فجاءَه فاستحلَّه قبل أن يُؤخَذ وليس ثمَّ دينارٌ ولا درهَم، فإن كانت له حسنات أُخِذ من حسناته، وإن لم تكُن له حسنات حمَلُوا عليه سيئاتهم".

 

واحذَروا - رحمَني الله وإياكم - ما يُوغِرُ الصدور، ويقصِمُ الظهور، ويُمرِضُ القلوب، ويُولِّدُ الأحقاد، ويُكثِر الحُسَّاد؛ وذلك لحبِّ الظُّهور، والتطلُّع للرئاسة، وابتِغاءُ الشُّهرة.

 

يقولُ الفُضيلُ بن عِياض - رحمه الله -: "ما من أحدٍ أحبَّ الرئاسةَ إلا حسَدَ وبَغَى، وتتبَّع عورات الناس، وكرِهَ أن يُذكَر أحدٌ بخير".

 

ومن حُسن الاستِقبال والجِدِّ في الاستِعداد: حِرصُ العبد على معرفة ما يحتاجُه من أحكام الصيام وفقهِه؛ ليسلَم له صيامُه من النقص، وما يُنقِّصُ ثوابَه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطِنة، والعناية في حُضور مجالِس العلم، والذِّكر والوعظ، وسُؤال أهل العلم فيما يجهلُه أو يُشكِلُ عليه.

 

معاشر الأحبَّة:

كم ترَون في هذا الشهر الكريم من المُشمِّرين؟! وكم تسمَعون من بُكاء المُتبتِّلين؟! وكم تلحَظُون من دموع المُبتهِلين؟! ما بين راكعٍ وساجِد، ولكتابِ الله تالِي، ولأعمال البرِّ مُشمِّر، في أعمالٍ دَؤُوبَة، لا تكادُ تنقطِع. من الذي قرَّبَهم؟! ومن الذي أعانَهم؟! إنه التوفيقُ من الله، والحِرصُ على الطُّهر والصفاء، والبُعد عن المعاصِي.

 

فيا لسعادة من مدَّ الله له في الأجل، ومتَّعه بالصحة، ووفَّقه لحُسن العمل؛ ليشملَه بعفوِه، ويُنعِم عليه بغُفرانِه.

 

وإذا كانت مفاوِزُ الدنيا تُقطَعُ بالأقدام؛ فإن مفاوِز الآخرة تُقطَعُ بالقلوب، (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177].

 

وما استعانَ عبدٌ على دينِه بمثلِ خشيةِ الله، ومن خافَ أدلجَ، ومن أدلجَ بلغَ المنزِل، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: 46].

 

إن مقام العبودية - عباد الله - هو بتكميل مقام الذلِّ والانقِياد، وأكملُ الخلق عبوديةً أكملُهم ذُلاًّ وانقِيادًا وطاعة، فهو ذليلٌ لعظمةِ مولاه، وذليلٌ لربوبيَّته، ذليلٌ لإحسانِه وإنعامِه.

 

وبعدُ، يا عبد الله:

فاحرِص على هذه الغنائِم العظيمة، والتجارة الرابِحة، مع ثناءِ الكريم الجواد في الحديث القُدسي: "يدَعُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجلي".

 

واعلَم أن الله إذا أرادَ بعبدٍ خيرًا فتحَ له أبوابَ التوبة والعزم والانكِسار، والذلِّ والافتِقار، والاستِقامة، وصِدقِ اللُّجوء إليه، ودوام التضرُّع والدعاء والتقرُّب إليه.

 

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 186].

 

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ الله لي ولكم ولسائر المُسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله، الحمدُ لله مُثيبِ الطائِعين بجَزيلِ الثواب، ومُجيبِ الداعِين وهو أكرمُ من أجاب، أحمدُه - سبحانه - يغفِرُ الزلاَّت، ويُقيلُ العثَرَات، ويتوبُ على من تاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ مُخبِتٍ أوَّاب، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه فرضَ الفرائِض، وسنَّ الآداب، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِه خيرِ آلٍ وأكرم أصحاب، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الحساب.

 

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

شهرُ رمضان شهرُ مُبارَك، شهرُ التاريخ والأمجاد والانتِصارات، شهرُ فخر الأمة وعزِّها، في بُطولاتٍ قادَها الأخيار: في غزوة بدر، وفتح مكة، ونخوة المُعتصِم، ونصر صلاح الدين. في ذِكرياتٍ وأمجادٍ تهتزُّ لها القلوبُ بهجَة، وترتفعُ بها النفوسُ عِزًّا.

 

ومع استِذكار هذه الذكريات، واستِرجاعِ هذه الأمجاد، يأتي مع الأسَف ما تعيشُه الأمةُ في بعض أقطارِها ومواقِعِها من اضطِرابٍ وفتنٍ، وَقُودُها شبابٌ استحوَذَت عليهم فيها جماعاتٌ مُتطرِّفة، ومجموعاتٌ إرهابيَّة، بل مجموعاتٌ مشبُوهة، تعملُ فيها أيدٍ أجنبية، وتخطيطاتٌ خارِجية، استمرءوا القتل، واستحلُّوا الحُرُمات.

 

في حديثِ أبي مُوسى - رضي الله عنه -، قال: حدَّثنا رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: "إن بين يدَي الساعة لهَرْجًا". قال: قلتُ: يا رسول الله! ما الهَرْج؟ قال: "القتلُ، وليس بقتلِ المُشرِكين، ولكن يقتُلُ بعضُكم بعضًا، حتى يقتُلَ الرجلُ جارَه وابنَ عمِّه وذا قرابَته". فقال: بعضُ القوم؟ ومعنا عقولُنا ذلك اليوم؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: "لا، تُنزعُ العقولُ أكثرَ ذلك الزمان، ويخلُفُ له هباءٌ من الناس لا عقول لهم .. الحديث".

 

عباد الله:

وإنما ذهبَت العقولُ في تلك الفتن؛ لأنها تظنُّ أنها تعلَم وهي لا تعلَم، وتظنُّ أنها تُصلِحُ وهي تُفسِد، وتظنُّ أنها تنصُرُ دينَ الله وهي تنتصِرُ لأنفُسِها وأشخاصِها وعصبيَّتها، وتنتصِرُ لمن أزَّها وخدَعَها.

 

نعم، عباد الله:

أين العقول؟! فأيُّ جهادٍ أو نصرٍ في تفجيرِ النفسِ في جُموع المُصلِّين داخِل المساجِد، وهم يُصلُّون صلاةَ الجُمعة؟! أين هذا مع ما وردَ من النهيِ في دينِنا عن قتلِ الرُّهبان في كنائِسهم. فكيف بقتلِ المُصلِّين في المساجِد وبيوتِ الله؟!

 

ولقد قال رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يوم الفتح: "ومن دخلَ المسجِد فهو آمِن". نعوذُ بالله من الفتن.

 

فإذا استُحِلَّ الغدرُ بالمُصلِّين في المساجِد. فماذا بقِي؟! حُرُماتٌ تُنتَهَك بآراء كاسِدة، وتأويلاتٍ فاسِدة، وجهالاتٍ مُتراكِمة.

 

بل إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تركَ قتلَ من حلَّت دماؤُهم من المُنافِقين، الذين جادَلُوه في شرعِه، واتَّهمُوه في أمانتِه وعِرضِه، قائلاً: "لا يتحدَّثُ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه".

نعوذُ بالله من زيغِ القلوب، والقولِ عليه بلا علم.

 

وقد علِم كل ذي عقلٍ وبصرٍ أن المُستفيدَ من هذا كلِّه هم أعداءُ الأمة، ومن يدفعُ هؤلاء ويؤُزُّهم.

 

معاشِر الإخوة:

وإن مما يشرحُ الصدرَ، ويزيدُ الطُّمأنينة: أن هذه البلادَ الكريمة قد ابتُلِيَت بهذا النوع من المُواجهات من قِبَل تنظيم القاعِدة، وخاضَت الدولةُ لعدَّة سنواتٍ حربًا مفتوحةً مع خلايا هذا التنظيم بكل توفيقٍ واقتِدار، من غير أن ينالَ ذلك من طُمأنينةِ المُواطِن والمُقيم، وأمنِه وتنميتِه، وتوفير العيش الكريمِ له.

 

ولقد قال قائدُ هذه المعركة الباسِل وليُّ العهد الأمينُ وزيرُ الداخلية المُسدَّد - حفِظَه الله ووفَّقه -، لقد قال: "إن المملكة واقِفةٌ بقوَّة ضدَّ الإرهاب، ولن تُزعزِعَنا مثلُ هذه الحوادِث، مرَرنا بحوادِث أكبر، والحمدُ لله الوضعُ تحت السيطرة، وإن حدثَ شيءٌ سنتعامَلُ معه في حينِه".

 

من أجل هذا كلِّه - أيها الإخوة - يجبُ أن يُدرِك مُواطِنو هذا البلد والمُقيمُون فيه: أن من يملِكُ الإيمانَ والصبرَ والعزمَ والرؤية والإرادة، فهو الظافِرُ المُنتصِرُ - بإذن الله -.

 

كيف وقد عُلِم أن هناك دُولاً كثيرةً وكبيرةً خاضَت وتخوضُ مثلَ هذه الحروب، وتمتدُّ مُحاربتُها لها السنواتُ تلوَ السنوات، ضدَّ جماعاتٍ إرهابيَّة، وعصاباتٍ إجراميَّة.

 

إنهم يعلَمون قوَّة هذه الدولة المُبارَكة، وصرامَتها، وحزمَها، ويقظَتَها، ودقَّة عملها، وجاهزيَّتها، وعالِيَ تدريبها، ولله الحمدُ والمنَّة. ولكنَّهم يُريدون بأعمالهم الحقيرة إشاعَة الفوضَى، وزرع الفتنة بين فِئات الشعب وطبقَاته، فعملُهم عملٌ جبان؛ فهم يتسلَّلون كاللُّصوص وقُطَّاع الطُّرق، ليغتالُوا المُسلمين المُسالِمين، والمُصلِّين المُتعبِّدين. ولكنَّها جهودٌ وأعمالٌ مخذولةٌ - ولله الحمدُ -.

 

وردَّهم الله بغيظِهم لم ينالُوا خيرًا؛ فلم ترَ إلا تماسُك المُجتمع بكل أطيافِه ومذاهبِه، ضدَّ هذه الأعمال المُنكَرة؛ لأن الجميعَ في مركَبٍ واحدٍ.

 

معاشر الأحبَّة:

ومما ينبغي التنبُّه له والتنبيهُ إليه في هذا المقام: الحذَرُ من التصعيدِ في الكلام، والتنابُز بالانتِماءات، ونبشِ ما في بُطونِ الكُتب، واستِنطاقِ ما في المُدوَّنات مكتوبِها ومسموعِها، فهذا لا يزيدُ إلا وبالاً، وهو جديرٌ بخرق السفينة، والتشويش على حُسن المسيرة.

 

وإن من البلاءِ أن يكون أمنُ البلاد والعباد سِلعةً يُتاجِرُ بها مُغرِض، وفُرصًا ينتهزِها مشبُوه، ويسيرُ في رِكابِها جاهِل.

 

ومن الانتِهازيَّة: الزَّعمُ بأن لمناهِج التعليم أثرًا في هذا الباب، أو الغمزُ واللَّمزُ بأهل العلم ومواقِفِهم. وقد علِم الجميعُ أن هؤلاء الإرهابيين لا جنسيَّة لهم، ولا انتماءَ علميٍّ لهم، فمناهِجُنا نهَلَ منها كل أبنائِنا وبناتِنا في شرقِ البلاد وغربِها، وشمالِها وجنوبِها، ووسطِها وأطرافِها، منذ قيامِ هذه الدولة المُبارَكة.

 

بل إن رِجالات الدولة، وعسكَرها، ووُجهاءَها، ورِجال أعمالها، وأهل العلم والرأي والفِكر فيها كلُّهم أبناءُ هذه المناهِج. أما الإرهابيُّون فانظُروا في مواقِع الفتن، إنهم إلى كل جنسيَّةٍ ينتَمون، إن عربيَّة، وإسلاميَّة، وأجنبيَّة. فأين تعلَّم هؤلاء، وعلى أي مناهِج تربَّوا؟!

وبعدُ، حفِظَكم الله:

 

انظُروا نظرَ العاقِل الحَصِيف إلى أحوال البلاد المُضطرِبة من حولِنا، وما يُعانِيه أهلُها من كبَد العيش، وبُؤس الحياة. فالناصِحُ المُخلِص لدينِه ووطنِه وأمَّته هو من يجمعُ الكلمة ولا يُفرِّقُها، ويقتُلُ الفتن ولا يُوقِدُها، ولا يُقدِّم مصالِحَه الخاصَّة على مصلَحَة أمَّته ودينِه ووطنِه، (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 25].

 

ألا فاتَّقوا الله - أيها الناس -، واتَّقوا الله - أيها الشباب -، ولا تكُونوا فريسةً للشيطان وأعداء الدين والأمة، فيجتمعُ عليكم خزيُ الدنيا وعذاب الآخرة. اتَّقوا الله في أنفسكم، واتَّقوا الله في الشيوخ والشباب، اتَّقوا الله في المُسلمين والمُسلِمات، والبنين والبنات، اتَّقوا الله في الشيوخ الرُّكَّع، والأطفال الرُّضَّع، اتَّقوا الله في الدماء المعصُومة، والأموال المُحترَمة، (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [البقرة: 24]، اتَّقوا الله (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) [البقرة: 281].

 

هذا، وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسدَاة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله، فقد أمرَكم بذلك ربُّكم، فقال في مُحكَم تنزيلِه - وهو الصادقُ في قَيلِه - قولاً كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانِك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاةَ والملاحدةَ وسائرَ أعداء الملَّة والدين.

 

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافَك واتَّقاك، واتَّبَع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، ووفِّقه ونائِبَيْه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.

 

اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمَع كلمتَهم على الحق والهُدى يا رب العالمين.

 

اللهم بلِّغنا شهرَ رمضان، اللهم بلِّغنا شهرَ رمضان، وأعنَّا فيه على الصيام والقيام وصالِح الأعمال، وارزُقنا فيه الإخلاصَ والإحسان والتوفيق، اللهم اجعَلنا ممن يصومُه ويقومُه إيمانًا واحتِسابًا، ووفِّقنا فيه لقيامِ ليلةِ القدر، وأعظِم لنا فيه المثوبةَ والأجر.

 

اللهم اجعَله شهرَ خيرٍ وبركةٍ وعزٍّ ونصرٍ، واجمَع فيه كلمةَ المُسلمين على الحقِّ والهُدى والسنَّة، واحقِن دماءَهم، واحفَظ أعراضَهم، واجمَع شملَهم، ووفِّقهم لما تحبُّ وترضَى يا ذا الجُود والفضل والكرَم والإحسان.

 

اللهم من أرادَنا وأرادَ دينَنا وديارَنا وأمَّتَنا وأمنَنا ووُلاةَ أمرنا وعلماءَنا وأهلَ الفضل والصلاح والاحتِساب منَّا، ورِجالَ أمننا، وقوَّاتنا ووحدَتنا واجتماعَ كلمتنا بسُوءٍ، اللهم فأشغِله بنفسِه، اللهم فأشغِله بنفسِه، واجعَل كيدَه في نحرِه، واجعَل تدبيرَه تدميرًا عليه يا قوي يا عزيز.

 

اللهم يا وليَّ المؤمنين، ويا ناصِر المُستضعَفين، ويا غياثَ المُستغيثين، يا عظيمَ الرجاء، ويا مُجيرَ الضعفاء، اللهم إن لنا إخوانًا مُستضعَفين مظلومين في فلسطين، وفي سوريا، وفي بورما، وفي أفريقيا الوسطى، اللهم قد مسَّهم الضرُّ، وحلَّ بهم الكرب، واشتدَّ عليهم الأمر، تعرَّضوا للظلم والطُّغيان، والتشريد، وسفكِ الدماء، وقَتْل الأبرياء، وترميل النساء، وتتييِم الأطفال.

 

اللهم يا ناصِر المُستضعَفين، ويا مُنجِيَ المؤمنين انتصِر لهم، وتولَّ أمرهم، واكشِف كربَهم، وارفع ضُرَّهم، وعجِّل فرَجَهم، وألِّف بين قلوبِهم، واجمع كلمتَهم، اللهم مُدَّهم بمددِك، وأيِّدهم بجُندك، وانصُرهم بنصرِك، اللهم إنا نسألُك لهم نصرًا مُؤزَّرًا، وفرَجًا ورحمةً وثباتًا.

 

اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين، اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين، ومن شايعَهم، ومن أعانَهم، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، ومزِّقهم كل مُمزَّق، اللهم اجعل تدميرَهم في تدبيرِهم يا رب العالمين.

 

اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم وأنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم.

 

اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتَح لنا أبوابَ القبول والإجابة.

اللهم تقبَّل طاعاتِنا، ودعاءَنا، وأصلِح أعمالنا، وكفِّر عنَّا سيئاتِنا، وتُب علينا، واغفِر لنا، وارحَمنا يا أرحم الراحمين.

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

 

 

 

المرفقات

استقبال شهر رمضان وآلام الأمة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات