إنه الله العظيم

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2015-01-10 - 1436/03/19
عناصر الخطبة
1/ أعظم حديث وأحلى كلام ما كان عن الرحيم الرحمن 2/ وما قدروا الله حق قدره 3/ تأملات في عظمة الله سبحانه 4/ ما أضعف البشر أمام قوة الله! 5/ من حكمة الله سبحانه في تخويف العباد 6/ خسارة المعرضين عن طاعة رب العالمين 7/ كيف نعظّم الله في قلوبنا؟

اقتباس

من كابَر الله صرَعه، ومن نازَعه قمَعه، ومن ماكَره خدَعه، ومن توكل عليه منعَه، ومن تواضع له رفَعه، ومن ظلم عباده أذله وعذّبه.. سبحانه يغفر ذنبًا، ويفرج همًّا، ويكشف كربًا، ويَجْبُر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويهدي ضالاً، ويغيث لهفانًا، ويشبع جائعًا، ويكسو عاريًا، ويشفي مريضًا، ويعافي مبتلى، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، وينصر مظلومًا، ويقصم جبارًا، ويرفع أقوامًا ويضع آخرين.. أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ووسع سمعه الأصوات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ذوي الحاجات أحاط بصره بجميع المرئيات...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي شهدت بربوبيته جميع مخلوقاته، وهو الإله المعروف بأسمائه وصفاته المتحبب إلى خلقه بجزيل هباته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شبيه له في أفعاله ولا في صفاته، ولا في ذاته هو الواحد الأحد العظيم، الملك الصمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه أحد من جميع برياته..

 

 لا إله إلا الله فارج الكربات وباعث الأموات وخالق الأرض والسماوات (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [النمل: 61- 64].

 

 وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه خاطبه ربه فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) [الأحزاب: 45- 48].

 

 وشرّفه ربه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، اللهم صلّ وسلم على نبينا محمد النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته وعلى آله وأصحابه وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الميعاد وحشر العباد.

 

 أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71].

 

أيها الإخوة المسلمون: أعظم حديث وأحلى كلام ما كان عن الرحيم الرحمن -جل جلاله وتقدست أسماؤه- عن ربنا -تبارك وتعالى- من خلق الأرض والسماوات العلى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى) [طه: 5- 8].

 

(اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة:255]، (وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)[الحج: 65].

 

إنه الله العظيم (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأعراف:180].

 

إنه الله ملك السماوات والأرض، وملك يوم الدين ومالك العباد أجمعين، وخالقهم والمتصرف فيهم بما يشاء، والمتكفل بأرزاقهم (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ * قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأنعام: 12- 15].

 

ربنا تبارك اسمه حقه علينا أن نفرده بالعبادة وحده دون سواه، وأن نحبه -جل في علاه- وأن نوقره وأن نعظّم أوامره ونواهيه (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) [نوح:13- 14]، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام: 101- 103].

 

إنه الله الإله الحق وما سواه باطل (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الحج:6]، وأنه هو العلي القدير (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) [السجدة: 7- 9].

 

إننا جميعًا فقراء إلى ربنا مهما أعطينا من مال وولد وقوة وجاه ومتاع يفنى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر: 15- 17].

 

إنه الله الحكم القائم بالقسط الحليم لكن إذا أخذ فإن أخذه أليم شديد، إنه رب العالمين القوي العزيز (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26].

 

من كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره خدعه، ومن توكل عليه منعه، ومن تواضع له رفعه، ومن ظلم عباده أذله وعذّبه، فويلاً للظلمة وسحقًا للجبابرة، ما دروا حكمة الله في خلقه ولا عرفوا التذلل لعظمته (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) [إبراهيم:15- 17].

 

ربنا تبارك اسمه من عظمته ما أخبرنا عنه بقوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر:67].

 

يقول -صلى الله عليه وسلم-: "يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟!".

 

 ربنا جل جلاله هو القوي (إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)، (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:74].

 

له صفة القوة فلا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، ولا يرد قضائه هو العزيز له العزة جميعًا (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر:10]، عزة القوة وعزة الغلبة وعزة الامتناع قاهر جميع الموجودات، دان له من في الأرض والسماوات امتنع أن يناله أحد من المخلوقات وهو العلي العظيم.

 

أهلك الأمم المكذبة ودمرهم تدميرًا ولا يخاف عقباها ولا يظلم ربك أحدًا، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، ماذا فعل بقوم عاد وثمود ومدين وقوم لوط، بل ماذا جرى لفرعون وجنود أين قارون؟ أين من بعدهم وقبلهم، أما دمرهم بذنوبهم وتكذيبهم وظلمهم وطغيانهم فأين المعتبرون؟!

 

(فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت:40]، (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) [الفرقان: 38 -39].

 

أما ما أضعف البشر أمام قوة الله، ألا ما أعجزهم عن رد ما قدر أن ينزل بهم (وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) [الرعد:11]، فأين الخوف من آثار ذنوبنا؟! أين الحذر من تقصيرنا؟! أين الخشية لربنا؟! أين التضرع والاستكانة؟! (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) [المؤمنون:76].

 

إن القلب إذا خشع تبعته الجوارح، والعبد كلما كان بالله أعلم كان خضوعه وتذلّله لربه أتم، ولذا كان نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- إذا رأى غيما أو ريحا عُرف في وجهه، فقالت: يا رسول الله! إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهة؟ فقال: "يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب, عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا".

 

إذا كان هذا حال نبينا -صلى الله عليه وسلم- مع مغفرة الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بحالنا مع ذنوبنا وتقصيرنا وضعف إيماننا وقلة خوفنا وصدق من قال: "ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب".

 

ولا يزال الناس على الصراط المستقيم ما لم يذهب الخوف من قلوبهم، فإذا ذهب أو ضعف ضلوا الطريق، قال بعضهم: "الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس".

 

ومن حكمة الخسوف والكسوف تخويف العباد كما يخوفون بالرياح الشديدة والجذب والزلازل والأمطار المتوالية، وغير ذلك من الأسباب التي قد تكون عذابًا، والتخويف يتضمن الأمر بطاعة الله والنهي عن معصيته قال سبحانه: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) [الإسراء: 59].

 

ربنا -جل جلاله- يدبّر أمر الممالك، ويأمر وينهى، ويخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويقلب الليل والنهار، ويداول الأيام بين الناس، ويقلب الدول، فيذهب بدولة ويأتي بأخرى، وأمره وسلطانه نافذ، نافذ في السماوات وأقطارها وفي الأرض وما عليها وما تحتها وفي البحار والجو، قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ووسع سمعه الأصوات، فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه الأصوات، بل يسمع رجيجها باختلاف لغاتها على تفنن حاجاتها، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ذوي الحاجات أحاط بصره بجميع المرئيات، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فالغيب عند ربنا شهادة، والسر عنده علانية (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29].

 

يغفر ذنبًا، ويفرج همًّا، ويكشف كربًا، ويَجْبُر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويهدي ضالاً، ويغيث لهفانًا، ويشبع جائعًا، ويكسو عاريًا، ويشفي مريضًا، ويعافي مبتلى، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، وينصر مظلومًا، ويقصم جبارًا، ويرفع أقوامًا ويضع آخرين..

 

لو أن أهل سماواته وأهل أرضه وأول خلقه وآخرهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو أن أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب واحد منهم ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا، ولو أن جميع خلقه سألوه فأعطى كل واحد سؤله ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا.

 

إنه الله العظيم (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) [الرعد:13]، (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [هود:6].

 

ربًّا هذه حاله وهذه صفاته ألا يستحق أن يُعبَد وحده؟! ألا يستحق أن يُفرَد بالدعاء والخشية والرجاء؟! بلى (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ) [الزمر:66]، فيا خسارة من أعرضوا عن عبادته وغفلوا عن دعائه والتضرع إليه، وعجبًا من طغيان العبد وإعراضه عن الرب (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون) [يس:30].

 

اللهم ارزقنا الإنابة والخضوع بين يديك، اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا، اللهم ارزقنا خشيتك وحدك (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله عالم بالسرائر، مطلع على الضمائر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب المشرق والمغرب لا إله إلا الله فاتخذه وكيلا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وآله وصحبه.

 

أما بعد: فعليكم يا أهل الإسلام بتقوى الله -عز وجل- وتعظيم ما أمر به (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32].

 

أيها المسلم: بقدر تعظيمك لربك وقيامك بفرائضه يعظم قدرك في القلوب وتذكرك الألسن بالخير (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32].

 

(وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ) [آل عمران:198]، إنه ما وقع الشرك والظلم والكفر والإلحاد والذنوب من العباد إلا حينما انحرفت الفطر وأعرضوا عن آيات الله  (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت:53].

 

 لقد جاءت الرسل بالحق ونزل القرآن ووضح السبيل وقامت الحجة على العباد ورأوا وسمعوا ما حل بالأقوام (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) [فاطر:37]، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)[الشعراء: 227].

 

اللهم إنا نسألك العفو والعافية ومن مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

 

 

المرفقات

الله العظيم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات