استراتيجية محاورة ودعوة الكافرين (1)

محمود الفقي

2026-05-07 - 1447/11/20
التصنيفات: مقالات

اقتباس

أما كيف "نستغل عناده لمصلحتنا": فمن خلال: أن نتحداه -في لباقة- أن يستخرج لنا أخطاء أو عيوبًا من القرآن الكريم، فإن استجاب وفعل، فقد أفلحنا في إدخاله داخل محل الهدى والنور ووصلناه بحبل الله المتين؛ فكم من...

لا تخلو مساجد المسلمين في كثير من الدول -الإسلامية أو غير الإسلامية- من كفار يدخلون المسجد مجادلين للخطباء، أو متسائلين عن الإسلام ولو بدافع الفضول... واستراتيجيتنا اليوم تدور حول أساليب الحوار معهم ودعوتهم إلى دين رب العالمين.

 

ولسنا هنا بصدد بيان سبل التعامل مع من ينكرون الأديان بالكلية من الملحدين وأشباههم؛ فقد أفردنا لذلك مقالًا مستقلًا([1])، ولكن كلامنا هنا عمن يؤمنون بدين غير دين الإسلام، خاصة النصرانية ثم اليهودية، وسيكون جميع ما نذكره في هذه الاستراتيجية -إن شاء الله- مندرجًا ومهتديًا ومقتبسًا ومستنبطًا من قول الله -عز وجل-: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)[العنكبوت: 46].

 

ولا ينكرن أحد علينا فكرة هذا المقال مستغربًا أن نحاور كفارًا داخل مساجدنا؛ فقد كان أعلم الخلق وأشرفهم؛ نبي الله ومصطفاه -صلى الله عليه وسلم- يستقبل الكفار في المسجد، ويحاورهم فيه، فهذا ثمامة بن أثال أسره الصحابة "فربطوه بسارية من سواري المسجد"([2]) بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-... وتأتي الوفود من جميع أرجاء شبه الجزيرة العربية فيكون في المسجد النبوي استقبالهم ونزلهم ومحاورتهم... وهذا الأمر أوضح من أن يوضَّح.

 

وأتركك الآن -أخي الخطيب- مع بنود استراتيجيتنا؛ "استراتيجية محاورة ودعوة الكافرين":

 

البند الأول: أدرك طبيعة من تحاور:

أخي الخطيب الداعية: ستجد أغلب من يتعرض لك من غير المسلمين هم: النصارى، وجلهم قد فقدَ الثقة في "الدين"؛ على خلفية الصراع المرير عندهم بين الكنيسة والعلم، فقد اتخذت الكنيسة العلم عدوًا وكذَّبت مسلماته وضيَّقت عليه وقهرته وأهله ردحًا من الزمان، حتى دارت الدائرة على الكنيسة وثارت الثورات ضدها، فأسقطها العلم، ولفَظَها أكثر النصارى، وقدَّموا عليها المادة والعلمانية، وصارت عند هؤلاء قناعة: "أن الدين عدو العلم، ونقيض التقدم، وخصم التحضر، بل هو عدو للحياة وللأحياء!"! وهم يُسقِطون ذلك على "الدين" عامة وليس على النصرانية وحدها...

 

لكن النصارى -ومثلهم اليهود وغيرهم- قد عانوا خواء روحيًا ووجدانيًا عظيمًا؛ فإن التدين فطرة البشرية، خاصة بعدما فشل العلم والإلحاد ومختلف النظريات الشيوعية والرأسمالية في سد مسد الدين، فظهرت عند كثير منهم الرغبة في التدين والحنين إلى الدين، يقول الكاتب الإنجليزي ويليام سومرت موم: "إن أوروبا قد نبذت اليوم إلهها وآمنت بإله جديد هو العلم، ولكن العلم كائن متقلب؛ فهو يثبت اليوم ما نفاه بالأمس، وهو ينفي غدًا ما أثبته اليوم، لذلك تجد عبَّاده في قلق دائم، لا يستقرون"([3]).

 

فهذه -أيها الخطيب- هي خلفيتهم الثقافية التي يجيئون إليك وهم يحملونها... فليكن هدفك الأول: أن تقنعهم بداية أن "الإسلام -في هذا- ليس كالنصرانية"؛ فهو يشجع العلم ويكرِّم العلماء، وليس فيه فصام بين الدنيا والآخرة، ويجعل التمتع بملذات الدنيا مباحًا ما دام حلالًا: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)[الأعراف: 32]، فهذه هي الخطوة الأولى؛ أن تدرك الخلفية العامة لمن يحاورك...

 

ثم تأتي الخطوة الثانية في تعرُّفك عليه وهي: أن تتلمس خلفياته الخاصة؛ الثقافية والاجتماعية والوظيفية وغيرها، وكذلك سماته وطباعه الشخصية؛ لكي تستطيع مخاطبته بما يناسبه، والدخول إليه من المدخل الذي يؤثر فيه.

 

فعليك -أخي الخطيب- أن تُفرِّق بين: الفضولي والمتردد والمعاند؛ فلكل منهم معاملته الخاصة:

فأما الفضولي: فينبغي أن يستغل الخطيب فضوله في تعريفه صورة الإسلام النقية الصافية من كل شائبة؛ فيجيبه على كل أسئلته باستفاضة وتفصيل، ويشبع فضوله بما يفيده ويقرِّبه من الإسلام([4])...

 

وأما المتردد: فيساعده الخطيب على حسم أمره وإنهاء تردده؛ من خلال إقناعه أن مصلحته الدنيوية والأخروية في اعتناق الإسلام، وأنه لن يندم أبدًا إذا دخل فيه، وأنه سيخسر خسارة لا تُعوَض إن أحجم عنه، وأن صانع تردده هذا هو هواجس الشيطان الذي يصد عن كل خير...

 

وأما المعاند: فمهمتنا الأولى أن نُحيِّد هذا العناد ولا نزيده، ثم أن نستغل عناده هذا لمصلحتنا... وإن سألتني: وكيف؟ أجبتك: أما قولي: "ألا نزيد عناده" فعن طريق: أن نخاطبه بأدب، ولا نستفزه: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)[الأنعام: 108]، وأن نبرز نقاط التوافق بيننا وهي كثيرة كما سنبين لاحقًا -إن شاء الله-.

 

أما كيف "نستغل عناده لمصلحتنا": فمن خلال: أن نتحداه -في لباقة- أن يستخرج لنا أخطاء أو عيوبًا من القرآن الكريم، فإن استجاب وفعل، فقد أفلحنا في إدخاله داخل بوتقة الهدى والنور ووصلناه بحبل الله المتين؛ فكم من خائض في كتاب الله لِينتقده ويفنده وإذا به يصيبه نورُ القرآن ويتسرب إلى قلبه حب الإسلام، ولقد عاينا بعض هؤلاء وقابلناهم، بدأوا بعناد القرآن وتحديه والرغبة في نقده، فما انتهوا إلا وهم مسلمون موحدون([5])، وسبحان من هذا كلامه: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[المائدة: 15-16].

 

فإن أدركت خلفياته وعلمت عنه ما استطعت، فأنت الآن مستعد لتطبيق الخطوة التالية:

البند الثاني: ادخل إليه من مدخله:

ولن نطيل في التمهيد لهذا الأمر؛ فقد أفردنا له -أيضًا- مقالًا مستقلًا([6])، لكن دعونا نشير أن لكل بشري مدخلًا مباشرًا إلى نفسه لا يخيب معه، فإن أدركت طبيعة من تحاور وعلمت من أين يُدخَل إلى عقله وقلبه، ثم استثمرت ذلك المدخل، فلن تشعر إلا وقد أسلس لك قياده وسلَّمك زمامه وأطاعك فيما تريد.

 

وبالمثال يتضح المقال، فهذا رجل نصراني جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مستوضحًا مستكشفًا أمره، ولنتركه هو يروي كيف دخل له النبي -صلى الله عليه وسلم- من مدخله، إنه عدي بن حاتم يحكي فيقول: لما بلغني خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكرهت خروجه كراهة شديدة... فقلت: والله، لولا أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذبًا لم يضرني، وإن كان صادقًا علمت، قال: فقدمت فأتيته، فلما قدمت قال الناس: عدي بن حاتم، عدي بن حاتم، قال: فدخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لي: "يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم" ثلاثًا، قال: قلت: إني على دين، قال: "أنا أعلم بدينك منك"، فقلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال: "نعم، ألست من الركوسية [ديانة مأخوذة من دين النصارى والصابئة]، وأنت تأكل مرباع [ربع الغنيمة] قومك؟" قلت: بلى، قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك"، قال: فلم يَعْدُ أن قالها، فتواضعت لها.

 

فقال: "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟" قلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: "فوالذي نفسي بيده، ليتمن الله هذا الأمر، حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز" قال: قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: "نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد"([7]).

 

ولا أراك -أخي الخطيب- إلا قد فطنت إلى ما أقصد؛ إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أصاب مدخل عدي مرتين، الأولى حين قال له: "أنا أعلم بدينك منك"، فلما استبعد عديٌ ذلك، أتاه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالدليل الدامغ الذي قطع على عدي كل طريق فقال: " ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك؟"، فهو -صلى الله عليه وسلم- يدرك بالفعل الدين الذي يعتنقه عدي الذي يدعي أنه نصراني مع أنه ركوسي، وعدي يخالف النصرانية فيستأثر بربع الغنائم وحده مع أن النصرانية تحرِّم ذلك!

 

يقول عدي: "فلم يَعْدُ أن قالها، فتواضعت لها"؛ فبمجرد ملامسة هذه الكلمات لأذنيه خضعت نفسه وسلَّمت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قيادها.

 

وأما المرة الثانية فحين أدرك -صلى الله عليه وسلم- أشد مخاوفه الذي يصده عن اعتناق الإسلام قائلًا: "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب"، فقدَّم له -صلى الله عليه وسلم- شفاء علته تلك مطمئنًا إياه قائلًا: "ليتمن الله هذا الأمر، حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز... وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد".

 

وما أن أصاب النبي -صلى الله عليه وسلم- "مدخل" عدي حتى استجاب فأسلم، فقد زاد الترمذي أن عديًا -رضي الله عنه- قال عند ذلك: "فإني ضيف مسلم، قال: فرأيت وجهه -صلى الله عليه وسلم- تبسط فرحًا".

 

ومرة أخرى يدرك نبينا -صلى الله عليه وسلم- مدخل صفوان بن أمية، فيستثمره حتى يثبت الإيمان في صدره؛ ففي المغازي: "بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسير في الغنائم ينظر إليها، ومعه صفوان بن أمية، جعل صفوان ينظر إلى شعب مُلِئَ نَعَمًا وَشَاءً وَرِعَاءً، فأدام إليه النظر، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرمقه فقال: "أبا وهب، يعجبك هذا الشعب؟" قال: نعم، قال: هو لك وما فيه، فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله! وأسلم مكانه([8])، وفي صحيح مسلم يقول صفوان بن أمية: "والله لقد أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي"([9])...

وإصابة النبي -صلى الله عليه وسلم- للهدف هنا لا تحتاج إلى شرح ولا إيضاح.

([1]) المقال بعنوان: "استراتيجية التعامل مع الملحدين وإخوانهم"، وهذا رابطه:

الجزء الأول:

https://khutabaa.net/ar/article/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A3%D9%85%D8%AB%D8%A7%D9%84%D9%87-1

الجزء الثاني:

https://khutabaa.net/ar/article/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A3%D9%85%D8%AB%D8%A7%D9%84%D9%87-2
([2]) رواه البخاري (2422)، ومسلم (1764).
([3]) ينظر مقدمة كتاب: "دعوة أهل الكتاب إلى دين رب العباد" للدكتور سعيد عبد العظيم (3-8)، ط: دار العقيدة للتراث، الإسكندرية - مصر، 1417هـ، 1997م.
([4]) لقد قدر الله -عز وجل- لي أن أحضر محاضرة لأكاديمي أجنبي يقص فيها قصة تحوله من النصرانية إلى الإسلام بسبب أنه وقع يومًا على نسخة مترجمة بالإنجليزية لمعاني القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي كان يسمع عنه ولا يمتلكه، فدفعه الفضول ففتحه وقرأ بعض السطور، فلفت انتباهه ما قرأ، فاصطحبه معه إلى منزله، يقول: "فما زلت أقرأ فيه طوال الليل فما راعني إلا ضوء الشمس، ثم اعتذرت عن العمل يومًا فيومًا حتى أتممت قراءة تلك النسخة المترجمة لمعاني القرآن كلها في أربعة أيام، وما زلت مبهورًا باحثًا حول الإسلام حتى مَنَّ الله عليَّ بالإسلام"، فسبحان من بيده الهدى.
([5]) أنباء ذلك كثيرة، وهذا فيديو يحوي نموذجًا حيًا واقعيًا لذلك، وعنوانه: "برلماني هولندي أسلم أثناء كتابته كتاب يهاجم الإسلام - قصة مذهلة"، وهذا رابطه:   https://www.youtube.com/watch?v=prK7R5xMucU
([6]) المقال تحت عنوان: "اعْرِف مدخل مخاطبيك"، وهو على جزئين:

الجزء الأول:

https://khutabaa.net/ar/article/%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A9-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%86-%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%A8%D9%8B%D8%A7-%D9%85%D9%82%D9%86%D8%B9%D9%8B%D8%A7%D8%9F-4-%D8%A7%D8%B9%D9%92%D8%B1%D9%90%D9%81

الجزء الثاني:

https://khutabaa.net/ar/article/%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A9-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%86-%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%A8%D9%8B%D8%A7-%D9%85%D9%82%D9%86%D8%B9%D9%8B%D8%A7%D8%9F-4-%D8%A7%D8%B9%D9%92%D8%B1%D9%90%D9%81-2
([7]) رواه الترمذي (2953)، وأحمد واللفظ له (18260)، وحسنه الألباني (صحيح وضعيف سنن الترمذي).
([8]) مغازي الواقدي (2/854-855)، ط: دار الأعلمي - بيروت.
([9]) رواه مسلم (2313).

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات