أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ

الشيخ راشد بن عبدالرحمن البداح

2022-10-14 - 1444/03/18 2022-10-24 - 1444/03/28
عناصر الخطبة
1/تحبيب الله الإيمان والطاعة إلى المؤمنين 2/بيان حقيقة الراشدين وصفاتهم 3/كلام ابن القيم عن التوفيق إلى الطاعات.

اقتباس

وإذا تدبرَ العبدُ هذا علِمَ أن ما هوَ فيهِ من الحسناتِ من فضلِ اللهِ، فَشَكَرَ ربَهُ على ذلك فزادَهُ عملاً صالحاً ونِعمًا... وإذا علِمَ أن الشرَ لا يَحصل له إلا من نفسهِ وبذنوبهِ، استغفرَ ربَه وتابَ... فيكونُ دائمًا شاكرًا مستغفرًا...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمدُ للهِ الذي هدانا للإسلامِ، وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانا اللهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن نبيَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وسلمَ تسليمًا.

 

أما بعدُ: تخيّلْ نفسَك وأنت جالسٌ الآنَ بالمسجدِ، وقد صليتَ وقرأتَ ما كتبَ اللهُ لكَ، ثم أنت تستمعُ للخطبةِ الآنَ، من الذي قادَك لذلكَ يومَ أن ضيَّعَ أناسٌ صلاتَهم وحياتَهم بنومِهم ولهوهِم؟ فهل حصَّلتَ هذا الإيمانَ بجهدِك أو بعلمِك؟ لا؛ بل هو اللهُ وحدَه الذي حبّبَ إليكَ الحسناتِ، وكرّهَ إليك السيئاتِ.

 

فاحمدِ اللهَ كثيرًا، واستغفرْهُ كثيرًا، وسلْهُ أن يثبتَك على هذا التحبيبِ والتكريهِ حتى المماتِ، وحينَها تذكرْ هذه الآيةَ الجليلةَ وتدبَّرها بقلبِكَ: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)[الحجرات7]؛ "حبّبَه إليكم ثم أقامَه في قلوبِكم... زيَّنَهُ فِيهَا بحيث لا يخرجُ من قلوبِكم، ومن يُحِبُّ شيئاً فقد يسأمُ منه لطولِ ملازمتهِ"(تفسير الرازي).

 

ثم أن تحبَ الإيمانَ يعني أن الدينَ سكنَ فؤادَك، فتعلقتَ به كما يتعلقُ المتيمُ بمحبوبِهِ، والحبُ لا يَسكنُ قلباً إلا إذا شاهدَ مباهجَ الجمالِ والزينةِ التي تأخذُ بمجامِعه؛ ولذلك قال: (وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)، فلما نالت تلك النفسُ أحسنَ زينةٍ كرهتْ الأعمالَ المَشينةَ، فإن زلتْ بها القدمُ فعصتْ أو فسقتْ فإنما ذلك من شرٍ فيها وغفلةٍ منها، وليس حبًا بالفسوقِ والعصيانِ.

 

وإذا أردتَ أن تفهمَ ذلك جيدًا، فتأملْ ذلك الكافرَ الذي عاشَ حياتَه كما وصفَه ربُه بقولِه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ)[محمد12]، ثم يَمُنّ اللهُ عليهِ بالإسلامِ، فتنقلبُ حياتُه نورًا وسرورًا، ويكرهُ الكفرَ وأهلَه، وربما يكونُ أقوى إيمانًا ممن وُلد وعاشَ مؤمِنًا!, ما سرُ هذا التحولِ؟ الجوابُ انظرُه في: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)، والكفرُ أعظمُ من الفسقِ، والفسقُ أعظمُ من العصيانِ.

 

 وهذا التحبيبُ والتكريهُ لا يستحقُه إلا قومٌ وصفَهم اللهُ بقولهِ: (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)؛ الرَّاشِدُونَ "الذينَ صلحتْ علومهمْ وأعمالهمْ، واستقامُوا، وضدُهم الغاوونَ، الذين حُبِبَ إليهم الكفرُ والفسوقُ والعصيانُ"(تفسير السعدي).

 

"وإذا تدبرَ العبدُ هذا علِمَ أن ما هوَ فيهِ من الحسناتِ من فضلِ اللهِ، فَشَكَرَ ربَهُ على ذلك فزادَهُ عملاً صالحاً ونِعمًا... وإذا علِمَ أن الشرَ لا يَحصل له إلا من نفسهِ وبذنوبهِ، استغفرَ ربَه وتابَ... فيكونُ دائمًا شاكرًا مستغفرًا، فلا يزالُ الشرُ يندفعُ عنه"(وطريق الهجرتين/ ابن القيم)، فهوَ بين نعمةٍ من ربهِ تستدعي شُكرًا، وذنبٍ من نفسهِ يستدعي استغفارًا.

 

أرأيتَ كيف عظمةُ هذه النعمةِ التي نعيشُها، إنها ليستْ نعمةَ المأكلِ والمشربِ والملبسِ والمركبِ والمسكنِ فحسبْ، لكنها نعمةٌ أعظمُ، ألا وهيَ تحبيبُ الإيمانِ والطاعاتِ، وتكريهُ الكفرِ والسيئاتِ.

 

وَاللهِ لَوْلَا اللهِ مَا اهتدينا *** وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا

 

فإذا سولتْ لك نفسُك والشيطانُ أنك حصّلتَ هذا الإيمانَ بعلمِك وبعباداتِك، فاتْلُ عليها قولَ مولاكَ: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[الحجرات17]، "فالمنةُ للهِ وَحدَه فِي أَن جعلَ عَبده قَائِمًا بِطَاعَتِهِ.. فيُثمرُ لَهُ من الْمحبَّةِ والأنسِ بِاللَّه والشوقِ إِلَى لِقَائِهِ والتنعمِ بِذكرِهِ وطاعتِهِ مَا لَا نِسْبَةَ بَينه وَبَين أَعلَى نعيمِ الدُّنْيَا"(رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه).

 

 

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ هدانا للإسلامِ خيرِ دينٍ، وأنزلَ علينا القرآنَ خيرَ الكتبِ، وأرسلَ إلينا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خيرَ الرسلِ، أما بعدُ:

 

فيا عبدَ اللهِ: أتدري ما التوفيقُ؟! "التوفيقُ هو أن لا يكِلَك اللهُ إلى نفسِك، والخذلانُ هو أن يُخليَ بينكَ وبينَ نفسِك... فلنوقنْ أن إيمانَنا وتوحيدَنا بيدِه -تعالى-، لو تخلى عنا طرفةَ عينٍ لشُلَّ عرشُ توحيدِنا، ولخرتْ سماءُ إيمانِنا على الأرضِ، وأن الممسكَ له هو من يُمسكُ السماءَ أن تقعَ على الأرضِ إلا بإذنهِ: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)[الإسراء: 74]؛ فهُجَّيرَى قلبِ أحدِنا ودأبُ لسانِه: "يا مقلبَ القلوبِ! ثبتْ قلبيَ على دينِك، يا مصرفَ القلوبِ! صرفْ قلبيَ إلى طاعتِك، ودعواه: يا حيُ يا قيومُ، برحمتِك أستغيثُ، أصلحْ ليَ شأنيَ كلَه، ولا تكلنيْ إلى نفسي طرفةَ عينٍ... ويُلقِي نفَسه بين يديهِ، طريحًا ببابهِ مستسلمًا له، ناكسَ الرأسِ بين يديهِ، خاضعًا ذليلًا مستكينًا"(مدارج السالكين).

 

ومن الحزمِ مع النفسِ "أن لا يُخلّ بخيرِ تعوّدَه، ولا يرخّصَ لها في شرٍ ارتكبَه، فتَعاطِي صغيرِ الذنبِ يُفضي إلى ارتكابِ كبيرِه، والإخلالُ بقليلِ الخيرِ يؤدِي إلى الإخلالِ بكثيرِه"(تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين).

 

فـ"اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ الرَّاشِدِينَ".

 

اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ، "اللَّهُمَّ قَاتِلْ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ اللَّهُمَّ قَاتِلْ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَهَ الْحَقِّ".

 

اللهم وفقْ وسدِّدْ وليَ أمرِنا ووليَ عهدِه لهُداكَ، واجعلْ عمَلَهما في رضاكَ، اللهم بارك في قراراتهم وتعييناتهم المباركة.

 

اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.

 

 

المرفقات

أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ.pdf

أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات