إضاءات في طريق الأئمة والخطباء (1)

أحمد محمد زايد

2021-11-21 - 1443/04/16
التصنيفات: وعي الخطيب
الكتابة
26

اقتباس

الصوم دأبهم، والذكر ديدنهم، والتوبة شعارهم، والمحاسبة حالهم، والمجاهدة مقامهم، قلوبهم رقيقة، ودموعهم قريبة، لا يخافون الخلق وقد خافوا الخالق، لا يقصدون الناس وقد شغلهم الإخلاص ليتخلّصوا، هيأتهم السنة، وحديثهم الآية والأثر، بيوتهم على...

لا بد للدعاة من تذكرة تنبّه الغافل، وإضاءات تنير الطريق وتبصّر بالواجب، وهذه بعض إضاءات وبصائر في طريق الأئمة والخطباء:

 

الإضاءة الأولى: تقدير مكانة الإمامة في الدين:

لا بد لمن يمارس تعليم الناس دينهم ويخطب في الجماهير بكلمة الله وآثار رسوله -صلى الله عليه وسلم- ممن يطلق عليهم في زماننا الأئمة والخطباء أن يقدُروا خطورة مقامهم من حيث هو مقام رسول الله صلى عليه وسلم؛ فالإمام والخطيب والداعية قائم مقامَ صاحب الشّرع، يبيِّن للناس بقوله وعمله بل وتقريره كما قال الشاطبي -رحمه الله تعالى- في الموافقات.

 

وهذه المنزلة منزلة الإمامة تقتضي ممن لبس لباسها أمرين:

1- الوفاء والإتمام لكلمات الله.

 

2- اليقين، قال -تعالى-: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[البقرة:124]، وقال -تعالى-: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)[النجم:37]؛ فإبراهيم قال له الله -تعالى-: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، لما حصل منه وفاء تامّ لكلمات الله -تعالى- استلزم صبرا طويلا ومجاهدة شديدة أهلته لمقام الإمامة في الدين، ولذا قيل: "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"؛ فأين يقين الدعاة؟! وأين صبرهم؟! وأين إتمامهم لكلمات الله -تعالى-؟!

 

ألا ترى أن مقامك في الناس -أيها الخطيب- داعيا وواعظا دون هذه المؤهّلات تشبّعٌ بما لم تعط، والمتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.

 

إن نجاح الداعية يبدأ من هنا، من تقدير خطورة المهمّة والسعي الحثيث لامتلاك مقوّماتها، حتى تستحق وصف إمام، سيما وأن هذه المكانة اصطفاء من الله -تعالى- واختيار، وقد قال أهل المعرفة: "إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيمَ أقامَك"، وقد أقامك الله -تعالى- أشرف مقام؛ فلا تكن أقلّ منه، وقديما قال الشاعر:

قد رشحوك لأمر لو فطنت له *** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

 

وهذه الإضاءة مقدّمة لأختها التالية ودافعة عليها وهي:

 

الإضاءة الثانية: الربانية:

فالربانية سرّ الأسرار وأصل النجاح والانتصار، ولقد بحثت كثيرا في سير المصلحين المسلمين والمجدّدين المؤمنين في القديم والحديث، فرأيت بيقين أنّ القاسم المشترك بينهم جميعا هذا السر الخطير: الربانية؛ فلم يكونوا كسائر الناس في علاقتهم بربهم، لم يكن ليلهم كليل العامّة، ولا نهارهم كنهارهم؛ فالآخرة همّهم الأعظم، ونقاء قلوبهم وصفاء نفوسهم شغلهم الشاغل، حظّهم من الليل لا ينقطع، ونصيبهم من التضرّع والرجاء لا يتوقّف؛ فهم في اتصال دائم، جباههم ساجدة، وأقدامهم مصفوفة في الخلوة، دموعهم تسيل خشية ومحبّة، وأيديهم ممدودة بالعطاء لا تعرف الأخذ، همّهم هداية الخلق لا التّعالي عليهم، مهمّتهم أنهم يعرفون الحقّ ويرحمون الخلق، هم أزهد الناس في الحياة، وأشوق البرية إلى الآخرة، يحزن أحدهم ويبكي إذا فاته وِرده، ويعاقب نفسه إذا حدثته بمعصية؛ فكيف لو قاربها أو فعلها؟!

 

الصوم دأبهم، والذكر ديدنهم، والتوبة شعارهم، والمحاسبة حالهم، والمجاهدة مقامهم، قلوبهم رقيقة، ودموعهم قريبة، لا يخافون الخلق وقد خافوا الخالق، لا يقصدون الناس وقد شغلهم الإخلاص ليتخلّصوا، هيأتهم السنة، وحديثهم الآية والأثر، بيوتهم على الإسلام قائمة، وأموالهم من الحرام والشبه مطهرة، يضنّون بأوقاتهم لأنها ليست لهم ملكا بل لأمتهم؛ فلا لغو، ولا تفريط؛ فإن من علامة المقت إضاعة الوقت، لا يجادلون ولا يخاصمون، ولا يغترون ولا يتكبرون، التواضع شيمتهم، والجدّ متعتهم، يسيرون في دروب السابقين، ولا يغترون بزلات اللاحقين، ما أعظم حالهم في الصلاة! وما أجمل سمتهم مع الذكر والثناء! بهذا نجحوا لما كانوا ربانيّين بما كانوا يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون.

 

روى البغدادي في (الفقيه والمتفقه) تحت عنوان: "ما جاء في ورع المفتي وتحفظه" عدّةَ روايات تصوّر لنا هذا الجانب، أنقل بعضها مجرّدة من الأسانيد، منها: عن يحيى بن آدم قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "ما من الناس أعزّ من فقيه ورع".

 

وعن محمد بن القاسم بن خلاد، قال: كان يقال: "لا خير في القول إلا مع الفعل، ولا في المنظر إلا مع المخبر، ولا في الفقه إلا مع الورع".

 

وعن ابن عون قال: سأل الحسن عن رجل فقال رجل: يا أبا سعيد، الرجل الفقيه؟ قال: "وهل رأيت بعينيك فقيها قط؟! إنما الفقيه الذي يخشى الله -عز وجل-".

 

وعن مطر الوراق قال: سألت الحسن عن مسألة فقال فيها، فقلت: يا أبا سعيد، يأبى عليك الفقهاء ويخالفونك، فقال: "ثكلتك أمك مطر، وهل رأيت فقيها قط؟! وهل تدري ما الفقيه؟! الفقيه الورع الزاهد الذي لا يسخر بمن أسفل منه، ولا يهمز من فوقه، ولا يأخذ على علم علمه الله حطاما".

 

وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنزل الله -تعالى- في بعض كتبه أو أوحى إلى بعض أنبيائه: قل للذين يتفقهون لغير الدين، يتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون للناس مسوك الكباش، قلوبهم كقلوب الذئاب، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، إياي يخدعون؟! أو بي يستهزئون؟! فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم حيران".

 

وعن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب أنه قال: "ألا أنبّئكم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمّنهم مكر الله، ولم يترك القرآن إلى غيره، ولا خير في عبادة ليس فيها تفقّه، ولا خير في فقه ليس فيه تفهّم، ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر"، وفي رواية أخرى عن علي قال: "ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ من لم يؤيس الناس من رحمة الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ألا لا خير في علم لا فقه فيه، ولا خير في فقه لا ورع فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها".

 

ومن هذه النصوص يظهر جليا أن فقه السلوك أو فقه النفس أمر ضروريّ للدعاة، كما ظهر أن الدّاعية فقيهَ النفس هو الورِعُ عن المحارم كلها، العامل بالعلم، الذي يستوي لديه المظهر والمخبر، المتحقق بخشية الله -تعالى-، الذي لا يشتري بآيات الله ثمنا قليلا، الذي يحب الخلق ويحترمهم؛ فلا يسخر ممن تحته ولا يهمز من فوقه، الذي يجمع مع فقه العلم فقهَ الدعوة؛ فلا يقنِّط الخلق من رحمة الله، ولا يجرِّئهم على معصيته، الذي يعايش القرآن ويتدبره.

 

وسأختصر في هذا المقام نصا مطولا للفقيه الداعية ابن بطة -رحمه الله تعالى- يبين فيه حال الفقيه الداعية الذي يجوز تقليده والفزع إليه عند المشكلات والانقياد إلى طاعته عند نزول المعضلات وحلول الشبهات، قال -رحمه الله- مخاطبا السائل الذي كتب من أجله تلك الرسالة التي نقتبس منها: "وسأنعت لك معنى الفقه والفقيه من العربية والشريعة الإسلامية نعتا جامعا من الشهادة المقنعة والدلالة الشافية، مختصرا ذلك ومقتصرا على بعض الرواية دون النهاية، وملخصه من الرواية بما فيه الكفاية، تلخيصا يأتي على ما وراءه ويغني عما سواه".

 

هذا جزء من مقدمته للرسالة بنصه، وألخص هنا باختصار بعضا مما ورد في رسالته النفيسة، بين -رحمه الله- أن الله -تعالى- دعانا إلى توحيده والمعرفة بعظيم قدرته بما دلنا عليه من بديع صنعه وعجيب حكمته، وفصل هذه الآيات للفقهاء العلماء لأنهم هم الذين فهموا عنه وفقهوا معنى مراده، فجاز أن يدلّوا عليه بما دلهم به على نفسه، وجاز أن يكونوا هم النصحاء لعباده بما نصحوا به أنفسهم, فإن الله قال: (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)[الأنعام: 97]، وقال: (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)[الأنعام: 98]؛ فهم بالعلم الذي فقهوه عن الله صفوة الله من عباده وأهل نوره في بلاده، اصطفاهم الله لعلمه واختارهم لنفسه، فأقام بهم حجته، وجعلهم قوامين بالقسط ذُبَّابا عن حُرمه نصحاء له في خلقه؛ فلذلك أمر الله -تعالى- بمسألتهم والنزول عند طاعتهم؛ فطاعتهم على جميع الخلق واجبه، ومعصيتهم محرمة، من أطاعهم رشد ونجا، ومن خالفهم هلك وغوى..

 

ثم قال -رحمه الله-: "ولهذا الفقيه الذي أراد الله به خيرا صفات وعلامات وصفها العلماء وأبانت عن حقائقها العقلاء؛ فعن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله -عز وجل-، وقال ابن مسعود: "كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا"، وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: "إن الفقه ليس بكثرة السرد وسعة الهدر وكثرة الرواية، وإنما الفقه خشية الله -عز وجل-".

 

وسئل سعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم، وعن الحسن قال: الفقيه المجتهد في العبادة الزاهد في الدنيا والمقيم على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

وعن وهب بن منبه قال: الفقيه العفيف المتمسك بالسنة، أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان.

 

وعن مقاتل بن محمد قال: خرجنا مع سفيان بن عيينة إلى منى في جماعة فيهم أبو مسلم المستملي، فقال سفيان في بعض ما تكلم به: العالم بالله الخائف لله وإن لم يحسن: فلان عن فلان، ومن لم يحسن العلم والخوف من الله فهو جاهل وإن كان يحسن: فلان عن فلان.

 

 وعن حبان بن موسى قال: سئل عبد الله بن المبارك: هل للعلماء علامة يعرفون بها؟ قال: علامة العالم مَن عمل بعلمه، واستقل كثير العلم والعمل من نفسه، ورغب في علم غيره، وقبل الحق من كل من أتاه به، وأخذ العلم حيث وجده؛ فهذه علامة العالم وصفته.

 

وعن الحسن قال: الرجل إذا طلب بابا من العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده وصلاته وبدنه، وإن كان الرجل ليطلب الباب من العلم فلهو خير له من الدنيا وما فيها.

 

وكتب الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- عن محمد بن الحجاج كلاما وأملاه على أصحابه قال فيه: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسَه -يعني للفتوى حتى يكون فيه خمس خصال: أما أولاها فأن يكون له نية؛ فإنه إن لم تكن له فيه نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، وأما الثانية فيكون له خلق ووقار وسكينة، وأما الثالثة فيكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته، وأما الرابعة فالكفاية، وإلا مضغه الناس، وأما الخامسة فمعرفة الناس.

 

وورد عن سفيان بن عيينة قال: إذا كنت في زمان يرضى فيه بالقول دون الفعل والعلم دون العمل فاعلم بأنك في شر زمان بين شر ناس".

 

ثم بين -رحمه الله تعالى- أن الدعاة إذا لم يتخلقوا بما ذكر ويتحققوا بفقه النفس وحسن السير والسلوك إلى الله انقلب حالهم إلى شر وضياع، فتغيرت أحوال الناس بتغير حال العلماء. وقد ختم رسالته بهذا القول له: "إن العالم إذا زل عن المحجة وعدل عن الواضحة وآثر ما يهواه على ما يعلمه وسامح نفسه فيما تدعوه إليه زل الناس بزلَلِه, وانهمكوا مسرعين في أثره، يقفون مسلكه، ويسلكون محجته، وكان ما يأتونه ويرتكبونه من الذنوب وحوبات المأثم بحجة وعلى اتباع قدوة؛ فلا تجري مجرى الذنوب التي تمحى بالاستغفار ومرتكبها بين الوجل والانكسار؛ فالمقتدون به فيها كالسفينة إذا غرقت غرق بغرقها خلق كثير وجوهر خطير أضعاف ثمنها وقيمتها وبأضعافٍ مضاعفة، والله أعلم".

 

الإضاءة الثالثة: التطلّع إلى الرسوخ في العلم:

العلم شرف مقصود ومنبع مورود؛ فهو نور القلوب وضياء العقول، وضابط الأعمال وقانون السلوك، لا حجة لأي شيء معه؛ فهو حجة الحجج، والمرجع عند اللجج، لا تنتهي رحلته، ولا تشبع لطالب منه نهمته، (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)[طه: 114].

 

والخطباء والأئمة اليوم أحوج الناس إلى الرسوخ في العلم من أي زمن مضى؛ فلا يصح من الناس في هذا الشأن إلاّ المليء. ولا تحسبنّ -أخي الخطيب- أن مجرد الوقوف مع كتب الوعظ أو غيرها سويعات ودقائق لتحضير خطبة أو درس لا يتجاوز ساعة هو العلم، بل هذه ثقافة إن جوزنا إطلاق ذلك عليها، والعلماء يفرقون بين العلم والمعلومات، والفرق بينهما أن المعلومات مفردة, والعلم نسق مرتبط بعضه ببعض, له منهج وله استعمال, وهذا هو الفرق بين العالم والمثقف, فالمثقف عنده كثير من المعلومات في مادة معينة لكن ليس عالما في هذه المادة، وقد تفوق معلوماته معلومات بعض علماء هذه المادة, لكن لا بد علينا أن نعي طرق الاستعمال, وأن نعي الربط بين المعلومات, وأن نعي المعلومات أيضا حتى نحصل علما معينا.

 

وقد يظن البعض في نفسه العلم أو يُظَنّ به، فتبدأ رحلة التوقّف بعد أن ضرب الكبر والعُجب النفس؛ فلا يقرأ المرء ولا يحني ظهره أمام الكتب؛ لأنه صار عند نفسه عالما، حسِبه الرّعاع كذلك، روى الشاطبيّ في (الإفادات والإنشادات) رواية تصوّر لنا من العالم بعلم حقّا، خلاصتها أن المرء لا يكون عالما بعلم حقّا حتى يتمكن من ثلاثة أمور:

1- الإحاطة بهذا العلم، بمعنى تحصيل جميع مسائله وتصورها.

 

 2- القدرة على العبارة عنه بأحسن بيان، يعني التمكن من التعبير عن مسائله.

 

3- القدرة على رد الشبهات حوله.

والرسوخ في العلم غير مجرد ممارسة العلم ومعالجته؛ فالراسخ في العلم لا يتطرّق إليه شك ولا ريب، لا يتبع الشبهات، ولا يتأثر بالسقطات والزلات، قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ)[آل عمران: 7]. ولن تكون راسخا في العلم ما لم تكن لك جولات واسعة مع علم الكتاب والسنة، تتشبع بهما حفظا وفهما، لا استظهارا وترديدا؛ فالداعي الراسخ لا بد أن يتقن القرآن الكريم ويقرأ تفسيره، ويطالع كتب السنة ويعيش مع أبوابها ونصوصها، ويقرأ الفقه، ويدرس السيرة والتاريخ، ويحصل الأدب والشعر، ويدرك الواقع.

إن الكلام العجيب الذي نسمعه اليوم في وسائل الإعلام في الخطب والدروس والفتاوى وغيرها إنما كان أحد أسبابه الرئيسة الجهل الذي يصحبه التعالم ويغذيه الغرور غالبا، أما الراسخون في العلم فهم الذين يقنعون الناس، ولا يتجرؤون على القول في دين الله بلا علم. إن الأمة أمانة في أيدي الدعاة، تنتظر منهم الدواء كما تنتظر من الطبيب الحاذق الدقة في التشخيص ووصف الدواء، وقد أشفق أصحاب محمد بن الحسن عليه من طول سهره في المذاكرة والطلب فقال لهم: "إن أمة محمد تنتظرنا؛ فلو نمنا من يعلمهم".

فيا أيها العالم والخطيب والداعية، لا تضيع وقتك فيما لا يفيد أمتك؛ فوقتك ملك لها، تعتمد عليك في بيان الحق، وتنتظر منك علما لا غثاء؛ فلا تخن الأمانة، ولا تضيع بالجهل الرسالة.

 

الإضاءة الرابعة: التميز والتجدد والتجديد:

التميز والانفراد غير الشذوذ والمخالفة؛ فالتميز سير في طريق الرقي والتطوير، والخطباء اليوم كثر، لكن المتميز منهم قليل؛ فالناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة؛ فالرواحل من الدعاة والخطباء قلة مطلوبة ودرة منشودة. والتميز الذي نقصده يتمثل في الآتي:

1- تميز الداعية في هيئته ومظهره.

 

2- تميزه في خلقه وتعامله.

 

3- تميزه في أسلوبه وعرضه.

 

4- تميزه في أفكاره وطرحه.

 

5- تميز مسجده بحيث يكون قبلة للناس جميعا، فيكون مصدر إشعاع ونور؛ ففيه القرآن والعلم والتعليم، وفيه الرعاية الاجتماعية، وفيه يتصالح المتخاصمون، ومن خلاله وبتوجيهاته تنطلق مشاريع الخير، تعرض مشكلات الحي على الإمام ومن معه من أهل الخير والتقدم.

 

وبالجملة فهو مرجع الناس في دينهم ودنياهم؛ فليس المسجد موضع صلوات تؤدى في بضع دقائق أو شعيرة تؤدى يوم الجمعة في أقل من ساعة ثم ينصرف الناس، كلا، إن المسجد في الإسلام صانع الحضارة ومحرك الأمة ومربي الأجيال.

 

إن الخطيب الناجح يجدد في أسلوبه وأفكاره، والتجديد من جوانبه: إحياء ما اندرس من السنن، ومحاربة ما ظهر من البدع بأفضل الوسائل، وإعادة التمسك بما أهمله الناس من دينهم، وتعليم الناس ما جهلوه، وتصحيح ما انحرفوا في فهمه من الإسلام. فليست المهمّة إذا نقل كلام الكتب وعرضها أيّا كان المنقول وأسلوب عرضه؛ لأن الداعية صاحب فكرة وهدف وصاحب رسالة، بين يديه واقع يجب التعامل معه بحكمة بالغة ومنهج سديد.

إن التميز والتجديد بجوانبه التي أشرنا إليها لفي حاجة إلى خطّة محكمة لتصِل إليها أيها الداعية، وإلا فأنت في ركب المقلدين الذين لا يغيّرون ولا ويؤثّرون، ولا يتحركون إلاّ في محلهم إن لم يرجعوا للوراء.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات