إضاءات دعوية من سورة نوح -عليه السلام-

د سامي بشير حافظ

2021-08-03 - 1442/12/24
التصنيفات: وعي الخطيب

اقتباس

إنَّ وجود التحفيز من قِبَل الدعاة للمدعوين من جوائز عينية ومالية في بعض مسابقات القرآن والسنة والعلم النافع وغيرها - هي من باب حث الناس وتشجيعهم على الطاعات، وهو أمر مباح لا يقدح في الإخلاص، بل هو مما جاءت به الشريعة

1 - يا قوم إني لكم نذير مبين:

قال تعالى عن نوح -عليه السلام-: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[نوح: 2 - 4].

فنوح -عليه السلام- عندما دعا قومه خاطبهم بقوله: "يا قوم"، فإنهم من قومه وعشيرته ولو كانوا كفارًا، ثم بيَّن لهم أنه نذير من عند الله، واضح النذارة يذكِّرهم ويُنذرهم، ومُبِين يُبيِّن لهم ما أمره الله به من عبادته وتوحيده وتقواه، وأمرهم بطاعته في ذلك، ثم بشَّرهم إن هم فعلوا ذلك فسيغفر لهم ربهم ذنوبهم، ويُمتعهم في هذه الدنيا، ويدفع عنهم الهلاك إلى أجل مقدَّر؛ أي إلى موتهم، فإنَّ أجل الله إذا جاء فإنه لا دافع له ولا مانع، فسيقع في وقته المحدد.

 

من الإضاءات الدعوية:

1- من وسائل الدعوة إلى الله حسن الخطاب والرفق واللين عند المناداة؛ قال نوح -عليه السلام- لقومه: (يا قوم): مناداة بأسلوب يُظهر للمخاطب أنه منهم ويحب الخير لهم، فمثل ذلك يستثير مشاعرهم، ويحقق اطمئنانهم، ويكون أقرب لاستجابتهم؛ قال ابن تيمية -رحمه الله- في بداية السورة عند قوله تعالى: (أن أنذر قومك): "وعُدل عن أن يُقال له: "أنذر الناس" إلى قوله: (أن أنذر قومك) إلهابًا لنفس نوح؛ ليكون شديد الحرص على ما فيه نجاتهم من العذاب، فإنَّ فيهم أبناءه وقرابته وأحبته"[1].

 

2- من حسن الخطاب مناداة الداعية للمدعو بقوله: "يا أخي"، "يا غالي"، "يا بنيَّ"، أو بكنيته كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لعتبة بن ربيعة وهو يحاوره - وكان كافرًا -: "يا أبا الوليد"[2]، ومن ذلك أن يخاطب الداعية المدعوين ويُذكِّرهم بطيب أصلهم، وحسن سيرتهم، وبفضائلهم وإنجازاتهم إن كانوا يستحقون ذلك.

 

 3- على الداعية أن يُبلِّغ دين الله بوضوح تام بلا لبس ولا غموض، وأن يوصل رسالته بلغة سلسة واضحة يفهمها المدعو، ومن الإيضاح والبيان في خطاب الداعية أن يتأنَّى في كلامه ولا يسرع، ويكون كلامه فصلًا، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كان كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلامًا فصلًا يفهمه كل من يسمعه"[3].

 

4- من وسائل الدعوة البدء بالأهم فالأهم، فنوح بدأ بدعوتهم إلى التوحيد: (أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون)، وهذا هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام؛ قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[النحل: 36].

 

5- من وسائل الدعوة بدء الدعوة بأسلوب الترغيب؛ قال نوح -عليه السلام- لقومه: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)[نوح: 4]، فبدأ بترغيبهم بالمغفرة لذنوبهم عند استجابتهم وإيمانهم بربهم، فأسلوب الترغيب محبب للنفس، سريع الأثر، قريب الإجابة، ولو بدأ بأسلوب الترهيب والتخويف، فقد لا يلقى استجابة ولا قبولًا، بل يجد نفورًا وإعراضًا إلا في بعض الحالات.

 

2 -فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا:

قال تعالى عن نوح -عليه السلام-: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)[نوح: 5 - 7].

 

يُخبر نوح ربه -عليه السلام- أنه دعا قومه في كل وقت وزمان ليلًا ونهارًا، فلم تزدهم هذه الدعوة إلا نفورًا وبُعدًا عنه وعن الإيمان بالله، وكلما دعا قومه للإيمان بالله وطاعته لما فيه سبب لمغفرة الذنوب، قابلوا ذلك كله بوضع أصابعهم في آذانهم؛ حتى لا يسمعوا دعوته، وغَطَّوا وجوههم بثيابهم حتى لا يروه، وأصَرُّوا واستمروا على ما هم عليه من الشرك والطغيان استكبارًا وعنادًا.

 

من الإضاءات الدعوية:

1- من صفات الداعية عدم اليأس والقنوط من دعوة الآخرين، ولو طال الأمد وطال الطريق، ولقد لبث نوح -عليه السلام- في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وبعد هذه المدة الطويلة والسنين الكثيرة لم يؤمن معه إلا قلة من الناس؛ قال تعالى: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ)[هود: 40]، قيل: كانوا عشرة، وأكثر ما ذكر أنهم: ثمانون، وبعض الدعاة ربما دعا أهله أو أقرباءه مرة أو مرتين، فإن لم يرَ منهم استجابة أيِس منهم وتركهم، ولربما حكم على بعضهم فقال: هؤلاء ليس فيهم خير.

 

 2- من صفات الداعية رفع شكواه إلى الله وطلب النصر منه سبحانه، فقد يجد الداعية رفضًا له وبغضًا لدعوته، وعدم استجابة له، واستهزاء وسخرية منه، فيرفع يديه إلى مولاه الذي هو يدعو إليه، فيشكو له حاله، وما فُعل به.

 

3- من صفات الداعية عدم مقابلة السيئة بالسيئة، فنوح -عليه السلام- عندما دعا قومه قابلوه بوضع الأصابع في الآذان، وتغطيتها بالثياب، حتى لا يسمعوا شيئًا من الحق، ومثل هذه الصورة الاستفزازية والفعل المعاند قد يجعل الداعية يغضب ويرد عليهم برد غليظ شديد، وقد يترك الدعوة محتجًّا بأنه بلَّغ ما عليه وهم من رفضوا الدعوة، ولكنَّ نوحًا -عليه السلام- لم يفعل مثل ذلك، بل صبر عليهم واستمر في دعوتهم.

 

4- من صفات بعض المدعوين العناد والكبر ورد الحق، مع علمهم أنه حق استكبارًا منهم، كما قال تعالى عن فرعون: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)[النمل: 14].

 

 3 - ثم إني دعوتهم جهارًا:

قال تعالى عن نوح -عليه السلام-: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا)[نوح: 8، 9].

 

يخبر نوح -عليه السلام- ربه بأنه دعا قومه جهارًا أمام الناس، ودعاهم علانية أي بكلام ظاهر وبصوت عالٍ، ثم دعاهم بالسِّر بينه وبينهم خفية.

 

من الإضاءات الدعوية:

1- قال البقاعي -رحمه الله-: "ولما كان الجهر قد لا يشيع ولا ينشر في جماعاتهم، قال مشيرًا إلى أنه أذاع ذلك، وأكد للإشارة إلى ما فيه من الشِّدة، فقال: (ثم إني أعلنت)؛ أي: أظهرت وأشعت وشهرت؛ ليعلموا أنه الحق من ربهم"[4].

 

2- من وسائل الدعوة تنوع الوسائل بحسب حال المدعو، فالناس تختلف قدراتهم وأحوالهم وبيئاتهم، كما أنه تختلف طبائعهم، فمنهم مَن إذا وُجِّهت الدعوة له جهرًا أمام الناس تأخذُه العزة والأَنَفة، فيردُّ الحق ولا يستجيب تكبرًا وغرورًا، أو خوفًا من معايرة أهله وعشيرته، فمثل هذا يُدعى سرًّا، وهذا هو الأصل في الدعوة، قال البقاعي -رحمه الله-: "وكان السِّر أجدر بمعرفة الضمائر، وأقرب إلى الاستمالة، أتبعه - أي نوح -عليه السلام- به فقال: (وأسررت لهم)؛ أي دعوت كل واحد منهم على انفراده؛ ليكون أدعى له وأجدر بقبوله النصيحة، وأدل على الإخلاص"[5]، ومنهم من توجَّه له الدعوة علانية إذا اقتضت الحكمة ذلك، كالمناظرة أمام الناس وكشف ضلال الضَّال، وفضْحه، وبيان ضعف حجته، خاصة إذا كان ممن له أتباع وجمهور، وهذه الحالة تكون فيما إذا كانت الدعوة موجهة لشخص بعينه، وأما إذا كانت الدعوة عامة لجميع الناس، فلا بأس أن يدعو الداعية وينصح ويوجه علانية، عن طريق الخطب والكلمات والمواعظ؛ لأن مثل ذلك عام لا يُخاطب به أحد بعينه.

 

3 - نوح -عليه السلام- استخدم جميع الوسائل الممكنة لدعوة قومه، الليل والنهار، الإسرار والعلانية، الجهر والخفاء، التكرار والتنوع، فعلى الداعية استخدام جميع الوسائل التي يمكن من خلالها دعوة الآخرين، ومن فضل الله علينا ومنته أنَّ في هذا العصر الحديث تنوعت وسائل التواصل مع الآخرين بشكل كبير جدًّا، ومن ذلك وسائل التواصل الاجتماعي (سناب شات، فيسبوك، تويتر، واتس آب، تليجرام، وغيرها كثير)، وكل فترة نسمع ببرامج جديدة، فالداعية الحريص يواكب الناس في وسائلهم - ما لم تكن محرمة - ويستثمر مثل هذه البرامج والوسائل في الدعوة إلى الله، ولا يكتفي بما تعوَّد عليه من وسائل تقليدية، مع أهميتها بلا شك.

 

4 - فقلت استغفروا ربكم:

قال تعالى عن نوح -عليه السلام-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)[نوح: 10، 12].

 

عندما دعا نوح -عليه السلام- قومه للإيمان بالله -عليه السلام-، رغَّبهم في الاستغفار، وبيَّن لهم أنَّ ربهم غفَّار كثير المغفرة لمن تاب وأناب، ثم بيَّن لهم أنَّ استغفارهم وتوبتهم سببٌ لنيل الخيرات الدنيوية؛ من إنزال المطر من السماء، ومدِّهم بالأموال والبنين، وتحصيل الجنان والبساتين والخيرات والأنهار، وكل ذلك النعيم من أعظم ما يطلبه الإنسان ويرجوه في الدنيا.

 

من الإضاءات الدعوية:

1- من وسائل الدعوة إلى الله الترغيب بنعيم الدنيا عند فعل الطاعات، حيث رغبهم نوح -عليه السلام- في الاستغفار والتوبة إلى الله مقابل حصولهم على نعيم الدنيا من إنزال المطر، وكثرة المال والبنين، وكثرة الخيرات والبساتين، فالمدعو بطبيعته البشرية يحب ما في الدنيا من نعيم آجل حاضر، فالله -عليه السلام- جعل مثل ذلك تحفيزًا للعباد حتى يُقبِلوا عليه ويطيعوه ويعبدوه، قال الألوسي -رحمه الله-: "ولذلك وعدهم على الاستغفار بأمور هي أحب إليهم وأوقع في قلوبهم من الأمور الأخروية - أعني ما تضمنه يُرْسِلِ السَّماءَ إلخ - وأجبتهم لذلك لما جُبِلوا عليه من محبة الأمور الدنيوية، والنَّفس مُولعة بحب العاجل، قال قتادة: كانوا أهل حب للدنيا، فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق التي يحبونها"[6].

 

2- إنَّ وجود التحفيز من قِبَل الدعاة للمدعوين من جوائز عينية ومالية في بعض مسابقات القرآن والسنة والعلم النافع وغيرها - هي من باب حث الناس وتشجيعهم على الطاعات، وهو أمر مباح لا يقدح في الإخلاص، بل هو مما جاءت به الشريعة.

 

5 - ما لكم لا ترجون لله وقارًا:

قال تعالى عن نوح -عليه السلام-: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا)[نوح: 13 - 18].

 

بعد أن دعا نوح قومه بالترغيب، انتقل إلى الترهيب، فأخذ يُذكِّر قومه مُنكِرًا عليهم عدم تعظيمهم لله خالقهم ومولاهم المستحق للعبادة والطاعة، فهو الذي خلقهم أطوارًا مراحل في بطون أمهاتهم بداية من نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم طفل ثم رجل، ثم ذكَّرهم بما يرونه ويشاهدونه من خلق السماوات السبع كل سماء فوق الأخرى، وجعل القمر فيهن نورًا يستضاء به، والشمس سراجًا، وهو سبحانه الذي خلق آدم من التراب وخلق ذريته من بعده من صُلبه، ثم بعد ذلك يُميتهم ويرجعهم إلى الأرض مرة أخرى، ثم يخرجهم منها عند البعث والنشور.

 

من الإضاءات الدعوية:

1- الداعية يبدأ دعوته بالترغيب والتحفيز، وقد ينتقل إلى الترهيب والتحذير والتخويف، إذا لم يجد نتيجة ولا استجابة؛ قال ابن عاشور -رحمه الله-: "بدَّل خطابه مع قومه - أي نوح -عليه السلام- من طريقة النصح والأمر إلى طريقة التوبيخ بقوله: (ما لكم لا ترجون لله وقارًا)"[7].

 

 2- من وسائل الدعوة إلى الله استعمال الاستفهام الإنكاري[8] والتقريري[9]؛ حيث قال نوح -عليه السلام-: (ما لكم لا ترجون لله وقارًا؟)، وقارًا؛ أي تعظيمًا، فالاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم، وأما الاستفهام التقريري، فقال: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا)[نوح: 15]، وكل هذه الاستفهامات لا يُراد منها الجواب، بل المدعو سيُجيب نفسه بنفسه عليها، وتستخدم وسيلة الاستفهام بنوعيه إما لتوبيخ المدعو، أو لومه، أو إدانته، أو تقريره على أمر ما، ونحو ذلك.

 

3- من وسائل الدعوة إلى الله الإعجاز العلمي، فنوح -عليه السلام- قال لهم: (وقد خلقكم أطوارًا)، فالداعية يُذكِّر المدعوين بمراحل تكوينهم في بطون أمهاتهم ابتداء بالنطفة ثم العلقة ثم المضغة، وفي ذلك الزمن قد يعلمون بهذه الأطوار والمراحل علمًا ظاهريًّا بما يبدو لهم، ولكن في هذا الوقت مع تقدُّم العلم بمراحل كبيرة وصل الإنسان إلى مراحل في العلم لم يكن وصلها من قبل؛ من حيث الأطوار التي يمر بها الجنين وما فيها من خفايا وأمور لا تظهر عيانًا للناظر، ومع تقدم الأجهزة والوسائل الحديثة أظهرت عجائب قدرة الله في خلقه وبديع صنعه، فاستخدام وسيلة الإعجاز العلمي الاستخدام الصحيح يصل بالمرء المدعو إلى وجود خالق قادر عليم عالم -جل وعلا-، هو من خلَق هذا الخلق بهذا الشكل العجيب والصورة المتقنة، وبعث فيه الحياة والروح، فاستخدام الداعية للإعجاز العلمي في دعوة الكفار - وكذلك المؤمنين - وتذكيرهم بالخالق -جل وعلا-، كفيل بأن يُؤمن الكافر ويُصدِّق، ويتعظ المؤمن ويعتبر ويزيد من إيمانه.

 

4- من وسائل الدعوة إلى الله الاستدلال بالآيات الكونية على توحيد الألوهية، فقال تعالى عن نوح: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)[نوح: 15 - 17]، فمن قدر على خلق الكون والكواكب والسماوات والأرض بكِبرها وعظيم خلقتها أليس هو أَولى بالعبادة من غيره؟ وهذه الوسيلة هي من الإقناع العقلي كذلك.

 

5- من وسائل الدعوة إلى الله تذكير الداعية للمدعو ببداية خلقته وقدرة الله على ذلك؛ حيث قال لهم: (وقد خلقكم أطوارًا)، فالعبد عندما يتفكر في مراحل تكوينه يعلم حقيقته وضعفه، وأنَّ الله القوي القادر خلقه من نطفة وماء مهين، فيعلم حينها أنَّ المستحق للعبادة هو الله وحده، وأنه مهما بلغ من قوة في منصب وذكاء ومال وقوى مادية، فهو ضعيف جدًّا أمام قوة الله وقدرته؛ قال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)[النحل: 4].

 

6 - رب اغفر لي ولوالدي:

قال تعالى عن نوح -عليه السلام-: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا)[نوح: 28].

 

دعا نوح -عليه السلام- ربه بالمغفرة لنفسه أولًا، ثم لمن له حق عليه وهما والداه، ولمن دخل بيته من المؤمنين والمؤمنات، ثم دعا على قومه بالهلاك والدمار بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والضلال.

 

من الإضاءات الدعوية:

1- من صفات الداعية الاعتراف بالذنب والتقصير، وطلب المغفرة من الله -عليه السلام-، فنوح -عليه السلام- بعد هذا الجهاد الطويل مئات السنين وهو يدعو إلى ربه بشتى الطرق والوسائل والأساليب، ويصبر ويتحمل الأذى بشتى أنواعه، ومع ذلك كله لم يغترَّ أو يُعجب بنفسه، بل ختم ذلك كله باتهام نفسه بالتقصير، وطلب المغفرة والرحمة من ربه -عليه السلام-.

 

2- على الداعية أن يهتم بأقرب الناس إليه وهما والداه وأهل بيته من زوجة وأولاد، يهتم بهم بدعوتهم، وتوجيههم، وتذكيرهم، ونُصحهم، والدعاء لهم بالهداية والمغفرة في كل وقت وحين، فقد يغفل الداعية عن دعوتهم بسبب انشغاله بدعوة الآخرين، والله -عليه السلام- يقول لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)[الشعراء: 214].

 

3 - من صفات الداعية حب الخير للغير، فيتذكر الآخرين في دعائه ولو بعُدت بينه وبينهم المسافات والبلدان، فإن سمع بكارثة وقعت في بلدة ما من حروب ومجاعات، فتجده يدعو لهم ويهتمُّ ويغتمُّ، ويدعو لمن لهم حقٌّ عليه من مشايخ وعلماء ومعلمين، وخاصة من كان سببًا في تعليمه كتاب الله وحفظه، ويدعو لأقاربه وأصدقائه المقربين، ويستشعر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكَّل به: آمين ولك بمثل" [10].

___

[1] التحرير والتنوير لابن عاشور: 29/ 187.

[2] أورده البيهقي في الاعتقاد (1 / 267).

[3] رواه أبو داود وصححه الألباني برقم (2097).

[4] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي: 8 /168.

[5] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي: 8 /168.

[6] روع المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي: 15 /81.

[7] التحرير والتنوير لابن عاشور: 8 /233.

[8] الاستفهام الإنكاري يدل على أن الأمر المستفهم عنه أمر مُنكَر، والذي يُنكره قد يكون الشرع أو العقل أو العرف، وقد يُراد به التوبيخ على أمر قد مضى أو أمر قائم، وقد يكون إنكاراً للتكذيب.

[9] الاستفهام التقريري هو أن تطلب من المخاطب أن يقر بما يُسأل عنه نفياً أو إثباتاً بدون رد، وتكتفي بطرح الاستفهام عليه، وذلك لأي غرض كان إما لإدانته أو لومه.

[10] أخرجه مسلم برقم: 2732.

 

المصدر/ الألوكة

 

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات