إلى كل مبتلى .. أحسن الظن بالله

بندر بليلة

2025-01-24 - 1446/07/24 2025-01-26 - 1446/07/26
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/الحث على إحسان الظن بالله تعالى 2/معنى حسن الظن بالله تعالى 3/رسائل إلى أصناف من المبتلين ليثقوا في رحمة رب العالمين 4/التحذير من اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى 5/عند الوفاة يعظم قدر حسن الظن بالله

اقتباس

اعلموا -عباد الله- أن من أعظم المواضع التي يتأكد فيها حسن الظن بالله ويغلب فيها رجاؤه على خشيته وتقواه إذا حضرت العبدَ الوفاةُ، وأوشك على مفارَقة دنياه، فإنَّ المؤمن مهما بلَغ به التقصيرُ، ومهما أزلَف من الخطايا والمناكير، من صغير أو كبير، فالله لعباده سميع بصير...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله ملاذ الخائفينَ، وملجأ المنكوبينَ، ومجير المستجيرينَ، أحمده -سبحانه- وأشكره، مغيث الملهوفين، وجابِر المنكسرينَ، وقابل التائبينَ، أشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ربُّ المستضعَفين، وناصر المظلومين، ومجيب دعوة المضطرين، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، قائد الغُرّ المُحجَّلين، وهادي الخلق أجمعين، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه البررة الميامين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعدُ: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله -رحمكم الله-، وتمسَّكوا بعُراه، واعتصِموا بحبله ولُوذوا بحِماه، تتحقَّق لكم أمانيكم، وتنعَموا بلقياه؛ فإنَّه ما خاب من ناداه ودعاه، ولا ندم من تضرع إليه ورجاه، كيف لا وهو القائل -جل في علاه-: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)[النَّمْلِ: 62].

 

ثم اعلموا -رحمكم الله- أن الكون يجري وفقَ قلم قدَّره وقضاه، وتدابيرُ الخَلْق بمشيئته ورضاه، وقلوبُ العبادِ بينَ أصبعينِ من أصابعِ ربِّنا الإلهِ، يُقلِّبها كيف يشاء في أرضِه وسَمَاهُ، فأحسِنُوا الظن بربكم، وأمِّلوا الخيرَ في خالقكم؛ فإن مَنْ أحسَنَ الظنَّ به كفاه، وتولى أمره وحباه، وأعطاه ما أمله وتمناه؛ "‌أَنَا ‌عِنْدَ ‌ظَنِّ ‌عَبْدِي ‌بِي، ‌وَأَنَا ‌مَعَهُ ‌إِذَا ‌ذَكَرَنِي، ‌فَإِنْ ‌ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شبرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"(مُتفَق عليه).

 

عبادَ اللهِ: حسن الظن بالله عبادة مِنْ أجلِّ العباداتِ، وقُربةٌ من أعظم القربات، تدل على كمال الإيمان، وطيبة الجَنان، والرضا بما قدَّرَه الرحمن؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "وَالَّذِي ‌لَا ‌إِلَهَ ‌غَيْرُهُ‌‌ ‌مَا ‌أُعْطِيَ ‌عَبْدٌ ‌مُؤْمِنٌ ‌شَيْئًا ‌خَيْرًا مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ -عز وجل-، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يُحْسِنُ عَبْدٌ بِاللَّهِ -عز وجل- الظَّنَّ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ -عز وجل- ظَنَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخَيْرَ في يَدِهِ"(أخرجه ابن أبي الدنيا)؛ وهو اعتقاد ما يليق به -سبحانه-، من معاني الجلال والجمال، في أسمائه وصفاته، وكريم أقواله وفعاله، مع كمال القدرة في سابق الحال والمآل، وما يترتب عليها من كريم الآثار والخصال، فهو -سبحانه- الرحيم الرحمن، الكريم المنان، اللطيف الجواد، الرؤوف الوهاب، القوي القادر، العزيز الجبار، مجيب دعوة المضطرين، رب الأرباب، ومجري السحاب، وخالق خلقه من تراب، حي لا يموت، قيوم لا ينام، قريب في علوه، علي في دنوه، عليم بما كتبه وأجراه، لا يخفى عليه حال خلقه في أرضه ولا في سمَّاه، حكيم في أفعاله، رحيم بِعِبَادِهِ، ناصر من استجار به وتولاه.

 

فإلى مَنْ أقعدَه المرضُ ولَوَاهُ، وحبَسَه على أسرة المشافي، فصارت هي منزله ومأواه: فدونك دعاء أيوب -عليه السلام- إذ بلغ به المرض مداه، واستحكم في جسده وأضناه، فتضرع إلى الله -عز وجل- وناداه، مظهرًا حاجته إلى ربه ومولاه؛ (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 83-84]، وإلى من حرم الأنيس من زينة الحياة، واستوحش من غربة الوحدة وانشغال صاحب كل عيال بدنياه، أين أنت من دعاء زكريا -عليه السلام- إذ تضرع إلى مولاه وناجاه، واستغاثه ورجاه، بدعاء يتفطَّر له صاحب كل ذي كبد رطبة وتنهمر بالدموع له عيناه؛ (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 89-90].

 

إلى من أثقله الدَّيْن، إلى من أثقل الدَّيْن كاهله وأعياه، وضاق عليه الكشف وتداعت عليه ظروف الحياة، وتعثرت به في طريق النفقة خطاه: أين أنتَ من كرم الكريم، ورزق الرزاق، وهبة الوهَّاب؟! القائل في أحكم كتاب: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[الْبَقَرَةِ: 186]، والقائل لا رب سواه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)[نُوحٍ: 10-12].

 

إلى من أصابتهم اللأواء، وتكالب عليهم الأعداء، وضاقت عليهم الأرجاء: ارفعوا أكف الضراعة، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن الله -تعالى- يبصر مكانكم، ويعلم جراحكم، ويرى دموعكم، ويسمع آهاتكم، وهو القادر على قهر عدوكم، وإذا أراد الله -جل وعلا- شيئًا هيأ أسبابه، فأحسنوا الظن بربكم، وتمسكوا بكتابه وبسُنَّةِ نبيِّكُم -صلى الله عليه وسلم-، فثمة النصر والتمكين، وبهما الخلاص بيقين؛ (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)[يُوسُفَ: 110].

 

عبادَ اللهِ: إيَّاكُم واليأس والقنوط من رحمة الله، فهمًا بريدًا الكفر والضلال، قال ذو العزة والجلال: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)[يُوسُفَ: 87]، (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)[الْحِجْرِ: 56]، فإن اليأس من رحمة الله من إساءة الظن بالله؛ (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا)[الْإِسْرَاءِ: 83].

 

واحذروا من المؤيِّسين المثبِّطين المقنطين من رحمة الله:

قل للذي ملأ التشاؤمُ قلبَه *** ومضى يُضيِّق حَوْلَنا الآفاقَا

سِرُّ السعادةِ حُسنُ ظنِّكَ بالذي *** خلَق الحياةَ وقسَّم الأرزاقَا

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وكلما كان العبدُ حَسَنَ الظنِّ بالله، حسنَ الرجاءِ له، صادقَ التوكلِ عليه، فإن اللهَ لا يُخيِّب أملَه فيه البتةَ، فإنَّه -سبحانه- لا يُخيِّب أملَ آملٍ، ولا يُضيِّعُ عملَ عاملٍ".

 

أقول قولي هذا وأستغفِر اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدًا يليق بكماله وغناه، وأشكره شكرًا يكافي نواله وعطاه، أشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له في أرضه ولا في سَماهُ، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، بلغ من الكمال البشري منتهاه، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثره ولزم خطاه.

 

ثم اعلموا -عباد الله- أن من أعظم المواضع التي يتأكد فيها حسن الظن بالله ويغلب فيها رجاؤه على خشيته وتقواه إذا حضرت العبدَ الوفاةُ، وأوشك على مفارقة دنياه، فإن المؤمن مهما بلغ به التقصير، ومهما أزلف من الخطايا والمناكير، من صغير أو كبير، فالله لعباده سميع بصير، وبضعفهم عليم خبير، ولهم رحيم وستير، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا يموتنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسِنُ الظنَّ بالله -عز وجل-"(أخرجه مسلم)، قال أهل العلم -رحمهم الله-: "هذا تحذير من القنوط، وحث على الرجاء عند الخاتمة، وهو أن يظن أن الله يرحمه ويعفو عنه".

 

ثُمَّ صلُّوا وسلِّموا على خير خلق الله، محمد بن عبد الله، فقد أمرَكم بذلك ربُّكم فقال -جل في علاه-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، اللهمَّ صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهمَّ عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي العشرة وأصحاب الشجرة، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

اللهمَّ أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، ، واحمِ حوزةَ الدين، وانصُرْ عبادَكَ الموحِّدينَ، يا قوي يا متين.

 

اللهمَّ فَرِّجْ همَّ المهمومينَ من المسلمين، ونَفِّسْ كربَ المكروبين، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. 

 

اللهمَّ آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِحْ أئمتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق والتوفيق والتسديد إمامنا وولي أمرنا، خادم الحرمين الشريفين، اللهمَّ أطل عمره في صحة وعافية، ونعمة سابغة ضافية، اللهمَّ وفِّقْه ووليَّ عهده الأمين، لِمَا فيه صلاحُ البلادِ والعبادِ، وعز ورفعة للإسلام والمسلمين يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ احفظ جندَنا المرابطينَ على الحدود والثغور، اللهمَّ احرسهم بعينك التي لا تنام، واكنفهم بركنك الذي يا برام، يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ كن لإخواننا المستضعَفين في كل مكان، اللهمَّ أبدل ضعفهم قوة، وخوفهم أمنا، وبؤسهم سعة ورخاء يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ اجعل خير أعمالنا أواخرها، وخير أعمارنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، وتوفنا وأنت راض عَنَّا غير غضبان يا ربَّ العالمينَ، اللهمَّ علق قلوبنا برضاك، واعمرها بخشيتك وتقواك، واجعلنا ممن يحسن الظن بك في الحياة الدنيا ويوم لقياك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].

 

 

المرفقات

إلى كل مبتلى .. أحسن الظن بالله.doc

إلى كل مبتلى .. أحسن الظن بالله.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات