إمضاء السيدة عائشة المهيب

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2020-01-30 - 1441/06/05
التصنيفات:

 

 

طارق محمد العمودي

 

إمضاء السيدة عائشة المهيب

يصدق عليه المثل القائل: (قَطَعَت جهيزة قولَ كل خطيب)[1]

 

آنقَنِي وأعجَبني وأدهشَنِي قصاصَةٌ ورقيَّة؛ صغيرة الحجم، كبيرة المعنى، فخمة الألفاظ.

 

لطالما احتَفظتُ بها في محفظة نقودي وأوراقي الثبوتيَّة؛ فكانت تُلازِمني لعِدَّة سنوات وإلى اليوم؛ أنظر إليها بين الفَيْنة والأخرى.

 

غير أنِّي احتَجتُها تمامَ الحاجة عند إرادتي كتابةَ هذه الأسطر في حقِّ أمي وسيِّدتي؛ بل أم المؤمنين وسيِّدة النساء، عائشة بنت الصِّدِّيق أبي بكر - رضي الله عنهما.

 

وذلك بمناسبة أنْ قام في أيَّامنا هذه من الذُّباب والبُغاث بإحياء بدعة النَّيْل والتَّطاوُل - كذبًا وزورًا - على أمِّنا وسيِّدتنا - رضي الله عنها - وعن أبيها، ولكن كما يُقال: مرُّ الذباب لا يُؤثِّر على ذوي الألباب.

 

 

ما مصدر تلك القصاصة؟ وماذا حوَتْ؟ وماذا وراءها؟

 

أمَّا مصدرها: فهو رجلٌ عَلَويٌّ حسينيٌّ، من آل البيت النبوي؛ لكنَّه سني قُحٌّ، علاَّمة فقيه، وشاعر فحْل، وأديب ناقد كبير، ومفتي للمذهب الشافعي في الدِّيار الحضرميَّة.

إنَّه السيد عبدالرحمن بن عبيدالله بن محسن السقَّاف - رحمه الله - (ت 1375هـ).

 

وأمَّا عن ما حوته تلك القصاصة: فهو ما نقلته عن السيد السقَّاف من كتابه الماتع المفيد: "العود الهندي عن أماليَّ في ديوان الكندي"، وذلك في المجلس الثاني عشر، تحت قول المتنبي:

وَعَذَلْتُ أَهْلَ العِشْقِ حَتَّى ذُقْتُهُ

فَعَجِبْتُ كَيْفَ يَمُوْتُ مَنْ لاَ يَعْشَقُ

 

حيث قال بعد كلامٍ طويل: "وإنَّ عائشةَ - رضي الله عنها - كانت تكتُب في إمضائها: من حبيبة رسول اللهِ، المبرَّأَةِ في كتاب اللهِ، عائشةَ بنت أبي بكر.

 

فيا له من إمضاءٍ تهتزُّ له النفوسُ، وتَقِفُّ له الشعورُ، وتتندَّى له الخدودُ، ويكادُ يذوبُ منه الجلمودُ!".

 

كان ذلك إمضاء السيدة عائشة - رضِي الله عنها - وتعليق السقاف عليه؛ فلا يكاد ينقَضِي إعجابي من الإمضاء والتعليق، ومن الله التوفيق.

 

وأمَّا ما وراء ذلك الإمضاء: فهو أنَّه يُفْصِحُ عن ثلاث مناقب للسيِّدة عائشة - رضِي الله عنها - صدَّرَتْ به إمضاءها الكريم، وحُقَّ لها أنْ تفتَخِر بتلك المناقب الغاليات؛ التي خُصَّتْ بها، وهي صادقةٌ في الإعلان بها، وكيف لا تكون صادقة في كلِّ واحدة منها وهي الصدِّيقة بنت الصدِّيق؟ فلقب: "الصدِّيقة" ملازمٌ لَصِيقٌ بها لا ينصرف إلا إليها، كلقب أبيها: (الصِّدِّيق).

 

ولذا اختار الأديب والناقد العربي الكبير عباس محمود العقَّاد عنوان كتابه في ترجمة السيدة عائشة: "الصدِّيقة بنت الصدِّيق"؛ فأحسن الاختِيار.

 

فكيف وأنَّ كتاب الله - تعالى - وسنَّة رسوله المصطفى يدعم تلك المناقب المذكورة.

 

لقد حوى إمضاء الصدِّيقة بنت الصِّدِّيق على المقاطع التالية:

 

♦ حبيبة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

♦ المبرَّأة في كتاب الله.

 

♦ عائشة بنت أبي بكر.

 

إنَّ تصدير السيدة عائشة - رضِي الله عنها - لهذه المناقب العالية في إمضائها لَيدلُّ على فراستها الصادقة في استشرافها المستقبل - إنْ صَحَّ التعبير - عن فئاتٍ ممَّن ينتَسِبون للإسلام ظاهرًا سيطعُنون في عِرضها، وعرض زوجها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعِرض أبيها الصدِّيق - رضِي الله عنه.

 

وقد حصَل هذا على التَّمام، وهو مِصداق قولِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسُّم))؛ [رواه الطبراني في "الأوسط" (3/207)، وابن جرير في "التفسير" (14/46)، وحسَّن إسنادَ الطبرانيِّ الهيثميُّ في "مجمع الزوائد" (10/268)، والحديث حسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1693)].

 

ويشهد له حديث: ((اتَّقوا فراسَة المؤمن؛ فإنَّه ينظُر بنور الله))؛ [رواه الترمذي وغيرُه، وقد حسَّنه بعضُ أهل العلم، وهناك مَن ضعَّفه كالألباني، وهناك مَن قال بوضعه كابن الجوزي].

 

غير أنَّ مَن طعَن في السيِّدة عائشة - رضِي الله عنها - من هؤلاء الشِّرذمة الذين هم على الحقيقة من شُذَّاذ الآفاق، وأحفاد المجوس، وإخوان اليهود - كان طعنُهم في السابق مُقتَصِرًا على كتبهم، واجتماعاتهم الخاصَّة بهم، أمَّا اليوم فقد خلَعُوا برقع الحياء والتقية، فجهَرُوا بالطَّعن فيها بالصوت والصورة على الفضائيَّات؛ بل احتَفَلُوا بوفاتها، وقالوا - قاتَلهم الله -: إنَّه احتفالٌ بهلاكها، عجَّل الله بزوالهم وهلاكهم.

 

نعود فنقول: إنَّ إمضاءَها الذي كان توسُّمًا وفراسة منها هو ردٌّ - على الحقيقة - على تلك الشِّرذمة في طول التاريخ والزمان، فهي أحبُّ الناس من النساء إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما ثبت ذلك في الصحيح، وأبوها الذي تنتَسِب إليه من أحبِّ الناس من الرجال إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما هو ثابتٌ عنه في الصحيح، وأفضل الأمَّة بعد نبيِّها - عليه الصلاة والسلام - وهي المبرَّأة عن الخيانة والخنا من الله - تعالى - مباشرةً؛ أنزَلَه في كتابه العزيز كي يُتلَى إلى قيام الساعة.

 

فهل بعد هذا الإمضاء أيُّ كلام؟! هل تحتاج الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق إلى الخطباء والمحامين والمنافحين للدفاع عنها، وهي التي أعدَّت العدَّة من خلال إمضائها الفخم المهيب، السلس السهل البسيط؛ فأجهزت به على كلِّ عقيرة، ولم تُبقِ له أيَّ جبيرة، فأودَتْ به إلى الحفيرة؟!

 

حقًّا أُكرِّر وصْف السيِّد السقَّاف على إمضاء أم المؤمنين: "فيا له من إمضاءٍ تهتزُّ له النفوسُ، وتَقِفُّ له الشعورُ، وتتندَّى له الخدودُ، ويكادُ يذوبُ منه الجلمودُ".

 

غير أنِّي أُقيِّد تعليق السقَّاف بأنَّ: اهتزازَ النفوس، وقفَّ الشعور، وندَّ الخدود، وذوبان الجلمود، هو من نصيب أبناء السيدة عائشة - رضِي الله عنها - وليس لأبناء أردشير أدنى نصيب منه، وبابا شجاع الدين المجوسي.

 

[1] أصل هذا المثل: أنَّ قومًا اجتمعوا يخطبون في صُلْحٍ بين حيَّيْن قتل أحدهما من الآخَر قتيلاً، ويسأَلُون أنْ يرضوا بالدية، فبينما هم في ذلك إذ جاءت أمةٌ يُقال لها: "جهيزة"، فقالت: إنَّ القاتل قد ظفر به بعض أولياء المقتول، فقالوا عند ذلك: "قطعت جهيزة قول كل خطيب"؛ أي: قد استُغنِي عن الخطب

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات