إلى معالي الوزير

سامي بن خالد الحمود

2011-06-26 - 1432/07/24
عناصر الخطبة
1/ حقيقة المسؤولية في الإسلام 2/ كم كان قبلك من وزير؟ 3/ (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) 4/ وجوب إحسان الظن بولاة الأمر والمسؤولين 5/ إصلاح وتطوير دون إفراط أو تقصير 6/ من آداب المسؤول المسلم

اقتباس

المسئولية في الإسلام تكليف لا تشريف، ولا يتنافس عليها طمعًا ومغنمًا إلا الجاهلون الغافلون الذين لا يدركون حال المسؤول في الآخرة من الحبس في الموقف، والسؤال العسير في يومٍ قال الله فيه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ)، ويقول تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)..

 

 

 

 

عنوان هذه الخطبة: (إلى معالي الوزير), والباعث وراء الموضوع ما شهدناه قبل أيام من صدور الأوامر الملكية بتعيين عدد من الوزراء والمسؤولين, نسأل الله أن يوفق ولي أمرنا وجميع الوزراء والمسؤولين لكل خير، وأن يعينهم ويسددهم لما فيه صلاح البلاد والعباد.

نداؤنا اليوم هو نداء الدعاء والنصح والتسديد، وهو وإن كان موجهًا إلى معالي الوزير، فهو موجه كذلك إلى كل مسؤول ومدير، يحمل في عنقه جزءًا من المسؤولية، سواء كان من أصحاب المعالي، أو كان موظفًا عاديًا كحالكم وحالي.

والموضوع فيه وقفات، الأولى:

1/ حقيقة المسؤولية في الإسلام:

معالي الوزير -حفظك الله- وقد صدر الأمر بتعيين معاليكم، لا ندري والله، أمغنم نهنيك به، أم مغرم نعزيك به!

إن المسؤولية تعني السؤال الخطير الذي يقول فيه النبي –صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين عن ابن عمر: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"، وبقدر السلطة التي يتولاها الإنسان تكون مسؤوليته أمام الله، فإما نجاة وسلامة، وإما خزي وندامة، كما روى مسلم عن أبي ذر الغفاري أنه طلب الإمارة، فقال صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا", رواه مسلم.

المسئولية في الإسلام تكليف لا تشريف، ولا يتنافس عليها طمعًا ومغنمًا إلا الجاهلون الغافلون الذين لا يدركون حال المسؤول في الآخرة من الحبس في الموقف، والسؤال العسير في يومٍ قال الله فيه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ) [الصافات:24-26]، ويقول تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة:105].

من المواقف المؤثرة ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية في أحداث سنة أربع وثمانين، وفيها توفي عبد الله بن عبد العزيز العمري، وكان عابدًا زاهدًا، وعظ الرشيد يومًا فأطنب وأطيب‏، قال له وهو واقف على الصفا‏:‏ أتنظر كم حولها من الناس؟ - يعني‏:‏ الكعبة-‏‏ فقال هارون‏:‏ كثير‏, فقال الشيخ‏:‏ كل منهم يسأل يوم القيامة عن خاصة نفسه، وأنت تسأل عنهم كلِهم‏, فبكى الرشيد بكاءً كثيرًا، وجعلوا يأتونه بمنديل بعد منديل ينشف به دموعه‏., ثم قال له‏:‏ يا هارون‏!‏ إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن يسرف في أموال المسلمين كلِهم‏؟‏ ثم انصرف والرشيد يبكي‏.‏

2/ كم كان قبلك من وزير؟

صاحب المعالي -سددك الله-، هذه المناصب حلّها أقوام قبلك، ما بين محسن سيلقى جزاء إحسانه، ومسيء سيلقى عاقبة إساءته, والوزير السعيد صاحب السعادة الحقيقية، هو من رضي الله عنه وذكره الناس بخير في حياته وبعد موته، وشهدوا على أعماله النافعة في الوطن.

كان قبلك وزراء بل ملوك، سادوا ثم بادوا، ثم ماتوا، ولو قيل لأحدهم تمن؟ لتمنى أن يعود للدنيا ليعمل صالحًا، أو يتوب من ذنب، أو يرد مظلمة.

هل فكر المسؤول في حاله إذا عزل أو أحيل على التقاعد، وقد أشار نبينا -عليه الصلاة والسلام- إلى هذا المصير بقوله: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ" رواه البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ.

التشبيه النبوي للمسؤول بالرضيع، الذي ينتفع في وقت الرضاعة بما يصل إليه من منافع، فإذا فطم بالعزل أو التقاعد أو الموت انقطع عنه النفع وربما تألم وبكي بسبب الحرمان.

ولهذا، اجعل رضا الله نصب عينيك، وهو بحمد الله لا يخالف إرضاء غيره من ولاة الأمر وعامة الناس، فإن حصل اختلاف فرضا الله المقدم والمرد إلى شرع الله وهو دستور البلاد، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) [الطلاق:2].

3/ (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [الواقعة:76].

معالي الوزير -وفقك الله- لقد رأيناك وأنت تؤدي القسم بين يدي ملك من ملوك الدنيا، وهو على جلالة قدره بشر مثلك، لكنك تقسم أمامه بالملك العظيم، وهو الله جل جلاله، أعظم مُقْسَمٍ به، وأكبر شيء شهادةً، (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ), وإنه لعهد غليظ، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [النحل:91].
 

(أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصًا لديني، ثم لمليكي وبلادي)، الإخلاص للدين أن تنصر شرع الله وتلتزم بأوامر الله ونواهيه في عملك وأن لا يؤتى الإسلام من قبل وزارتك، والإخلاص للمليك طاعته ونصحه والصدق معه، والإخلاص للوطن وأبناء الوطن ومقدساته بخدمتهم والنصح لهم وأداء حقوقهم وتيسير أمورهم ورعاية مصالحهم.

فإذا كنت كذلك فهنيئًا لك، وإلا أحسن الله عزاءك فقد ذبحت قبل موتك بغير سكين.

نذكرك بقول الله –تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال:27].

يخون المسؤول الأمانة حينما يتخذ من المنصب وسيلة للتكسب والاختلاس والمصالح الشخصية, وفيه يقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: "مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي؟ أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا".

يخون المسؤول الأمانة حينما يغش المسلمين ويضرب بمصالحهم عرض الحائط، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته؛ إلا حرم الله عليه الجنة" والحديث في الصحيحين عن معقل بن يسار.

يخون المسؤول الأمانة حينما يحتجب عن الناس خلف أسوار البيروقراطية أو في أحضان المصالح الشخصية، ويهمل النظر في مصالحهم، وفيه يقول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ", رواه أبو داود والترمذي عن معاوية وصححه الألباني.

يخون المسؤول الأمانة حينما يضيّق على الناس ويشق عليهم ويظلمهم حقوقهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به", رواه مسلم عن عائشة.

إلى ديان يوم الحشر نمضي *** وعند الله تجتمع الخصومُ
أما والله إن الظلمَ شينٌ *** وما زال المشين هو الظلومُ

4/ وجوب إحسان الظن بولاة الأمر والمسؤولين:

مع جملة الإعفاءات والتعيينات التي أمر بها ولي الأمر يجب على المسلم لزوم حسن الظن، والحذر من الوقوع في أعراض المسلمين أو المسؤولين، إلا بدليل بين، وفي ضوء المصلحة الشرعية.

لا يجوز أن يقال الوزير الجديد شكله كذا ويمكن كذا، أو الوزير السابق أو الشيخ فلان أعفي لأنه كذا، أو لأن ولي الأمر أراد كذا، كما تجرأ به بعض الكتاب في حق بعض المشايخ، ولا سيما سماحة الشيخ صالح اللحيدان، وهو بحمد الله باق بعد أن عافاه الله من القضاء ضمن هيئة كبار العلماء، بل هو أقدم أعضائها وهو من جيل الأئمة الكبار الذين هم نجوم هذه البلاد والأمة الإسلامية.

يجهل المغرضون أن أول مرسوم اتخذه عمر –رضي الله عنه- في خلافته قال فيه: بسم الله الرحمن الرحيم, من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح أمَّا بَعْد: فتول إمرة الجيوش واعزل خالدًا, فأتت الرسالة إلى أبي عبيدة فبكى؛ لأنه سمع بموت أبي بكر فلف الرسالة والمسلمون في المعركة، فلما انتهت المعركة قال: يا خالد أنا لا أريد الإمارة وأنت أحق مني، فإن ترد الإمارة فأبق عليها، وإنما هي أيام قلائل حتى نلقى الله، فدمعت عينا خالد وقال: أنت أحق بالإمارة مني، وقبل رأس أبي عبيدة وقال: أنا لا أعمل لعمر، أنا أعمل لله أميرًا أو جنديًا، وسوف أقاتل لله اليوم، مثلما قاتلت لله في الأمس.

ومما يتعلق بهذا الأمر -أيضًا-، إساءة بعض الناس الظن بولاة الأمر بعد تعيين امرأة نائبة لوزير التعليم لشؤون البنات، مع أنها إنما وُلّيت أمر بني جنسها من النساء فقط، وزاد الطينَ بلَّة، والأمرَ فتنة، والنفوسَ توجسًا وخيفة، ما روج له بعض الناس في القنوات والصحف أن هذا التعيين بداية عهد جديد تكون في المرأة في السعودية كالدول الأخرى، ليس في التعليم أو التطور؟ لا بل في الانفتاح والتحرر من الحجاب ومخالطة الرجال، حتى إن بعض الصحفيين -هداهم الله- اعتدوا بنشر صورة للنائبة، حتى صرحت النائبة وفقها الله وقالت: نشر صورتي أغضبني كثيرًا، في الحقيقة لا أعلم من أين حصلوا عليها، لكن سألوني كثيرًا وطلبوها كثيرًا ورفضت، ولا يخفى على أحد أني سعودية نجدية منقبة، ولا أقبل إطلاقًا نشر صوري في الصحف, وقالت –أيضًا-: لم أقل أنني سأزور الإدارات الرجالية وليس لدي نية لزيارتهم، لأنني مازلت بنت البلد، ومازال تجري في عروقي الدماء السعودية التي تعطيني التوجيه بعدم الاختلاط مع الرجال، ولدينا وسائل للحوار مثل الشبكة التلفزيونية المغلقة, نسأل الله أن يسددها ويوفقها وجميع المسؤولين لكل خير.

5/ إصلاح وتطوير دون إفراط أو تقصير:

في عالم متغير محتدم، وآمال وطموحات وطنية للإصلاح والتقدم، كم نحن بحاجة للإصلاح والتطوير، واضعين نصب أعيننا دستور هذه البلاد التي قامت على التوحيد والشريعة، وهو بحمد الله لا يقصر عن مواكبة العصر، ولا يبرر تلقي الدعوات الشاذة والمتحررة، أو التوجهات الفكرية اللادينية أو التغريبية، التي تنذر بالخطر على العقيدة وعلى الأخلاق وعلى أمن البلاد.

إن من أخطر ما يواجهه المسؤول اليوم، هو التمييز والفلترة لكل وافد بوسطية واعتدال، مع إدراك خصوصية هذه البلاد المباركة وهي قلب الإسلام، وقبلة المسلمين، وحمى الشريعة الإسلامية، التي بحمد الله لا يمكن أن يقف حجرة عثرة أمام العلم والتطور المفيد في ضوء الضوابط الشرعية.

إن ديننا العظيم لا ينشد مجرد الإصلاح والتطوير فقط، بل ينشد الإتقان وهو أعلى درجات التطوير، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه", رواه البيهقي بسند حسن من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

أقول هذا الكلام وقد سررت بالخطوة الأولى لوزير التربية الجديد الذي زار سماحة المفتي في أول يوم تسلم فيه المنصب، في إشارة هامة إلى ارتباط التربية والتعليم بالشرع الذي قامت عليه هذه البلاد، ونسأل الله أن نرى ثمرة هذا الارتباط في أبنائنا وبناتنا، ونهضة بلادنا.

وكم أعجبتني كلمة العالم الباكستاني الكبير عبد القدير خان أبو القنبلة النووية، عندما سئل قبل أيام عن مستقبل الأمة الإسلامية، فقال: العلم العلم العلم.

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية

 

 

 

6/ من آداب المسؤول المسلم:

نذكر فيها طرفًا من الآداب المتعلقة بالمسؤول المسلم:

أ- الإخلاص وإرادة وجه الله بالعمل، فالإخلاص أساس العمل وسبب القبول والأجر من الله.

وإذا حقق المسؤول النية الصالحة كان عمله قربة وعبادة يؤجر عليها.

ب/ العدل بين الناس من موظفين أو مراجعين أو غيرهم، وفي العدل صحت البشارة عند مسلم عن ابن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا فيه", والمقسط: هو العادل، الذي يؤدي عمله بالعدل بين الناس.

ج/ القدوة الحسنة، بأن يكون الوزير أو المسؤول أول الملتزمين بما يدعو إليه من النظام أو الخلق أو الأمانة، كما قال تعالى عن شعيب عليه السلام: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) [هود:88].

ولهذا نص أهل العلم على أن رؤوس الناس وقدواتهم لا يجوز لهم الأخذ بالتَقِيّة والمداراة حتى مع وجود العذر أو الإكراه بخلاف عامة الناس، وقالوا (لا تقية لقدوة)، وهذا واضح في سير الرسل والمصلحين من أعلام الأمة، ولهذا ثبت الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- في فتنة خلق القرآن رغم التعذيب، لأنه يعلم أن القلوبَ والعيونَ معلقةٌ به، وأن فعلَه حجةٌ يقتدَى به.

د/ عدم الاستبداد بالرأي، واستشارة أهل الثقة الناصحين، والرجوع لرأي أهل العلم المحققين؛ فإنه ربما يدخل على الوزير بعض المستشارين الفاسدين، فيلبِّسون الأمور، ويزخرفون القول، ويتبنون بعض الأفكار المنحرفة أو يسعون لمصالح شخصية بقالب من المكر العظيم فالحذر الحذر.

هـ/ اتخاذ الموظفين الصالحين والأعوان الناصحين, ولكل مسئول جلاس، ولكل وزير بطانة، كما في صحيح البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أن النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ -تَعَالَى-".

فيا صاحب المعالي: أحسن اختيار جليسِك، وأمينِ سرك، ومديرِ مكتبك، بل وحارسِك وسائقِك.

فعندما تولى عمر بن عبد العزيز –رضي الله عنه- عزل الحاجب فقال: ولم؟! قال: رأيتك تتستر في ظل الخيمة، والناس في الشمس في عهد الوليد بن عبد الملك، والله ما تكون لي حاجبًا أبدًا، ثم قال: تعال يا مزاحم أنت حاجبي، فقد رأيتك تكثر من قراءة القرآن وتصلي الضحى في مكان لا يراك إلا الله.

و/ حسن الخلق من الحلم والبشاشة والتواضع, وبهذا تثني عليك الألسنة، وتدعو لك القلوب، وتحبك النفوس, ولا تظن أن هذا يقلل من شأنك أو يضعف من شخصيتك.

ز/ الرفق بالمسلمين، وقضاء حوائجهم وهمومهم وتيسير أمورهم وإجراءاتهم، والحذر من المشقة أو الإضرار بهم أو التسويف والمماطلة بحقوقهم.

وقد تقدم قوله –صلى الله عليه وسلم-: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به"، واعلم -سددك الله- أنك كما تكون للناس يكون الله لك، كما صح عند أبي داود والترمذي: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ"، وعند مسلم: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ".

وكان صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في السعي في حاجات ومصالح المسلمين، حتى إن الأَمَة كانت تأخذ بيده حتى يقضي حاجتها, وهكذا كان الخلفاء الراشدون من بعده –رضي الله عنهم-.

ها هو خليفة المسلمين أبو بكر –رضي الله عنه- ينطلق من المسجد كل صباح بعد صلاة الفجر مع المسلمين ويذهب إلى خيمة في الصحراء، فيدخلها ثم يخرج, وعمر –رضي الله عنه- يراقب الخليفة ليكشف السر، ويدخل بعد أبي بكر، فيجد عجوزًا كبيرة عمياء في الخيمة، فيقول لها: يا أمة الله! من أنت؟ فتقول: امرأة عجوز لي أطفال، مات أبوهم من زمن، قال: فمن هذا الشيخ الذي يأتيكم؟ قالت: والله ما أدري من هو؟ قال عمر: ماذا يفعل؟، قالت: يأتينا بعد فجر كل يوم، فيكنس بيتنا، ويصنع لنا طعامنا ويحلب لنا شياهنا، ثم ينطلق, فيبكي عمر –رضي الله عنه- ثم يقول: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر, نعم، أتعبت يا أبا بكر الملوك والمسئولين، أتعبت يا أبا بكر الوزراء والموظفين.

ولا ننسى عمر نفسه –رضي الله عنه- لما ولي الخلافة, كان يسير في الليل مع مولاه أسلم يتفقد المسلمين، فإذا خيمة بها امرأة في الولادة وهي تبكي، فيشاركها البكاء فيقول أسلم: مالك يا أمير المؤمنين تبكي؟ قال: يا أسلم ما تدري ماذا تجد من ألم الولادة وألم النفاس، ثم ينطلق إلى بيت المال، ويأتى بجراب من شحم ومن دقيق ومن تمر ويحمله على كتفه, فيقول أسلم: أنا أحمل عنك هذا يا أمير المؤمنين! قال: إنك لا تحمل خطاياي يوم القيامة، فيدخل البيت، ويشعل النار، والدخان يتخلل لحيته الكثة، ثم يصنع الطعام ويقدمه للمرأة فتقول: والله إنك خير من عمر بن الخطاب، وهو عمر بشحمه ولحمه، وإيمانه وأمانته.

وفي زمن عمر، كانت حمص مقرًا للمشاغبين، لا يرضيهم أمير، كل يوم شكوى من أهل حمص، فقال عمر: يا سعيد بن عامر اذهب فقد وليتك على حمص, قال: لن أتولى حمص، إني أخاف من الله, قال عمر: هيه! تضعونها في عنقي وتتركونني! والله لتتولين حمص, فذهب سعيد بهيئته العادية ومعه صحفة يغتسل ويتوضأ ويأكل فيها، وشملة ينام ويجلس عليها، وعصا يتوكأ عليها, فاستقبله أهل حمص فقالوا: هل رأيت الأمير؟ قال: أنا الأمير, قالوا: لا تستهزئ بنا! قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو, قالوا: وثيابك ثياب أمير! قال: إني خرجت مأمورًا من عمر، ما أردت إمارة وما طلبتها, وتولى سعيدٌ الإمارة راضيًا مرضيًا، وله قصة طويلة مفيدة في ولايته لحمص ومحاسبة عمر له, -رضي الله عنهم أجمعين-، وجعل فيهم القدوة والأسوة لنا ولجميع المسئولين.

اللهم صل على محمد...

اللهم إنا نسألك لولي أمرنا وولي عهده وجميع الوزراء والمسؤولين أن تلهمهم رشدهم، وأن تعينهم على أداء أمانتهم، وأن تهديهم صراطك المستقيم، وأن ترزقهم سدادا في الرأي، وثباتا على الحق، ورغبة في الإصلاح، وحبَّا للخير، وأن تجنبهم الشرَّ وأهله، وأن تعيذهم من نزغات الشياطين، وأعوان الشياطين، وأن تجعلهم رحمة على أهل البلاد أجمعين.

 

 

 

 

 

المرفقات

معالي الوزير

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات