أوصاف اليوم الآخر (2)

محمد بن صالح بن عثيمين

2016-08-17 - 1437/11/14
عناصر الخطبة
1/الحياة الدنيا دار ممر لا دار مقر 2/تذكير الإنسان بمصيره المحتوم وحمله إلى القبور 3/تذكير الإنسان بيوم القيامة وأهواله 4/حشر المتقين إلى الرحمن وفدا وسوق المجرمين إلى جنهم وردا 5/الحث على الزهد في الدنيا

اقتباس

عباد الله: اعلموا أن هذه الحياة الدنيا دار ممر وعبور، ودار عمل وكدح للعباد: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[فاطر:5]. فتذكروا ما أنتم إليه صائرون من الموت وما بعده يوم تحشرون. تذكروا حالتكم عند حلول الآجال، ومفارقة الأوطان والأهل والعيال. تذكروا حينما تشاهدون الآخرة أمامكم وأنتم مقبلون إليها مدبرين عن الدنيا. تذكروا حينما...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الملك:2].

قسم عباده إلى قسمين؛ فمنهم شاكر ومنهم كفور.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اقتدى بهديهم إلى يوم الحشر والمصير، وسلم تسليما.

 

أما بعد:

 

أيها الناس: (اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا)[لقمان:33].

 

عباد الله: اعلموا أن هذه الحياة الدنيا دار ممر وعبور، ودار عمل وكدح للعباد: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[فاطر:5].

 

فتذكروا ما أنتم إليه صائرون من الموت وما بعده يوم تحشرون.

 

تذكروا حالتكم عند حلول الآجال، ومفارقة الأوطان والأهل والعيال.

 

تذكروا حينما تشاهدون الآخرة أمامكم وأنتم مقبلون إليها مدبرين عن الدنيا.

 

تذكروا حينما ينقسم الناس إلى قسمين؛ فمنهم من: (تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ)[النحل:32].

 

(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)[فصلت: 30 – 32].

 

ومنهم من توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ)[الأنفال:50].

 

(وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)[الأنعام:93].

 

تذكروا إذا حملتم على الرقاب إلى القبور، فانفردتم بها عن الأهل والأولاد والأموال والقصور، جليسكم الأعمال، فإما خير تسرون به إلى يوم القيامة، وإما شر تجدون به الحسرة والندامة: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) [الأنعام: 94].

 

تذكروا إذا نفخ: (الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ)[الزمر:68].

 

يقومون من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا: (يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)[عبس: 34-37].

 

عباد الله: تذكروا هذا اليوم العظيم الذي يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم الصبر: (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ)[الواقعة: 49 - 50].

 

هذا اليوم الذي تندك فيه الجبال، وتعظم فيه الأهوال، وينزل فيه للقضاء بين العباد الملك الكبير المتعال.

 

يوم يجعل: (الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا)[المزمل: 17- 18].

 

تذكروا هذا اليوم الذي سماه الله يوم التغابن؛ لأنه هو الذي فيه الغبن العظيم الغبن الحقيقي؛ لأن الناس يحشرون على حسب أعمالهم، فمنهم المتقون الذين يحشرون: (إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)[مريم:85].

 

فنعم الوفد، ونعم الموفود إليه.

 

الوفد عباد الرحمن، والموفود إليه الملك الكريم المنان.

 

ومنهم المجرمون الذين يساقون: (إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا)[مريم:86].

 

يظمئون عطشا فتمثل لهم النار كأنها السراب، يساقون إليها ولكن لا ترويهم من ظمأ، وإنما يجدون فيه النار والسعير، والحر والزفير: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ)[الروم: 14 – 16].

 

فما أعظم هذا اليوم! وما أشد هوله! لقد قال الله في وصفه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)[الحج: 1- 2].

 

مقداره خمسون ألف سنة، تدنو فيه الشمس من الناس، حتى تكون بقدر ميل فقط، ويبلغ العرق منهم كل بحسب عمله.

 

إن التغابن –والله- في هذا اليوم هو التغابن! وليس التغابن في نيل عرض الدنيا وزخارفها، فإنما هي: (لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)[الحديد:20].

 

تزدهر قليلا، ثم تزول سريعا: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)[الحديد:20].

 

فتنافسوا -أيها المسلمون-: في أعمال الآخرة لتدركوا بذلك الدنيا والآخرة، وإياكم أن تؤثروا الدنيا عليها فتخسروا الدنيا والآخرة، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، فإذا لم يزرع فيها لآخرته فقد خسرها، وخسر آخرته.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قال الله -عز وجل-: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[النازعات: 34- 41].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم... الخ....

 

 

 

المرفقات

اليوم الآخر (2)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات