إيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ

د عبدالعزيز التويجري

2021-10-15 - 1443/03/09 2021-10-21 - 1443/03/15
عناصر الخطبة
1/إكمال الدين من نعم الله علينا 2/الابتداع ليس من الدين 3/تحذير أئمة الإسلام من خطورة البدع 4/أول من ابتدع الاحتفال بالمولد 5/التحذير من المال الحرام في التجارة

اقتباس

أول من أظهر هذه البدعة بنو عُبَيد, في القرن الرابع, المتسمون زورًا بالفاطميين, وهم من خرجوا على الخلافة العباسية, ولما خافوا من ثورة الناس عليهم، استمالوا قلوب الناس وكسب عواطفهم؛ بإحداث ذكرى مولد النبي...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إن الحمد الله, نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, هدانا لهذا الدين وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, وصفيه من خلقه, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار, ومن سار على نهجهم إلى يوم القرار.

 

أما بعد: فاتقوا اللهَ -أيها المؤمنون- حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلامِ بالعُروةِ الوثقى، وإيَّاكُم ومُحدثاتِ الأمور، ومُضِلاتِ الفتن، (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[آل عمران: 101].

 

لقد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا النعمة؛ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[المائدة: 3], قال الإمام البخاري -رحمه الله-: "فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ", النقصان في الدين أن يزيد الإنسان عملا لم يأذن به الله، ولم يشرعه رسول الله، قال -عليه الصلاة والسلام-: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ"(متفق عليه).

 

الدين ليس بحاجة إلى إكماله بإحداث بدع وضلالات مهما استحسنتها العقول، وحسنتها النيات, في مسند الإمام أحمد أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- بِكِتَابٍ, أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ، فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَغَضِبَ وَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟، فوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي".

 

الدين ليس مسمى يردد، أو شعارات وطقوس ترفع, الدين عقيدةُ واعتقاد، وإسلامُ وانقياد، واتباع ومتابعة؛ (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[آل عمران: 31], في الصحيحين أن ثَلاَثَةَ رَهْطٍ أتوا بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-؟؛ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-, فَقَامَ وَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".

 

 إن المسلم ليعجب حين يلحظ فئآماً من المسلمين كلفوا أنفسهم مالم يأذن به الله، واتبعوا شرائع وطرائق لم يعملها صفوة الخلق محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا صحابته الأخيار، فابتدعوا في الدين ما ليس منه، وفي الدين أحكام وشرائع قد أضاعوها, وهذا من أعظم الدلائل على أنها من تلبيس إبليس؛ ليضل الناس بغير علم؛ (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)[فاطر: 8].

 

لقد حذر أئمة الإسلام من خطورة البدع والإحداث في الدين, قال الإمام مالك -رحمة الله-: "من أحدث في هذه الأمة شيئاً, لم يكن عليه سلفها؛ فقد زعم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خان الدين؛ لأن الله -تعالى- يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)[المائدة: 3], فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم ديناً", وقال سفيان الثوري -رحمه الله-: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها", ويرحم الله الإمام الشافعي حين قال: "لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب خلا الشرك, خير من أن يلقاه بشيء من الهوى".

 

لقد أمضت أمة الإسلام قرونها الثلاثة الأولى التي زكاها النبي -صلى الله عليه وسلم-, لم تعرف تخصيص يومٍ لذكرى مولده -عليه الصلاة والسلام-، وإنما أول من أظهر هذه البدعة بنو عُبَيد, في القرن الرابع, المتسمون زورًا بالفاطميين, وهم من خرجوا على الخلافة العباسية, ولما خافوا من ثورة الناس عليهم، استمالوا قلوب الناس وكسب عواطفهم؛ بإحداث ذكرى مولد النبي -صلى الله عليه وسلم-, وموالد لفاطمة وعلي والحسن والحسين, ولجماعة من سلالة آل البيت -رضي الله عنهم وأرضاهم-.

 

وبنو عبُيد من ذرية عبد الله بن ميمون القداح, المعروف بالكفر والنفاق والضلال، والمشهور بعداوته لأهل الإيمان، ومعاونته لأهل الكفر والعدوان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: "وهؤلاء القوم تشهد عليهم الأمة وأئمتها أنهم كانوا ملحدين زنادقة, يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر".

 

أفبعد هذا ُيترك الميراث النبوي العذب الزلال، ويُتبع خزعبلات الزنادقة الضلال؟! ألا فاتقوا الله ربكم، واحفظوا بيوتكم وأولادكم من وسائل الشبهات والشهوات، وأسباب الضلال والفساد.

 

أقول ما سمعتم, وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه, كما يحب ربنا ويرضى, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وسلم وبارك عليه, وعلى آله وأصحابه, ومن اهتدى بهداهم إلى  يوم الدين.

 

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)[النساء: 59], الأنظمة والقوانين في الأمور التجارية وغيرها التي لا تخالف الشرع, وتحمل في مضمونها مصلحة عامة للبلد, يجب العمل بها, كما يجب على المسلم تحري الكسب الحلال في تجارته ومعاملاته، وعند الترمذي: "إِنَّهُ لاَ يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلاَّ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ".

 

ومن علامات الساعة ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ مَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَالَ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ؟!"(أخرجه أبو داود وصححه الألباني).

 

اللهم أوسع لنا من الرزق الحلال, وجنبنا المتشابه والحرام, وبارك لنا يا ربنا بما أعطيتنا.

 

المرفقات

إيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ.doc

إيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات