إغراءات وفتن الدنيا

عبد الوهاب العمري

2015-10-25 - 1437/01/12
عناصر الخطبة
1/الدنيا متاع 2/خوف النبي -صلى الله عليه وسلم- 3/الحث على ذكر الموت والتوبة 4/جريمة الزنا والتحذير منها 5/خطر الذنوب وبعض عقوباتها 6/ظاهرة تعلق الرجال بالنساء والعكس والتحذير من ذلك 7/تأخر الشباب والفتيات عن الزواج 8/مفاسد الوقوع في جريمة الزنا 9/فضل الصبر والثبات على الدين

اقتباس

هذه النار حفت بالشهوات، بالمغريات، حفت بما يمليه الشيطان على أصحابه ليكونوا من أصحاب السعير. وسوق الجنة، وسوق النار، قائم ا?ن، قائم كل يوم، قائم كل ساعة، في الحديث: "كلكم يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" أي: كل واحد منكم صبيحة كل يوم...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

اللهم لك الحمد كما يليق بجلال وجهك، وعظيم سلطانك، لك الحمد با?يمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالصحة في ا?بدان، وا?من في ا?وطان، ولك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا من قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو ظاهر أو باطن.

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك.

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.

أشهد أن ? إله إلا الله وحده ? شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70 - 71].

 

إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر ا?مور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

 

معاشر المسلمين: إن الله خلقكم، وجعل لكم الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، ذرأكم في ا?رض، واستعمركم فيها، وعما قريب ترحلون، وإلى الله ترجعون، وعلى أعمالكم تحاسبون، ليس في الدنيا قرار: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) [غافر: 39].

 

رحل من كان قبلنا، كانوا قد آتاهم الله ما لم يؤتنا من بسطة في ا?جسام، وطول في ا?عمار، وقوة في ا?بدان، وتحقيق لمتع الحياة، وقلة في فتنها، وأهوالها، وكربها وغمومها، أين هم؟

 

تلك آثارهم، تلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إ?قليلا.

 

أين هم؟

 

(مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء: 207].

 

قدموا إلى العمل، فإن قدموا خيرا فيا للسعادة والهناء، وإن قدموا شرا، فيا للشقاوة والعناء.

 

ونحن على آثارهم سائرون، ليس بين الله وبين أحد من خلقه نسبا، و? عهدا أن ? يعذبه بذنبه.

 

أشد الناس خوفا وأكثرهم شفقة أعلمهم بالله، ولذا أقسم رسولنا -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "والذي نفسي بيده ?نا أتقاكم لله، وأخشاكم له".

 

كان يبكي من خوف الله حتى يبل الثرى، وهو الذي غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر، وهو الذي وعد بالفردوس ا?على، وهو الذي أعطي الوسيلة والدرجة العالية الرفيعة، ما زاده ذلك إلا خشية من الله، وخوفا من الله، ورهبة من لقاء الله -عز وجل-، وكذا أصحابه من بعده، بشروا بالجنة وهم يسيرون على وجه ا?رض، بشروا بقصورها وبحورها، وبأنهارها، وكان أحدهم على خديه سوادين مثل شراكي النعلين من كثرة البكاء، خوفا من الله، وخشية لله، أين نحن منهم؟ أين نحن منهم والمسيرة واحدة، والطريق واحد، والملتقى واحد، والرب واحد، والحساب واحد؟

 

إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا.

 

معاشر ا?حبة: إن هذه الدنيا دار فتن وابتلاء.

 

خلق الله -تعالى- الجنة، فلما خلقها أرسل جبريل، فقال: "انظر فيها فلما رآها رجع، فقال: وعزتك وجلالك ? يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها الله -تعالى- بالمكاره، ثم قال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها فرجع، فقال: وعزتك وجلالك ? يكاد يدخلها أحد، وخلق الله النار، فقال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها الله بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها فرجع، فقال: وعزتك وجلالك ? يكاد ينجوا منها أحد".

 

هذه النار حفت بالشهوات، بالمغريات، حفت بما يمليه الشيطان على أصحابه ليكونوا من أصحاب السعير.

 

وسوق الجنة، وسوق النار، قائم ا?ن، قائم كل يوم، قائم كل ساعة، في الحديث: "كلكم يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" أي: كل واحد منكم صبيحة كل يوم يغدوا، أي يصبح، فيبيع نفسه إما إلى الجنة فيعتقها، وإما إلى النار فيوبقها.

 

سوق الجنة والنار قائم اليوم، من أطاع الله دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.

 

الله توعد بالنار على أعمال تصغر في عيوننا، وتيسر في أعمالنا، فمن الناجي غدا -عباد الله-؟ هل أنتم على استعداد للقاء الله -عز وجل-؟ أم عندكم عهد أن تطول أعماركم حتى تتدبروا أمركم وتنظروا في شأنكم؟

 

إن الموت أسرع إلى العبد، وأقرب إليه من حبل الوريد، هاهو يتخطفنا، لم يختر شيخا لشيخوخته، و? فارغا لفراغه، و? فقيرا لفقره، بل نراهم يؤخذون صباح مساء، يقدمون على الله، لو أذن ?حدهم لقال: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) [المؤمنون: 99 - 100].

 

فيا إخوة ا?سلام: كونوا على حذر، وفروا إلى الله، فلا ملجأ و? منجا منه إلا إليه.

 

وكلما تقربت إليه أنجاك، وكلما سألته أعطاك، وكلما تبت إليه تلقاك، وفرح بتوبتك واجتباك.

 

فاقبلوا هدى الله الذي أهداه إليكم، وفضل الله الذي سبغكم به: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم: 8].

 

فالله الله في توبة نصوح، فقد كان رسولكم -صلى الله عليه وسلم- يحسب له في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة: "استغفرالله العظيم، وأتوب إليه".

 

عباد الله: إن من أسرع الشهوات نفوذا إلى القلوب، وأسرعها أسرا للإنسان؛ أسره بشهوة فرجه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من يضمن لي ما بين لحييه، وبين فخذيه، أضمن له الجنة".

 

بين لحييك: لسانك، وبين فخذيك: فرجك، إن ضمنتها ضمنت لك الجنة.

 

الشهوات شهوات الفروج والبطون هي الموبقات، وأنت قد وهبك الله العقل، ونزل إليك الكتاب، والسنة بينت لك مصير أهل الافتتان بهذه الفتن: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) [الإسراء: 32].

 

وإن الناس في هذا الزمان كغيره من ا?زمان ? يزالون يفتنون الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، هي أعظم الفتن التي تزلزل القلوب، وتزلزل الضمائر، وتدفع ا?نسان إلى الشهوات المحرمات، بذلها الله حلال، وجعل هناك فتنة بها حراما، فمن اختار الحلا نجا، ومن تخبط في الحرام هلك: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النــور: 30].

 

وقال: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النــور: 31].

 

ويقول الله -تعالى-: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) [النــور: 33].

 

فمن يستعفف يعفه الله، ومن يتوقى يقيه الله: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 3].

 

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) [الطلاق: 2].

 

فلما حذر ا?سلام من الزنا وعواقبه أحاطه بحوائط أخرى للوقاية، وسد كل طريق تؤدي إليه، فأمر بغض البصر، ونهى عن اختلاط الرجال بالنساء، ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم للمؤمنين: "إياكم والدخول على النساء" قال رجل: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ قال : "الحمو الموت".

 

والحمو، هو قريب الزوج، أخوه، وعمه، وخاله.

 

فوصفه بالموت لسهولة وصوله إلى النساء في داخل البيت من غير المحارم.

 

وما خلا رجل بامرأة إ?كان الشيطان ثالثهما.

 

أمر الله رسوله بأن يحجب نساؤه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الأحزاب: 9].

 

وأمر أزواجه بالحجاب، فقال: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [الأحزاب: 53].

 

فإذا كانت نساء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صفايا رسول الله، خيرة من وطئ ا?رض من النساء، مأمورات أن يكن في سبيل الطهر أكثر وأكثر، فكيف بغير ذلك من نساء، ورجال المؤمنين؟

 

أطهر لقلبك أن ? تنظر إلى امرأة ? تحل لك قط، وسئلت عائشة: "ما خير ما يكون للمرأة؟ قالت: "خير ما يكون لها أن ? ترى الرجال و? يرينها".

 

ولما مدح الله حور الجنة، قال: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن: 56].

 

ثم الدرجة الثانية قال: (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) [الرحمن: 72].

 

فإذا كن في الجنة مقصورات على ا?زواج، متخدرات متحجبات، فكيف يكون في الدنيا السبيل إلى النجاة بغير هذه الوسيلة؟

 

الشر كل الشر، والدمار كل الدمار حين تهتك ا?عراض، وحينما يختلط الرجال بالنساء، وحينما ? يكون رادع و? وازع، فتتعلق الشهوات من الفريقين ببعضهما، ويتجرأ كل فريق على ا?خر، الذكر على ا?نثى، وا?نثى على الذكر.

 

إنه -والله- من النقم التي كان يتعوذ منها الصالحون، أن ينظر ا?نسان مجرد نظر إلى وجه امرأة بغي، فكيف بمعاشرتها ومخالطتها؟

 

صح في الحديث عند البخاري وغيره: أن رسولنا -صلى الله عليه سلم- ذكر رجلا عابدا من بني إسرائيل، قصر نفسه سنين طويلة على عبادة الله، وابتنى صومعة من طين في البراري يختلي فيها بنفسه، ? يكلم أحدا، و? يشتغل بغير طاعة الله، فتذاكره سفهاء بني إسرائيل، حسدوه على قدرته في التخلي بعبادة الله، وا?نفراد بنفسه، فقالت امرأة بغي منهم: مالي لو أغويته؟ فأعطوها جائزة كبيرة، إن هي قدرت على ذلك، فتزينت، ثم ذهبت إلى صومعته، فاحتالت للدخول عليه، فلم يعطها وجها، وصدها، واستطاع أن يفلت من شرها، فلما يئست منه جلست أسفل صومعته، فمر بها راع يرعى غنم له، فدعته إلى نفسها، فواقعها، فحملت، فرجعت إلى بني إسرائيل، وقالت لهم: إن جريج الراهب، قد أحبلها، فقاموا إليه بفؤوسهم، ومساحيهم، فهدموا صومعته، وجروا رجله، وذهبوا به إلى الحاكم، ووشوا به، وقالوا: هذه قد زنا بها وأحبلها، فوضع في السجن: لماذا؟

 

?ن أمه مرت عليه، وقد احدودب ظهرها من كبر السن، فوصلت إلى صومعته، ونادته.

 

وجاء في الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل نداءها حينما وضع يده على جبهته، ورفع رأسه، ويقول: "يا جريج! فسمعها، وهو قائم يصلي، فقال: يا رب أمي أم صلاتي؟! فاستمر في صلاته، فكررت الثانية: يا جريج! فقال: يا رب أمي أم صلاتي؟! ثم استمر في صلاته، فنادت الثالثة: يا جريج! فقال: يا رب أمي أم صلاتي؟!

 

ثم قدم حق الله، فاستمر في الصلاة، فغضبت أمه، ورجعت من عنده، ورفعت يديها، وقالت: "اللهم ? تمته حتى تريه وجوه المومسات".

 

"المومسات" الزواني.

 

فلما جره بنو إسرائيل، قال: ما لكم؟ قالوا: زنيت وأحبلت المرأة بالزنى، قال: ما فعلت، فذهبوا به إلى بيت الزواني، فأخرجوهن، فلما رأى الزواني ضحك، فقالوا: ما ضحك إلا لما رأى الزواني، فأخبرهم أنه تذكر دعوة أمه، حينما قالت: "اللهم ? تمته حتى تريه وجوه المومسات".

 

ثم أمر أن يحضر مولود هذه الزانية مع أمه، فأتت به تحمله، فنخس في بطنه، وقال: "يا غلام من أبوك؟" فأنطق الله هذا في المهد، وقال: أبي فلان الراعي".

 

فنجاه الله -تعالى- بطاعته، وصبره، وتحنثه.

 

الشاهد من الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ في دينه لَفُتِنَ".

 

لو أن أمه حين غضبت دعت الله أن يمسخه، أن يبعده عن دينه إلى الكفر لاستجاب الله دعاءها.

 

يا أهل العقوق للوالدين يا من هجرت أمك سنينا طائلة؛ ?نها أغضبتك في كلمة، ماذا ستلقى الله به غدا، وهي تبكي وتتوجع لفرقتك، أتريد أن تنجو عند الله؟

 

رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد.

 

والشاهد الثاني من الحديث: أن أمه دعت عليه أن يريه وجوه المومسات؛ ?ن رؤية وجوه المومسات عقوبة من الله.

 

من منا -يا أخوان- ? يرى وجوه المومسات كل يوم؟

 

في هذه القنوات الفاجرة، وهذه المواقع التي على النت، وفي هذه الصحف والمجلات، حينما تراها، وأنت راض، وأنت كاره، كيف ? تكون عقوبة؟

 

وكثير منا -نسأل الله العفو والمغفرة- كلما فتح موقعا على النت فيه خير، إذا بالإعلانات تمر عليه تدعوه إلى الرذيلة، وإلى الفاحشة، فينجر خلفها، فيرى بأم عينه ما يستحيا من ذكره، من الزنا، ومن الفجور، وفعل قوم لوط، والأمور التي تشيب لهولها الرؤوس، دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها.

 

إن في النار على حرها، وعظم شرها، تسيل فروج المومسات قيحا وصديدا، نهرا اسمه: الغوطة، في نار جهنم، من يسقى منه؟

 

من مات ولم يتب من شرب الخمر.

 

? إله إ? الله! انظر كيف تتكاتف هذه المنكرات مع بعضها؛ لتجر بعضها بعضا؟

 

يحرص أحدهم على المغامرة، والتخفي، والسرية، ليصل إلى قارورة خمر في الدنيا صنعها له فاجر نصراني، أو يهودي، أو فاسق، من مجاري المياه، فباعها عليه بأغلى الأثمان، ليسكر بها، لماذا؟

 

فإذا شربها لم تقبل له صلاة أربعين يوما، ولو مات وهي في ثنته، دخل النار، كما أخبر بذلك نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وقال: "حق على الله من مات وهو يشرب الخمر -أي: لم يتب منها- أن يسقيه من ردغة الخبال" قيل: ما ردغة الخبال؟ قال: "عصارة أهل النار".

 

ومن عصارة النار أشد ما فيها وأنتن ما في النار يتأذى منه أهل النار؛ نهر يجري من فروج المومسات، وقد جاء في الحديث: "أن أهل الزنا يكونون في النار في تنور خاص أعلاه ضيق، وأسفله واسع، يرفعهم اللهب إلى أعلاه، فإذا وصلوا إلى أعلاه غوغو -أي: صرخوا- فسمع أهل النار صراخهم، قال: قلت: يا جبريل من هؤ?ء؟ قال: هؤ?ء الزناة والزواني".

 

ماذا يغني عنك مشاهدة هذه ا?فلام، وهذه المناظر، حينما تدفعك وتجرك إلى الزنا؟

 

إخوة ا?سلام: إن مجتمعنا يعاني معاناة شديدة، من هذه الظاهرة القذرة، تعلق الرجال بالنساء، وتعلق النساء بالرجال، بل تجاوزها -وللأسف- المجتمع إلى تعلق الرجال بالرجال، النساء بالنساء، والقصص أكثر من أن تذكر، وأمر من أن تذكر على هذا المقام الشريف، لكن مجتمعات الشباب والبنات تضج بهذه العلاقات المحرمة، ويصارعون ?جلها مصارعة مع الشهوات، ومع نزغات الشيطان، صار -وللأسف- في بعض ا?حوال يشتكي الرجال من صولة النساء، ومن ابتزاز النساء، وتهييج النساء للرجال ?يقاعهم في المنكرات، ووالله للقصص أعظم من أن تذكر، أو يذكر بعضها، من هول ما يقع في مجتمعات المسلمين اليوم من هذا المنكر العظيم، وينجر المجتمع في وادي الرذيلة، ويتخلص من ثوابت الفضيلة، بسبب هذه ا?غراءات الفاتنة في القنوات الفضائية، كيف ينجو من هو أمام شاشة فيها أكثر من ألف قناة؟ يضل طول الليل وهو يقلب، ? يخرج من شر إ? إلى شر منه، و? من مومس إ? إلى مومس، و? من قذر إلا إلى قذر، كيف ينجو عقله؟ كيف ينجو قلبه؟ كيف ينجو فرجه؟ كيف يكون من أهل الجنة؟ وينجو من النار؟

 

وإن لم تكن قنوات، فكثير منا قد نجاه الله وبيته من هذه القنوات.

 

ما النجاة من شبكة النت؟ على الكمبيوترات في البيوت، بل وحتى في الجوا?ت في الجيوب، ? تكاد تفتح موقعا إ? وقعت في شر، إن لم يكن هناك حصانة داخلية، وخوف من الله، وإ? وقع من يقع، ? يرحم الكبير، فكيف يرحم الشاب الصغير، يفتن بها الكبار كما يفتن بها الصغار، يفتن بها كامل العقول من الرجال، فكيف بفتنة ناقصات العقل والدين من النساء، بنتك الشريفة العفيقة في بيت الطهر، والعفاف، تعرض لها هذه الصور، وهذه الفتن مرات.. مرات، وهي في خلوتها، وفي غرفتها ? يراها إ? الله، كيف تنجو؟

 

عباد الله: ومن أسباب كثرة ورود الناس في الزنا: العوائق التي يضعها الناس اليوم أمام الزواج العفيف الطاهر، ? تتزوج حتى تنتهي من الجامعة، وإذا انتهت من الجامعة فلا يتزوجها إ? ذو حظ عظيم.

 

ما هو الحظ؟

 

دراهم كثيرة.

 

متى يستطيع الزواج شاب ? يجد عملا و? وظيفة، وإن وجد عملا أو وظيفة ما استطاع أن يسد رمقه في سداد أجرة بيته، وقيمة سيارته، أو أقساطه التي فتنا بها في البنوك في كل شيء نريد أن نتمتع به أو نستغني به، فأصبح الكثير مكتف اليدين، والرجلين، لهذه القروض الربوية المدمرة.

 

متى يغض بصره؟ متى يحصن فرجه؟

 

تجد كثيرا من الشباب اليوم يتعدى خمسا وعشرين سنة، وثلاثين سنة، ? يحلم بالزواج، ومن ينتظره من النساء بالعشرات، أين يذهبن؟!

 

أمور محزنة ومبكية!.

 

عباد الله: المجتمع ملأ ا?ن بأمراض فتاكة لم يعرفها من قبل، وجودها دليل على صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وما فشى الزنا في قوم إ? ظهر فيهم من ا?وجاع والطواعين ما لم يكن في أسلافهم".

 

انظروا في ا?حصائيات عن مرضى ا?يدز في بلادنا أين وصلت؟

 

مرضى ا?يدز في البلاد ا?سلامية أين وصلت حساباته ومقاديره؛ أمور مفجعة مخيفة، مدمرة، فضلا عن غيره من ا?مراض القذرة ا?خرى التي أجمع أهل الطب أنه ? سبب لها إ? العلاقات الجنسية المحرمة.

 

فاتقوا الله -عباد الله- واطلبوا طريق النجاة ?نفسكم وأهليكم، بالتمسك بكتاب الله، وسنة رسول الله.

 

فروا إلى الله، باللجؤ إليه، وبالتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله.

 

فروا إلى الله، باللجؤ إليه، وسؤاله بأن ينجينا وينجيكم، وذرياتنا، وذرياتكم من نار الجحيم.

 

اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك.

 

استغفر الله لي ولكم ...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن ? إله إ? الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد:

 

عباد الله: أحبوا الله ورسوله من كل قلوبكم، فقد خرج رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يوما إلى البقيع، فسلم على أهل البقيع من المسلمين، ثم التفت إلى صحابي معه، وقال: "وددت لو رأيت إخواني؟ قال الصحابي: نحن إخوانك يا رسول الله، قال: "أنتم أصحابي، إخواني قوم لم يأتوا بعد، آمنوا بي، ولم يروني".

 

اللهم اجعلنا منهم.

 

وذكر في حديث آخر تسلسل ا?حداث والوقائع، ثم قال: "ومن ورائهن أيام الصبر، القابض فيها على دينه كالقابض على الجمر، أجر الواحد فيهم كأجر الخمسين منكم" قال الصحابة: بل منهم يا رسول الله؟ قال: "بل منكم، أولئك الذين يصلحون إذا فسد الناس".

 

ليس العجب اليوم في الهالك كيف يهلك، بل العجب اليوم في الناجي كيف ينجو؟!

 

كثرة الفتن، فالصابر على دينه مبشر بفضل من الله عظيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200].

 

الصابرون أجرهم عظيم: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].

 

الصابرون على طاعة الله، وترك معاصي الله أعظم أجرا من الصابرين على الحوادث، والكوارث المؤلمة المدمرة.

 

الصابر في الحفظ على دينه من الشباب أعظم أجرا من الصابر الحافظ لدينه من الكبار، والله ? يضيع أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستعن بالله يعنه الله، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف: 201].

 

هذه بشارة ?هل الصبر والتقوى: أنك إذا فعلت ما يعصي الله، فاستغفرت الله غفر لك، ألم يقل سبحانه: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133].

 

كأنه قيل: من المتقون؟

 

قال: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران: 134  - 136].

 

إن من جعلك في ميدان الابتلاء لم يقطع عليك خط الرجعة، بل وعدك إن تبت أن يتوب الله عليك، وإذا أقبلت على الله أقبل الله عليك، وإذا التجأت إلى الله آواك، ونجاك.

 

ابتعد عن طرق الغواية، وتب إلى الله، وأكثر من نداء الله، والاستغاثة بالله، أن يعصمك، وأن يحفظك، فإن الله حفيظ عليم.

 

إن من الذين يظلهم الله في ظله يوم ? ظل إ? ظله: "شاب نشأ في طاعة الله" ومنهم: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله".

 

فباستطاعة كل شاب أن يكون ذاك الشاب.

 

هاهي المغريات، هاهي الدعوات في كل لحظة وآن تدعوك إلى المنكر، فقل: "إني أخاف الله!" قلها في قلبك، قلها بلسانك، قل: "إني أخاف الله!" وأبشر بأن تكون ممن يظلهم الله في ظله يوم ? ظل إلاظله.

 

اللهم إنا نسألك العصمة في ألسنتنا، وفروجنا، وأعمالنا.

 

اللهم احفظنا بالإسلام ما أحييتنا، واحفظنا به إذا توفيتنا، ونسألك منقلبا إليك غير مخز و? فاضح.

 

اللهم تول أمرنا، واشرح صدورنا، ويسر أمورنا، واكفنا ما أهمنا، وأجرنا من مضلات الفتن.

 

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

 

 

المرفقات

إغراءات وفتن الدنيا.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات