استقبال رمضان بين التوفيق والحرمان

صالح بن عبدالله بن حمد العصيمي

2017-03-27 - 1438/06/28
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/ فضل رمضان 2/ الأصول الأربعة التي عليها مدار استقبال رمضان 3/ اغتنام رمضان

اقتباس

فالموفق من وفقه الله -عز وجل- إلى إصابة سهم من هذه البحور المتلاطمة من المغفرة، والمحروم من حرم نفسه من أبواب الخير التي أشرعها الله -سبحانه- وتعالى لنا. فاغتنموا -أيها المؤمنون- فسحة أعمالكم، وقوة أبدانكم، واجتهدوا في استقبال شهر رمضان بعقد النية فيه على الأعمال الصالحات، والازدياد من الحسنات، وحاذروا أنفسكم فيه من السيئات.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها المؤمنون: إنكم تستقبلون بعد أيام شهر رمضان، الذي أنزل الله -عز وجل- فيه القرآن، وفرض علينا فيه الصيام، قال الله -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة:185].

 

شهر تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، وينادي مناد: يا فاعل الخير أقبل، ويا فاعل الشر أقصر.

 

إن قدوم شهر رمضان يستحق منا وفادته بأتم استقبال، ومدار ما يحصل به الانتفاع في استقباله أربعة أصول.

 

أول هذه الأصول: الدعاء قبله، قال -تعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء هو العبادة"’.

 

ومدار الدعاء النافع في استقبال رمضان ثلاثة أنواع: أحدها دعاء العبد ربه أن يبلغه شهر رمضان، فيدعو الله -عز وجل-: "اللهم بلغنا رمضان". وثانيها: دعاء العبد ربه أن يوفقه فيها لصالح الأعمال، فيدعو ربه: "اللهم أعنا فيه على الصيام والقيام، وما تحب من سائر الأعمال". وثالثها: دعاء العبد ربه أن يجعله فيه من المتقبلين، وأن يختم له بالعتق من النيران، فيدعو ربه قائلا: "اللهم اجعلنا في رمضان من المتقبلين، واختم لنا بالعتق من النيران".

 

والأصل الثاني في استقبال رمضان بالنية الخالصة على عمل الخير بأن يجمع العبد قلبه على أن يعمل في رمضان الصالحات، قال الله -تعالى-: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحجرات:16]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات"، وكان الإمام أحمد يقول لابنه عبد الله: "يا عبد الله، انو خيرا؛ فإنك وإن لم تعمل فنيّة الخير لك عمل".

 

والنية النافعة في استقبال رمضان نوعان: نية مجملة بأن ينوي أن يستكثر فيه من الخيرات، ونية مفصلة بأن ينوي العبد فيه أنواعا يعينها في قلبه من صيام وقيام وقراءة قرآن وصدقة وإحسان.

 

والأصل الثالث: أن يهيئ العبد نفسه بتبصيرها بأن منفعة العمل فيه صالحة لنفسه، فينبغي عليه أن يغتنم ما وسع الله فيه، وفسح من أجَله، وما أبقى له من قوته، في الأعمال الصالحة، يحركه إلى ذلك قوله -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا) [فصلت:46]، وقوله -سبحانه-: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) [الأنعام:104]، وقوله -سبحانه-: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس:9-10]، وقوله -سبحانه-: (فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) [الزمر:41].

 

واعلموا -رحمكم الله- أن العبد إذا عقد عزمه على ذلك معرفا نفسه بأن الخير لنفسه، وإذا اكتسب شرا فعليها، بعثه ذلك إلى اغتنام أوقات رمضان بما يقربه إلى الله -سبحانه وتعالى-، وكانت تلك النية سدا منيعا يحوطه من السيئات.

 

والأصل الرابع: أن يهيئ نفسه بمعرفة أحكام الصيام، قال -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ) [النساء:125]، أي: لا احد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله مخلصا، وكان محسنا في دينه. والإحسان في الدين يكون بالسلوك فيه وفق سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

والقادم إلى رمضان يحتاج إلى تعريف نفسه بأحكام الشرع في رمضان، فيتعلم ما يتعلق فيه بأحكام الصيام وغيرها، حتى إذا عمل كان عمله صوابا؛ فإن العبد يجب عليه أن يقدم بين يدي ما يجب عليه من العمل العلم الذي يتعلق بذلك العمل، فمن وجب عليه صيام رمضان وجب عليه أن يتعلم ما يتعلق به من الأحكام .

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين رب السماوات ورب الأرض رب العرش العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أيها المؤمنون: إن شهر رمضان موسم كريم للفوز بمغفرة الغفور الرحيم إذ أرصد الله -سبحانه وتعالى- فيه أبوابا عظيمة من المغفرة أخبر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال -صلى الله عليه وسلم-: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

 

فالموفق من وفقه الله -عز وجل- إلى إصابة سهم من هذه البحور المتلاطمة من المغفرة، والمحروم من حرم نفسه من أبواب الخير التي أشرعها الله -سبحانه- وتعالى لنا.

 

فاغتنموا -أيها المؤمنون- فسحة أعمالكم، وقوة أبدانكم، واجتهدوا في استقبال شهر رمضان بعقد النية فيه على الأعمال الصالحات، والازدياد من الحسنات، وحاذروا أنفسكم فيه من السيئات.

 

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكاها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

 

 

المرفقات

رمضان بين التوفيق والحرمان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات