إنها الدين

أحمد بن عبد العزيز الشاوي

2012-01-03 - 1433/02/09
عناصر الخطبة
1/ منزلة النصيحة 2/ أهمية التناصح 3/ السلف والتناصح 4/ التناصح والإخلاص 5/ آداب النصيحة 6/ تقبل النصح

اقتباس

إن التناصح في طرائق الدعوة من أهم أسباب سلامة السير والأمن من الانحراف، النصيحة باب من أبواب الأجر والثواب، فمَن دَلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله، وهي سبب من أسباب الهداية؛ "ولئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم"؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: "إن أعظم ما عُبِدَ الله به نصيحة خلقه" ..

 

 

 

 

 

الحمد لله الذي يعلم سرنا وجهرنا إنه العليم الحكيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك شهادة أدخرها ليوم عظيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، كان حريصا علينا، بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليما.

أما بعد: فيا أمة محمد، (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [أل عمران:102]، لا غنى لأحد عنها، الصغار والكبراء، والرعية والأمراء، وكل مَن قال إنني من المسلمين، إنها معلم من معالم هذا الدين؛ بل إنها هي الدين.

إنها السبيل لانحصار الفساد، ومحو آثار المفسدين، إنها حقٌّ من حُقُوقِ المسلمين، وبند من بنود البيعة التي بايع فيها الصحابة سيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله سلم.

إنها الطريق الأنجع لتصحيح الأخطاء ومعالجة العيوب، واستدراك النقص وسد الخلل، فالمؤمن مرآة أخيه، بها تَشيع الفضائل، ويُتخلى عن الرذائل، وهي طريقة المرسلين، ووسيلتهم في الدعوة، وهي من أبلغ وأفضل صور التواصي بالحق الذي وصف الله به عباده المفلحين .

ما ارتضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سُلت السخائم، ولا دفعت المغارم، ولا تُوقي المحذور، ولا استميل المهجور بمثل الهدِيَّة والبِرّ، فكيف إذا كانت هديتُك لأخيك تنبيها له لعيوبه وتقصيره في أمور دينه، والتي قد لا تظهر له، ولا يراها ببصره، ولا ببصيرته.

إنه حديث عن الدين، والدين النصيحة، وهي لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، إن النصيحة مسلك السلف في استكمال تربيتهم لأنفسهم، وهي ضرورة أكيدة لحفظ الدين واستمراره وسلامة شرائعه، وإهمالها يؤذن بزواله واندثاره.

إن التناصح في طرائق الدعوة من أهم أسباب سلامة السير والأمن من الانحراف، النصيحة باب من أبواب الأجر والثواب، فمَن دَلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله، وهي سبب من أسباب الهداية؛ "ولئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم"؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: "إن أعظم ما عُبِدَ الله به نصيحة خلقه".

النصيحة وسيلة من وسائل محاصرة الفساد، إذ العصيان والفساد أمراض سريعة الانتشار، فإن لم تجد من يقف أمامها فيأخذ على أيدي الظالمين والمفسدين، عم الفساد وانتشرت المعصية؛ قال الغزالي -رحمه الله-: "كم من مُبتعِد عن الجادة تكفيه في العودة إليها همسة ناصح، أو صيحة زاجر، فإذا هو راجع إلى رشاده".

إنه ليس أدلَّ على رقي الأمة واستقامة ضمائرها من تمسكها بخلق التناصح فيما بينها، ينصح الأخ لأخيه، والجار لجاره، والأب لابنه، والأستاذ لتلميذه، والموظف لرئيسيه، والمسؤول لأمته، والراعي لرعيته، فلا ترى حينئذ إلا حقا محترما، وفضيلة يُعمل بها، وثقة تربط بين الناس بعضهم مع بعض، فلا خيانة ولا غش ولا اتهام ولا تجريح.

إن الصدق فضيلة، والشجاعة فضيلة، ومن الصدق والشجاعة تنبعث فضيلة الصراحة، والجهر بالحق، والنصح للأصدقاء والأقربين، والحكام والمسؤولين، وليس أحد في الدنيا إلا وهو معرض للخطأ والغفلة والانحراف والذلة، وليس كل إنسان يعرف عيب نفسه، أو يفكر فيه، أو يهتدي إليه، ومِنْ هنا كان التناصح مطلباً.

إنَّ مَن كان عظيمَ الهمَّة، راجح العقل،لم يترفع عن نصح الناصحين، وموعظة الواعظين، والهداية للضالين، والتقويم للمنحرفين، مهما عظمت مكانتهم، وعلت أقدارهم، وقوي سلطانهم؛ ولا تنشأ العداوة بين الأصدقاء، ولا تسوء أوضاع الأمة وأحوالها إلا حينما يترك خلق التناصح والجهر بالحق.

إن سر عظمة الأمة وفاؤها للحق مع من تحب من الزعماء، وتطيع من الرؤساء، فلا تبخل بتأييدهم حين يصيبون، ولا تتردد عن نصيحتهم يوم يخطئون، حتى إذا تخلت الأمة عن هذا المبدأ آذنت شمسها بالأفول، ومجدها بالانهيار.

إنك لتقرأ في تأريخ سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين والخلفاء والعلماء فيعجبك ما تراه بينهم من صدق اللهجة، ووفاء الأخوة، وقيام بواجب النصح، وترحيب بالنقد البريء الهادف، مما تشعر معه أنك إزاء أمة لم تخلد في التاريخ بسيف ولا فتح ولا تدمير؛ وإنما خلدت بخلق قوي، ونفوس كريمة، وعقول راجحة وأخوة صادقة مع جهاد ودعوة.

هذا عمر -رضي الله عنه- يقول له رجل: يا عمر، اتقِ الله! فيقول بعض الحاضرين: أتقول لأمير المؤمنين ذلك؟! فقال عمر: دعوه فلْيَقُلْها، لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها.

وهذا هارون بن عبد الله يقول: جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق الباب، فقلت: من هذا؟ قال: أنا أحمد، فبادرت وخرجت إليه، فمسَّاني ومسيته، فقلت: حاجة أبي عبد الله؟ أي: ما حاجتك؟ قال: شغلت اليوم قلبي، فقلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جزت عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس في الظل والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى؛ إذا قعدت فاقعد مع الناس. إنه مثال يؤكد مدى العلاقة القلبية التي يتبادلها سلفنا مع بعض بحيث يتأثر أحدهم إذا رأى على أخيه ما يخل بمنزلته، ولهذا قال الإمام احمد: "شغلتَ اليوم قلبي".

فما أعظمها وأصدقها من أخوة! ولأنها على علاقة قلبية كبيرة فإنك لا ترى التملق والمجاملات والمقدمات التي يقدم بها أصحاب العلاقات السطحية.

إن النصيحة مبدأ شرعي أساسه الإخلاص، فالناصح المأجور هو من كان الإخلاص رائده، وحب الخير لأخيه دليله ومرشده، وابتغاء ثواب الله هدفه وغايته، فيشعر المنصوح بصدق الإخلاص، وحرارة الحب، وشفافية الهدف، ونبل الغاية.

وحينما يضعف الإخلاص أو ينعدم ينقلب النصح إلى تشهير، كما انقلب آخرون من المداراة إلى التملق والنفاق، هناك فئة تمارس التحريش والاستعداء والنميمة تحت مسمى النصح، فما أولئك بالناصحين؛ وإنما هم متملقون فاضحون.

وهناك فئة تظهر الغيبة والنميمة والتشهير في قالب النصيحة والتحذير من الأخطاء والغيرة على دين الله وتعظيم حرمات الله عز وجل، وهذا هو الأمر الأمَرّ؛ إذ لو أن الواقِعَ في الغيبة والنميمة أقر بذنبه واعترف بتقصيره واستغفر لذلته لكان الأمر هينا، أما أن يكابر ويلبس على نفسه وعلى الناس بأن قصده النصيحة للأمة وتحذيرها من الأخطاء وهو يعلم من نفسه غير ذلك من التشفي والحسد والتهوين من شأن من وقع منه الزلل وتنفير الناس عنه فكل ذلك من المغالطة والتلبيس الأبليسي.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "والفرق بين النصيحة والغيبة أن النصيحة يكون القصد فيها تحذير المسلم من مبتدع أو فتان أو غاش أو مفسد، فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين فهي قربة إلى الله، وإذا وقعت على وجه ذم أخيك وتمزيق عرضه والتفكه بلحمه والغض منه لتضع منزلته من قلوب الناس فهي الداء العضال، ونار الحسنات التي تأكلها كما تأكل النار الحطب".

وقال -أيضا-: أما المؤنب فهو رجل قصده التعيير والإهانة وذم من أنبه وشتمه في صورة النصح، فهو يقول له: يا فاعل كذا وكذا، باستخدام الذم والإهانة في صورة ناصح مشفق، وعلامة هذا أنه لو رأى مَن يحبه ويحسن إليه على مثل عمل هذا أو شرٍّ منه لم يعرض له ولم يقل له شيئا، ويطلب له وجوه المعاذير، فإن غلب قال: ومَن الذي ضمنت له العصمة؟ والإنسان عرضة للخطأ، ومحاسنه أكثر من مساوئه، والله غفور رحيم... ونحو ذلك.

فيا عجبا! كيف كان لمن يحبه دون من يبغضه؟! وكيف كان حظ ذلك منك التأنيب في صورة النصح وحظ هذا منك رجاء العفو والمغفرة وطلب وجوه المعاذير؟! إلى أن قال: ومِن الفروق بين الناصح والمؤنب أن الناصح لا يُعاديك إذا لم تقبل نصيحته، ويقول: قد وقع أجري على الله قبلت أم تقبل، ويدعو لك بظهر الغيب، ولا يذيع عيوبك ولا يبينها في الناس، والمؤنب ضد ذلك.

إن التشهير والتعيير بالمنصوح، والظلم والتعدي وعدم الإنصاف، وتغليب سوء الظن، وتفسير المقاصد بلا دليل، وعدم التثبت، وتصيد الأخطاء، كل ذلك صور من التلبيس الذي يلبس لبوس النصح، والله عليم بما في الصدور.

إن الناصح المخلص يقدر طباع الناس وغرائزهم، وأنهم خطَّاءون، وأن النفس أمارة بالسوء إلا من رحم ربي، يتذكر ذلك فيرى في الذنب مِن صاحبه خطأ يذكره بالصواب فيه، لا عيبا يزدريه من أجله، ويتنقصه بسببه.

إن أكمل الناس، وأورعهم، وأقواهم دينا، وأكثرهم لله خشية، ليس هو الذي يزدري العصاة، أو يحتقر المذنبين، ويرى له ميزة عليهم بتقواه وعبادته، ويرفع شعار: "والله لا يغفر الله لفلان!"؛ وإنما هو الذي يرحم الناس، ويشفق على الخاطئين، ويعذرهم في نفسه، "وبحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

أيها الناصح الصادق: لا تبني نصيحتك على نقل نمــَّامٍ أو حاسدٍ أو حاقِدٍ فتكون أنت إلى النصح أحوج، ولا تصدق كُلَّ ما يُقَال، وإن بعض الظن إثم، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.

أيها الناصح الأمين: قبل أن تنصح أخاك عن مُنْكَرٍ فعلَه فلا تحكم على فعله بالخطأ والانحراف من وجهة نظرك فحسب؛ بل وجهة نظره أيضا، فربما كان مجتهدا فيما يعتقد من رأي، أو متحريا الخير فيما سلك من سبُل، فلا تسارع إلى الإنكار عليه ما دام من الممكن أن يكون له وجهة من الحق.

أيها الناصح الصادق: إذا تأكدت من الخطأ والانحراف، وليس هناك مجال لعذر أو شبهة، فاجعل نصحك سرا؛ فإن النفس الإنسانية لا تقبل أن يطَّلِعَ أحدٌ على عيوبها، وإنك إذا نصحت أخاك سرا كان أرجأ للقبول، وأدل على الإخلاص، وأبعد عن الشبهة؛ وإن التلميح بالنصيحة صورة من صور السرية في الأشخاص، والعلانية في التوجيه والإرشاد.

ولقد كان -صلى الله عليه وسلم- من هديه في النصح الإنكار بالتلميح؛ كما في قوله: "ما بالُ أقوام يقولون ويفعلون كذا وكذا".

خطب المنصور ذات مرة يذكر الناس بطاعة الله ومجانبة معاصيه، فقام إليه رجل فقال: أنت يا أمير المؤمنين أولى أن تُذَكَّرَ بطاعة الله واجتناب معاصيه، فاتقِ الله وحاذِرْ غضبه، فقال المنصور: والله ما أردتَّ بهذه النصيحة وجه الله! ولكن أرَدتَّ أن يُقال بين الناس: قام إلى أمير المؤمنين فنَصَحَه!.

نعم؛ إذا نصحت إنسانا مرارا واستمر في عناده وإثمه، وكان ممن يؤتم به ويستمع بقوله، جاز تذكير الناس للتحذير من اتباعه، لا للتشهير بشخصه، فإن لك أن تنكر الفعل لا أن تُشَهِّرَ بالفاعل، وقد علمَنا الله ذلك حين قال لرسوله: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) [الشعراء:216]، ولم يقل: إني بريء منكم.

أيها الناصح الصادق: النصح علاجٌ مُرٌّ، فليصحبه شيء من حلو الكلام تفتح به قلب أخيك، قال -صلى الله عليه وسلم-: "نعم الرجل عبد الله، لو كان يقوم من الليل!"، فكان عبد الله بعد ذلك لا يدع قيام الليل إلا قليلاً.

واعلم أن لكل مقام مقالاً، فلا ترسل نصيحتك في حدة غضب، أو في غمرة لجب، أو في مكان فيه صخب، وقد قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن للقلوب شهوة وإقبالا، وفترة وإدبارا، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها".

إن للكلمة أثراً في نفس السامع، وكثيرا ما تحدد موقفه من المتكلم؛ لذلك أحسِنْ اختيار ألفاظك، وانتقِ أفضل كلاماتك؛ لتنفذ إلى قلب سامعها؛ ليقبل ولا يدبر، ويتأثر ولا ينفر: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الإسراء:53].

إذا نصحت فلا تنصح على شرط القبول منك؛ فإن تعديت فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة ومُلك، لا مؤدي حق أمانة وأخوَّة، وليس هذا حكم العقل، ولا حكم الصداقة، لكن حكم الراعي مع رعيته، والسيد مع عبيده.

أيها الناصح الصادق: اجعل نصيحتك في قوالب مؤثرة، فقضاء حاجة المنصوح، والإهداء له، وإرسال الرسائل، والقدوة الحسنة، وسائل تجعل لنصحك ثرى.

أدِّ نصيحتك في وعاء من الرقة، ولباس من اللين، وتلفع بالود والمحبة: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران:159].

والنصيحة إذا خرجت عن الرفق واللين كانت غلظة وقسوة تنفر القلوب ولا تفتحها، فهل من الرفق أن تطالب بتوجيه الدعاء على مذنب وضالٍّ؟ وهل من الرفق ما نراه من أساليبَ قاسيةٍ وعباراتٍ جافيةٍ وكلماتٍ نابيةٍ في مواقع الانترنت، أو في رسائل من جوالات مجهولة النسب، أو في أوراق تدس من تحت الأبواب، أو على السيارات؟.

أي هذه الأساليب الاستفزازية من هديه -صلى الله عليه وسلم- وهو يخاطب حاطب بن أبي بلتعة وقد ارتكب إثما عظيماً، وأفشى سرا من أسرار الدولة، فيخاطبه بحنان النبوة قائلا: "ما هذا يا حاطب؟"، وينظر إلى ماضيه المجيد بعين التقدير، "لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم!".

وأين هذا من هديه -صلى الله عليه وسلم- في تعامله مَعَ مَنْ بال في المسجد، ومع مَن تكلم في الصلاة؟.

ما أحوجنا إلى تعلم آداب النصيحة وشروطها بعد أن اشتدت العداوات، وكثرت الخصومات، وسادت التهم، وأفرطت الألسنة والأقلام بالنقد، بحقٍّ وغير حق.

فهل لنا أن نطمع من الناقدين أن يقفوا عند حدود الحق فيما ينقدون؟ وهل لنا أن نرجو الناصحين أن يبتعدوا عن مجال الشبهة فيما ينصحون؟ (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة:269].

فاللهمَّ ألِهمْنَا وألْهِمْ كُلَّ ناصحٍ أن نقول ما يصلح الفساد ويقوِّم الانحراف بأسلوب يألف ولا يفرق، ويبشر ولا ينفر، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلِّمْ وبارك على خير خلقه أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها المسلمون، فإذا كان مطلوباً أن نكون ناصحين؛ فواجبٌ أن نطلب النصيحة من إخواننا، قلةٌ هم أولئك الذين يطلبون النصيحة، بل إنهم لا يكادون يقبلون نصيحة مَن ينصحهم، فإن الكثيرين يرون في النصيحة إظهاراً لمعايبهم، وتدخلا في حرياتهم، فتأبى عليهم عزة نفوسهم أن يتقبلوها، ويرون فيها إهانة لأنفسهم فيترفعون عنها: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) [البقرة:206].

أما سلفنا فكانوا في درجة أعلى من قبول النصيحة وطلبها والحرص عليها، قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- لمولاه حازم: "إن الولاة جعلوا العيون علي العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت منّي كلمة تربأ بي عنها، أو فعلا لا تحبّه، فعظْنِي عنده، وانهني عنه".

إن من يطلب النصيحة ويحرص عليها فهو مشغول بعيوب نفسه عن عيوب الناس، ومن شُغِلَ بنفسه نجا.

وإن من يطلب النصيحة ينتقي مَن يصاحب ويحرص على مجالسة الأخلاء الذين يعددون معايبه بستر الناصح الأمين، فإن كنت متخذا صاحبا فاتخذ من تكون له مرآةً، ويكون لك كذلك.

إن الحرص على طلب النصيحة إنما يكون لقبولها، والصادق يفرح بالنصيحة ويأنس بها، أما الكاذب فيبغض النصيحة والناصحين، كما قال الله عنهم على لسان أنبيائه: (وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف:79].

إن الذي يرد النصيحة ويرفضها ليس أهلاً لها، وأكثر ما يوجب ترك قبول النصيحة عند المعجبين برأيهم.

إن من الناس من إذا نصحته كان لك عدوا، وظن أن في النصيحة إنقاصا لنفسه، وإهانة لكرمتها.

إن رفض النصيحة وعدم قبول الحق هو الكبر، "وإن الكبر بطر الحق وغمط الناس"، أما المؤمن فيقبل الحق، ويأخذ به، ولو صدر من أشد الناس له عداء.

أخيرا -أيها الأخ المبارك- أفليس لك صديق أو أخ أو بنت أو أخت أو والد أو جار تشعر بأخطائهم وانحرافهم عن سنن الحق، وتحس بمسؤوليتك عنهم أمام الله؟ فلماذا لا تكون معهم محباً صادقاً وفيا، تكشف لهم عن أخطائهم برفق، وتردهم إلى الصواب بغير احتقارٍ ولا تشهير، وتدلهم على مواطن الحق والخير من غير استعلاء وغرور؟.

يا أيها المنصوح، تذكَّرْ أن صديقك مَن صَدَقَك لا من صَدَّقك، لا تغضب من أخيك إذا نصحك، أو من أستاذك إذا أرشدك، أو من أخيك إذا دلك على عيبك، فلست إلا إنساناً يخطئ ويصيب، ويستقيم ويتعثر، ويميل مع الحق حيناً، ومع الهوى أحيانا؛ ولستَ إذا كبرت منزلتك أكبر من أن تستمع للحق وتنقاد له، وليس الذي نصحك -مهما صغرت مكانته في نفسك- بأصغر من أن ينطق بالحق ويدلك عليه.

قد تثقل النصيحة على نفسك بحجة الحفاظ على الكرامة، فتذكر حين تجمح بك نفسك على هذا الطريق الوعر أن كرامتك هي في أن تستقيم وتصلح؛ لا في أن تنحدر حتى تحيط بك خطيئتك وأخطاؤك إحاطةً تمنع النور عن عينيك والإشراق عن وجهك والراحة عن قلبك وضميرك، وتذكَّرْ قول الحق -جل جلاله-: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [النور:51]، وكُن ممن قال الله فيهم: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) [الفرقان:73].

اللهم صل وسلِّمْ وبارك على مَن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.

 

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

الدين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات