إلى القادحين في دعاتنا ومشايخنا- مأساة اللاجئين وموقف بعض العرب والغربيين

أحمد بن ناصر الطيار

2015-09-10 - 1436/11/26
عناصر الخطبة
1/ وجوب تقديم الكتاب والسُّنَّةِ على كلّ أحد 2/ النهي عن التعصب لشخصٍ بعينِه 3/ النفس مشحونةٌ بحب العلوِّ والرياسة 4/ أسباب جرأة بعض العوام على الدُّعَاة والمشايخ 5/ تشريد السوريين وتهجيرهم 6/ الواجب نحو المشردين من المسلمين.

اقتباس

كم سمعنا في مجالسنا من يتّهم الدَّاعيةَ والشيخَ الفلانيّ, بأنّه إخوانيٌّ أو داعشيّ أو حزبيّ, لأنّ له أقوالاً قد يكون أخطأ فيها, وهي مغمورةٌ ببحار حسناته وفضائله. وكفى بالمرء نُبلاً أنْ تُعدّ معايبُه. فهل يعني ذلك بأنّ يُستباح عرضُه, وتُهدَرَ كرامتُه, ويُعادى ولا يُوالى وهو من جماعة المسلمين؟ من الذي أخرجه من جماعة المسلمين الذي يُحَبَّون ويُوالَوْن؟ مَن الذي أخرجه من دائرة الإسلام الواسعة, إلى دائرة الجماعات الضيّقة؟ إنّ هذا من التنابز بالألقاب, فكيف يستهين هؤلاء بأعراض الناس بهذه السهولة, فاتق الله يا من تَتَّهِمُ دُعاتَنَا ومشايخنا وخطباءنا, ولا تُفرّق جمعنا, ستُسأل والله عن اتهاماتك التي اتهمتَ بها الآخرين بلا علمٍ..

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيراً.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله, واعلموا أنّ من أعظم الْمُسلّمات في دين الإسلام: تقديمَ الكتاب والسُّنَّةِ على كلّ أحد, مهما عظم علمُه وعلتْ مكانتُه, قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [النساء: 59].

 

فطاعة الله تعالى وطاعةُ رسولِه مُقدَّمَةٌ على طاعة كلِّ أحد، وإن كان خيرَ هذه الأمة أبا بكر وعمر، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء, أقول: قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر وعمر".

 

فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس, الذين يعارضون الكتابَ والسنة الثابتة، والحجة الواضحة, بقولِ مَنْ دُونهما علمًا وفضلاً.

 

ولذلك كان السلفُ الصالحُ -رحمهم الله-, ينهون عن التعصب لشخصٍ بعينِه, يُوالي مَنْ وَالَى, ويُعادي من عادى, ويقبل أقواله, ويُقدمه على غيره, بمجرد رأيه, لا لِمَا اسْتند من الأدلة على أقواله.

 

ولقد رأينا مَنْ يجعل قول الشيخ الفلاني حجةً, بل ويجعل قدحه في أحد العلماء أو الدعاة مبيحًا له هو أيضًا في القدح والسب, وتنفير الناس منه.

فإذا كان هو معذورًا لاجتهاده وبحثه عن الحق, فما عذر المقلّد؟

 

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "النفس مشحونةٌ بحب العلوِّ والرياسة، بحسب إمكانها، فتجد أحدَهم يوالي من يوافقه على هواه، ويُعادي من يخالفه في هواه، وإنما معبوده: ما يهواه ويريده... وإن كان عالِمًا -أو شيخًا-, أحبَّ من يعظِّمُه بقبول قولِه، والاقتداء به: أكثرَ من غيره، وربما أبغض نظيره وأَتْبَاَعَه حسدًا وبغيًا، كما فعلت اليهود.. وإنما المؤمن من يُوالي جميع أهل الإيمان". ا.ه.

 

تأملوا قوله: "فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه"! كم هو منطبقٌ على كثيرٍ من أهل هذا العصر, فقد رأينا من يُحب ويُوالي فلانًا من الناس؛ لأنه على منهجه ورأيه, ويُعادي ويُبغض آخر؛ لأنه لا يسير على منهجه ورأيه, ولو كان موافقًا له في أصل اعتقاده ودينه ومذهبه.

 

وما أحسن ما قال: "وإنما المؤمن من يُوالي جميع أهل الإيمان" أي: أنَّ المؤمن حقًّا, الذي يُوالي جميع المؤمنين, ولا يشتغل بتصنيفِهم والقدحِ في بعضهم, بل يعذر المخطئ, ويُثني على المصيب.

 

وقال -رحمه الله-: "فكيف يجوز لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -, أنْ تَفْتَرق وتختلف، حتى يواليَ الرجلُ طائفةً, ويعادي طائفةً أخرى بالظن والهوى؛ بلا برهان من الله تعالى، فهذا فعل أهل البدع؛ كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين, واستحلوا دماءَ مَن خالفهم.. وإنما الواجب أنْ يُقَدَّمَ مَنْ قدَّمه الله ورسوله، ويُؤَخَّرَ مَن أخَّرَه الله ورسوله..

 

وأنْ يكون المسلمون يدًا واحدة، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويُكَفِّرُه، وقد يكون الصواب معه, وهو الموافق للكتاب والسنة؛ ولو كان أخوه المسلمُ قد أخطأ في شيءٍ من أمور الدين, فليس كلُّ من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان". ا.ه.

 

تأملوا قوله: "ليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا", أي: ولا يكون من أهل البدع والأهواء, ولا يلزم أن يكون من الجماعة الفلانيّة, أو الأحزاب الضالة.

 

كم سمعنا في مجالسنا من يتّهم الدَّاعيةَ والشيخَ الفلانيّ, بأنّه إخوانيٌّ أو داعشيّ أو حزبيّ, لأنّ له أقوالاً قد يكون أخطأ فيها, وهي مغمورةٌ ببحار حسناته وفضائله.

وكفى بالمرء نُبلاً أنْ تُعدّ معايبُه.

 

فهل يعني ذلك بأنّ يُستباح عرضُه, وتُهدَرَ كرامتُه, ويُعادى ولا يُوالى وهو من جماعة المسلمين؟ من الذي أخرجه من جماعة المسلمين الذي يُحَبَّون ويُوالَوْن؟ مَن الذي أخرجه من دائرة الإسلام الواسعة, إلى دائرة الجماعات الضيّقة؟

 

إنّ هذا من التنابز بالألقاب, فكيف يستهين هؤلاء بأعراض الناس بهذه السهولة, فاتق الله يا من تَتَّهِمُ دُعاتَنَا ومشايخنا وخطباءنا, ولا تُفرّق جمعنا, (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36].

ستُسأل والله عن اتهاماتك التي اتهمتَ بها الآخرين بلا علمٍ.

 

ومن أعظم أسباب جرأة بعض العوام على الدُّعَاة والمشايخ, تقليدُهم لبعض المشايخ القادحين في هؤلاء, فقد يكون هذا الشيخ معذورًا, وأمَّا هو فما عذره؟

 

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وليس لأحدٍ أنْ يَنْتَسِبَ إلى شيخٍ يُوالي على مُتَابَعَتِه، ويُعادي على ذلك؛ بل عليه أن يُواليَ كلَّ من كان من أهل الإيمان، ومن عُرِفَ منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرِهم.

 

وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غيرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي، غيرَ كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع, الذين يَنْصِبُون لهم شخصًا أو كلامًا يُفَرِّقُون به بين الأمة، ويوالون على ذلك الكلام, أو تلك النسبة ويعادون". ا.ه

 

تأملوا هذا الكلام الثمين, حيث إنه قَرَّر قاعدتين عظيمين:

القاعدة الأولى: أنه لا يجوز لأحدٍ أنْ يَنْصِبَ للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غيرَ النبي -صلى الله عليه وسلم-, فلا يجوز له أنْ يجعل الشيخ الفلاني هو الحق, ومَن عداه أو خالفه في بعض آرائه على الباطل.

 

القاعدة الثانية: أنه لا يجوز لأحدٍ أنْ ينصب للأمة كلامًا يوالي عليه ويعادي، غيرَ كلام الله ورسولِه وما اجتمعت عليه الأمة.

 

فكثيرًا ما نسمع من الجهال أنْ الشيخ الفلاني قال كذا, وقال عن فلانٍ كذا, وتُجعل أقوالُه حجةً على غيرِه, ولو كان غيرُه مثله في العلم والدين.

فلسان حاله يقول: كلام الشيخ حجةٌ ونصٌّ لا يجوز مُخالفتُه.

 

بل ويرى ذلك مبرِّرًا له في القدحِ في أعراض من يُخالف قولَه, وغيبتِهم والطعنِ في أعراضِهم, ففرقوا الأمة, وشقوا صفوف المسلمين.

 

نسأل الله –تعالى- أنْ يجمع كلمةَ المسلمين, وأنْ يُوحد صفّهم, إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين, وسلَّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين..

 

أما بعد: أمة الإسلام: لقد وقف العالَمُ أجمعُ, على ما يحدث للمسلمين من تشريدٍ وتهجير, وظلمٍ وقتلٍ, بل إنهم هم الذين دعموا بعض طغاة العرب, بسكوتهم عن جبروتهم وجورهم, ولو حصل عُشْرُ ذلك في بلدانهم, لحرَّكوا جُيُوشَهم خلال بضعة أيّام, كما حصل في أُوكرانيا.

 

وقد أمَاطَتِ الكثيرُ من الدول الغربية اللثام, عن وجهها الكالح الحاقد في هذه الأزمة, فطردوا الكثير من اللاجئين الْمُسْتَضْعَفِين واعتقلوا بعضهم, بل صرّح رئيس وزراء الْمَجر, بأنّ اللاجئين يهددون الهوية المسيحية لأوروبا, وبعض دولهم تستقبل نصارى الشام دون مسلميهم, فأيّ عنصريّةٍ وجريمةٍ أخلاقيّةٍ أعظم من هذا؟

 

هذا هو الموقفُ الرسميّ من وزرائهم ومُثقّفيهم, أمَّا موقف الكثيرِ من شعوبهم وتُجّارهم فأقبح وأشنع..

فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

ولقد وقفت بعض الدول الإسلامية والعربية موقفًا مُشرفًا تجاههم, فآووهم واسْتقبلوهم, بل صرّح أحدُ وزراء هذه الدول وفقه الله, بأنَّ السوريين ضيوفٌ عندنا وليسوا لاجئين.

 

إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى المُسْلِمِينَ نُصْرَةُ إِخْوَانِهِمُ المُهَجَّرِينَ وَالمُضْطَهَدِينَ وَاللَّاجِئِينَ بِإِيوَائِهِمْ وَإِطْعَامِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ، وَكَفَالَةِ أَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمْ، وَتَصْعِيدِ قَضِيَّتِهِمْ، وَإِظْهَارِ الْغَضَبِ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ بِهِمْ، مِنْ قَتْلٍ وَتَعْذِيبٍ وَتَهْجِيرٍ، مَعَ إِكْثَارِ الدُّعَاءِ لَهُمْ فَإِنَّ "المُسْلِمَ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ".

 

وَاللَّاجِئُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي شَتَّى الْأَصْقَاعِ فِي كَرْبٍ شَدِيدٍ، وَقَدْ ظَلَمَهُمُ المُجْتَمَعُ الدَّوْلِيُّ, وَأَسْلَمَهُمْ لِلْقَتْلِ وَالتَّهْجِيرِ وَالتَّشْرِيدِ, عَلَى أَيْدِي قَوْمٍ تَقْطُرُ قُلُوبُهُمْ حِقْدًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَبَاتَ المُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ هُمْ أَكْثَرَ اللَّاجِئِينَ فِي الْعَالَمِ, بسبب تَوَاطُئِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ عَلَيْهِمْ.

 

نَسْأَلُ اللهَ –تَعَالَى- أَنْ يُفَرِّجَ عَنِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَأَنْ يُفَرِّجَ كَرْبَهُمْ، وَأَنْ يَرْفَعَ الْبَلَاءَ عَنْهُمْ، وَأَنْ يُنْزِلَ عَافِيَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَكْبِتَ أَعْدَاءَهُمْ.

 

اللَّهُمَّ لُطْفَكَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ أَطْعِمْ جَائِعَهُمْ، وَاكْسُ عَارِيَهُمْ، وَأَمِّنْ خَائِفَهُمْ، وَآوِ مُشَرَّدَهُمْ، وَفُكَّ أَسِيرَهُمْ، وَدَاوِ جَرِيحَهُمْ، وَتَقَبَّلْ قَتْلَاهُمْ فِي الشُّهَدَاءِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

 

اللَّهُمَّ أَنْزِلْ غَضَبَكَ وَعَذَابَكَ عَلَى أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ، وَشَتِّتْ شَمْلَهُمْ، وَأَفْسِدْ خُطَطَهُمْ، وَرُدَّ كَيْدَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَسَلِّمِ المُؤْمِنِينَ مِنْ مَكْرِهِمْ وَشَرِّهِمْ.

 

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

 

 

 

المرفقات

إلى القادحين في دعاتنا ومشايخنا.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات