د. فهد بن ناصر الجديد
الشيعة إحدى الفرق الإسلامية التي ظهرت في نهاية عصر الخلفاء الراشدين، وكان سبب ظهورها الغلو في شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إذ انقسمت إلى ثلاثة أقسام رئيسة [1] :
1. الشيعة المؤلهة، وهم الذين يؤلهون علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -، وقد نهاهم عن ذلك مدة ثلاثة أيام عندما سجدوا له، فلما أصروا على كفرهم أحرقهم بالنار، وقد أنكر عليه جمع من الصحابة، منهم : عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – وكان يرى ضرب أعناقهم بدلاً من إحراقهم.
2. الشيعة السابة، وهم الذين يسبون أبا بكر وعمر، ويزعمون أنهما اغتصبا الخلافة من علي بن أبي طالب.
3. الشيعة المفضلة، وهم الذين يعتقدون بإمامة أبي بكر وعمر، ولكنهم يرون أن عليّاً أفضل منهما.
وقد صنف العلماء كثيراً من المصنفات عن فرق الشيعة عبر العصور، وفي هذه المقالة سيقتصر الموضوع على منهج الموحدين من الشيعة المفضلة الموجودة حالياً في إيران.
مفهوم التوحيد :
التوحيد هو الأساس الذي قامت لأجله السموات والأرض، وخلق الله لأجله جميع المخلوقات. فإذا ظهر عالم أو داعية من أي فرقة من الفرق الإسلامية فينبغي لنا أن نسأل أولاً : ما مفهومه للتوحيد؟ فإذا كان موافقاً لما عليه أهل السنة والجماعة قبلناه، وإذا كان مخالفاً رددناه.
ففي إيران ظهر جمع من العلماء والدعاة من الطائفة الشيعية يوافقون أهل السنة والجماعة في مفهوم التوحيد. ومن بينهم الشيخ شريعت سنگلجي [2] – رحمه الله – إذ ذكر مفهوماً صحيحاً للتوحيد، فقال : (التوحيد قسمان : توحيد الربوبيَّة وتوحيد الألوهيَّة والعبادة. توحيد الربوبيَّة : هو الإقرار والاعتراف بأن الحقّ تعالى خالق جميع الموجودات وربُّ العالمين. وقد كان المشركون مقرِّين تماماً بهذا التوحيد ومعترفين به كما ذكر الله تعالى لنا ذلك في قرآنه المجيد حين قال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان : 25])، توحيد الألوهية والعبادة : وهو أن يعبد الإنسان الذات الإلهية المقدسة بأنواع العبادات، كما سيأتي تفصيله لاحقاً. وهذا التوحيد في العبادة هو الذي وقع الشرك فيه بين البشر حيث قالوا إن لِـلَّهِ شركاء في استحقاق العبادة)[3].
ويؤكد الشيخ سنگلجي أن الهدف من بعثة الرسل هو تحقيق توحيد الألوهية وليس توحيد الربوبية، وهذا موافق لمنهج السلف الصالح، فقال : (إن بعثة الرسل كانت في جميع الأمم بهدف الدعوة إلى توحيد العبادة وليست لأجل إثبات وجود خالق العالم لأن جميع المشركين كانوا معترفين بهذا الأمر)[4].
وقال أيضاً : (ولا يتحقَّق إفراد الله بالعبادة إلا إذا توجَّه العبد بالدعاء والتضرُّع والعبادة لِـلَّهِ وحده دون غيره فلم يدعُ في الشدة والرخاء إلا إيّاه، ولم يلجأ في العسر واليسر إلا له، ولم ينذر النذور أو يذبح القرابين إلا لِـلَّهِ، فلا يجوز تقديم أيّ صنف من صنوف العبادات من ركوع وسجود وقيام وتذلل وطواف وغيره إلا لذات الحق تبارك وتعالى الباقي الذي لا يزول وحده فقط. وكل من قام بتلك العبادات لمخلوق سواء كان حياً أم ميتاً وسواء كان صنماً أم ملاكاً أم جنيّاً أم حجراً أم شجراً أم قبراً فهو مشركٌ)[5].
وأما مفهوم الاستغاثة، فالشيخ سنگلجي يقدم مفهوماً جيداً في توضيح معنى الاستغاثة موافقاً لما عليه أهل السنة والجماعة، كما قال : (والاستغاثة جائزة في الأسباب الظاهرية والأمور الحسية كأن تقول في القتال: يا فلان أدركني. أو أن يهجم عليك حيوان مفترس فتقول يا فلان أغثني أو أن تصيبك مصيبة أخرى كأن يحترق منزلك أو يهاجمك العدو فتستغيث بالمسلمين قائلا أغيثوني وأدركوني، فكل ذلك جائز بإجماع أمة سيد المرسلين - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا يعتبر شركاً. أما الاستغاثة بالقوة والتأثير بالأمور المعنوية والأمور التي لا يقدر عليها أحد سوى الله مثل طلب شفاء المرض أو وفاء الدين من غير الأسباب الطبيعية أو طلب الرزق والهداية وغفران الذنوب ودخول الجنة والتوفيق والنجاح في الدراسة وأمثالها فإن هذا النحو من الاستغاثة مختص بالذات الربوبية ويكون شركاً إذا طلب من غير الله، فلا يجوز الاستغاثة بنبي أو ولي كأن تقول له يا فلان! اشفني أو اغفر لي أو ارحمني، أو تقول: استغيثُ بك يا فلان، أو: أغثني يا فلان، بل يجب أن تقول أغثني يا غياث المستغيثين!)[6].
مفهوم الشرك :
يُعد الشرك أعظم ذنب عُصي الله به على وجه الأرض، ولهذا لا يغفر الله لأحد من خلقه إذا أشرك به، كما قال – تعالى - : (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) [النساء : 48].
والأستاذ علي أكبر حكمي زاده[7] – رحمه الله – من الدعاة الإصلاحيين في إيران ذكر تعريفاً للشرك يتفق مع أهل السنة والجماعة، إذ قال : (إن الشرك عبارة عن طلب الأعمال الإلهية من غير الله بخشوع وتضرُّع)[8]. ولم يكتف بهذا القدر بل ضرب مثالاً واقعياً بأن عقيلاً أخا علي بن أبي طالب – رضي الله عنهما – كان ضريراً، ولكنه لم يلجأ إلى أخيه، ولم ينذر له نذراً كي يشفيه، ثم عتب الأستاذ علي زاده على قومه الذين يزعمون أن تربة الإمام شفاء من كل داء، وأمان من كل بلاء، بل تحداهم وطلب منهم ساخراً أن يغلقوا المستشفيات وجامعات الطب ومعامل الأدوية، إذا كانوا يعتقدون حقاً بأن تلك التربة شفاء!.
التحذير من البناء على القبور :
يُعد البناء على القبور أخطر بدعة ظهرت عند المسلمين عبر التاريخ الإسلامي، وكانت سبباً في التحول من الإسلام إلى الشرك لدى بعض المنتسبين إلى الإسلام. وفي إيران يوجد جمع من الدعاة يحذرون قومهم من هذه البدعة الشنيعة، ومن هؤلاء السيد أبو الفضل بن الرضا البُرْقِعِيّ القُمِّيّ [9] إذا قال : (يجب أن نُفهم العوام أن الأولياء الذين رحلوا عن الدنيا ليسوا بحاجة لأن تُنذر إليهم النذور وتُوقف عليهم الأوقاف، أو أن تُرمى أوراق البنكنوت داخل أضرحتهم أو تُشترى لأجلهم الأعلام والعراضات والجنازير فكل ذلك إسراف لا يرضاه الشرع. وأساساً لا يؤمن الإسلام بأي واسطة بين العبد وخالقه بل أمر الناس أن يستقيموا إلى الله أي يتجهوا إليه مباشرة ويطلبوا حوائجهم منه دون واسطة. لقد ألغى الإسلام كل نوع من أنواع عبادة القبور وعبادة الأحجار وكل عبادة لغير الله تعالى، ولكن للأسف الشديد كما يطلب النصارى حوائجهم من المسيح عيسى بن مريم ومن أمه كذلك يطلب كثير من المسلمين حوائجهم من النبي والأئمة والأولياء، فيجب على العلماء أن يعلِّموا الناس الأحاديث التي وردت حول تسوية القبور والنهي عن البناء عليها أو الكتابة عليها، وكذلك النهي عن تجصيصها والصلاة إليها أو الذبح عندها وما هو حكم الشرع في مثل هذه الأمور)[10].
وأما الأستاذ علي أكبر حكمي زاده فيتعجب من قومه لأنهم يبالغون في البناء على القبور، وأن هذا مخالف لما جاء في كتاب (الكافي) الذي يُعد من أهم مصادر كتب الشيعة، إذ ذكر عدة أحاديث مروية عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – وعن علي – رضي الله عنه - توصي بعدم رفع القبر أكثر من أربعة أصابع، من أهمها حديث علي - رضي الله عنه - : (أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، لا تَرَى قَبْراً مُشْرِفاً إِلا سَوَّيْتَهُ وَلا تِمْثَالاً إِلا طَمَسْتَه)[11]، ثم قال : (إذا كانت لديكم مثل هذه التعاليم فكيف سمحتم لأنفسكم بإنشاء كل هذه الأضرحة المرتفعة والقباب والعتبات)[12].
الحث على الاجتماع ونبذ الفرقة :
من أعظم ما يميز الدين الإسلامي الحنيف أن جاء ليجمع الناس على دين واحد، وينبذ الافتراق، ويحذر منه، وقد حذر رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أمته من الافتراق كما جاء في الحديث المروي عن العرباض بن سارية – رضي الله عنه – : (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم ير اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ)[13].
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه – في نهج البلاغة في الخطبة رقم (127) : (والزموا السواد الأعظم، فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب).
والشيخ حيدر علي قلمداران القمي [14] من الدعاة في إيران، الذين حذروا الناس من الافتراق وأكد على لزوم جماعة المسلمين، ومما جاء عنه : (لو ألقيت نظرة، أيها القارئ الكريم، على التاريخ الدموي المخزي المليء بالعداوة والخصومة والفرقة، الذي أوجدته تلك الروايات وأمثالها بين المسلمين، لأدركت أن واضعي أمثال تلك الروايات، ومختلقي مثل تلك الأحاديث، هم بلا شك ولا ريب من أشد أعداء الإسلام، أو أنهم أشخاص جهلة كان يحركهم ويحرضهم أعداء الإسلام ليوقعوا الفرقة بين المسلمين، حتى يأتي مثل هذا اليوم الذي نرى فيه المسلمين، على كثرة عددهم وكون معظمهم يسكن في أفضل نقاط المعمورة، ومع وجود كل الوصايا والتأكيدات الإلـهية الآمرة بالاتحاد والاتفاق الناهية عن الفرقة والخلاف، على هذه الدرجة من الذلة والمهانة والضعف والتأخُّر، التي يندر أن يكون لها نظير لدى أي شعب من شعوب الدنيا تملك ما يملكه المسلمون، وأصغر نموذج على ذلك سيطرة حفنة من اليهود عليهم واغتصابهم أرضهم...)[15].
وقال الشيخ أسد الله موسوي مير إسلامي [16] : (مهما تفكَّرنا وتدبَّرنا في السبب الأساسي لانحطاط المسلمين لم نجد لذلك سبباً سوى اختلاف كلمة أعلامهم وتفرُّق آرائهم)[17].
الإمامة :
تُعد الإمامة عند الشيعة إحدى الأهداف الرئيسة التي جاء بها الغلاة ليوقعوا الافتراق في الأمة الإسلامية، ويفصلوا الطائفة الشيعية عن جماعة المسلمين. والإمامة معتقد خرافي ينص على أن هناك إثني عشر إماماً، لهم عصمة أعظم من عصمة الأنبياء، وتبدأ الإمامة عندهم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - وانتهاءً بـمحمد بن الحسن العسكري الذي يُعتقد بأنه دخل سرداب كربلاء في القرن الثالث الهجري، وسيخرج في آخر الزمان.
ومن فضل الله – تعالى – أن ظهر في الطائفة الشيعية علماء ودعاة، يفندون هذه العقيدة الباطلة، ويحذرون قومهم من الإيمان بها، ومن هؤلاء الشيخ أبو الفضل بن الرضا البرقعي القمي – رحمه الله –، إذا قال : (فليس في كتاب الله تعالى ذكرٌ صريحٌ ولا خبرٌ عن إمامة الأئمة الاثني عشر، اللهم إلا بالتأويل والتقدير بالقوّة لبعض الآيات، لحملها على مفاد الأخبار الواردة، لكن مثل هذا التأويل، وطبقاً لصريح آيات القرآن، لا يجوز أبداً) [18].
ويرى الشيخ حيدر علي قلمداران القمّي أن الأنصار عندما سارعوا ورشحوا سعد بن عبادة، بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم بادر المهاجرون وحازوا منصب الخلافة يدل دلالة واضحة على أن المهاجرين والأنصار جميعاً لم يذكروا إمامة علي بن أبي طالب المزعومة عند غلاة الشيعة، ويؤكد قائلاً : (إنها قصة يصعب على العقل قبولها وتخالف منطق الأمور ويصعب أن تجد لها نظيراً في التاريخ .. والأعجب من ذلك أن علياً عليه السلام نفسه أيضاً لم يُشِر إلى شيء من هذا الباب)[19].
وقال أيضاً عن معتقد الأئمة الاثني عشر كما يراه غلاة الشيعة : (لو كانوا حقّاً أئمَّة أمراء منصوصاً عليهم، نصبهم الله تعالى لمقام الرئاسة السياسية، لوجب على كل منهم أن يصرح بذلك في كل مناسبة إن لم يكن أمام جميع الناس فعلى الأقل أمام ولو عشرة أفراد من شيعتهم وأحبابهم الأوفياء الموثوقين، ليؤدُّوا رسالة الله ويبلغوا حكمه من جهة)[20].
الخمس :
جاء في كتاب الله – تعالى - ذكر الخمس فيما يغنمه المجاهدون من العدو بعد الحرب من الغنائم عندما قال – تعالى - : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأنفال : 41].
ولكن أهل الغلو من الطائفة الشيعية عبر القرون جعلوا الخمس في كل ما يحصل عليه الإنسان من كسب يده، وقوت يومه. ومع ذلك ظهر المصلحون في الطائفة الشيعية من يوضح حقيقة الخمس ويعيدها إلى الحكم الذي أراده الله - تعالى – في كتابه العزيز، ومن هؤلاء الشيخ حيدر علي قلمداران القُمِّيّ، إذا قال : (إذن تعميم كلمة «غنمتم» لتشمل كل دخل وإيراد مالي يكسبه الإنسان من أرباح المكاسب وغيرها حتى الكسب الناجم عن حمل الحطب وتقطيعه والعمل كنس الطرق وغزل الخيوط! ليس سوى سفسطة وفراراً من الحقيقة، سوء استخدام لهذه الكلمة المباركة ليس له من هدف سوى المطالبة الظالمة بالخمس. وذلك لأننا لا نشاهد لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا في سيرة من خلفوه بحق أو بباطل ولا في عمل مسلمي صدر الإسلام شيئاً من مثل هذه المطالبة. وبمعزلٍ عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين لا نجد ذلك حتى في سيرة سلاطين الجور من ملوك بني أمية وبني العباس أنهم كانوا يأخذون الخمس من أموال المسلمين خاصة من أرباح مكاسبهم وتجاراتهم، هذا في حين أنه لو وجد أولئك الخلفاء أدنى مستند ودليل وحجة على ذلك لسارعوا للتمسك به وطالبوا المسلمين بخمس مكاسبهم بكل شدة، ولبين التاريخ لنا ذلك بكل وضوح، كما نقل لنا التاريخ حال أخذ الزكاة وجباية الخلفاء للخراج. أما خمس غنائم دار الحرب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاته يأخذها زمن حياته كان خلفاؤه بعد رحيله يأخذونها بأنفسهم؛ فوجوبه – هذا إن صح أن نستخدم هنا كلمة الوجوب – كان مختصاً بغنائم دار الحرب)[21].
الموقف من الصحابة :
يعتقد المسلمون أن صحابة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أفضل جماعة ظهرت على وجه الأرض بعد الأنبياء. والصحابة الكرام – عليهم رضوان الله – هم الذين نقلوا إلينا ميراث رسولنا كما جاءت في كتب السلف الصالح، وأي طعن في عدول الصحابة هو طعن غير مباشر في رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - يخطب على منبره في الكوفة ويقول : (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر)، وكان الشيعة الأوائل يعتقدون بفضل أبي بكر وعمر على علي بن أبي طالب [22].
والشيخ حيدر علي قلمداران القمّي من الدعاة الذين دافعوا عن الصحابة الكرام، كما فند الأحاديث المكذوبة على رسول الله والتي يزعم أهلها أن الصحابة ارتدوا بعد وفاة الرسول إلا ثلاثة إذ قال : (ومن المسلم به أن مثل هذه الأحاديث، من وضع الغلاة بل ربما تكون من وضع أعداء الإسلام، ليس لإثارة العداوة وبث الاختلاف والفرقة بين المسلمين فحسب بل ربما بهدف اجتثاث جذور الإيمان بالله تعالى وبرسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - وبالقرآن الكريم أي برسالة الإسلام من الأساس)[23].
وقال أبو الفضل بن الرضا البرقعي القمي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - : (فلقد حافظ على علاقة طيبة مع الخلفاء الذين سبقوه وشارك في صلاة جمعتهم وجماعاتهم وقدم لهم معونته الفكرية في حلّ ما طرأ من المستجدات والحوادث، وتعامل معهم التعامل الإسلامي الأخوي الذي تقتضيه الأخوَّة في الإيمان، وليس هذا فحسب، بل سمَّى ثلاثةً من أولاده بأسمائهم ... وكذلك أثناء محاصرة الثوار لعثمان، كان يحمل له الماء بيده وجعل ابنيه الحسن والحسين يلزمان حراسته، كما أنه كان يذكر الخلفاء بكلماته بالخير ولم يكن أبدا فحّاشاً ولا سبّاباً، لا يمنع ذلك أنه كان يرى نفسه أولى وأعلم وأحق وأليق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، إلا أنه مع ذلك لم يعتبر خلافتهم غصباً أو كفراً أو باطلاً!)[24].
وقال الشيخ أسد الله موسوي مير إسلامي : (كان الخلفاء الأربعة مصداقاً لأولي الأمر في الفترة التي أعقبت رحلة صاحب الرسالة وحتى شهادة علي عليه السلام، لأن أحكام القرآن كانت مطبقة في تلك الفترة وكان بيت المال يُقْسَمُ بالسوية وكان شخص الخليفة يأخذ سهمه مثله مثل أي فقير في الدولة ولم تكن هناك تلك الزينات المسرفة والزخارف القيصرية، وكانت بيوت الخلفاء على النحو الذي كان عليه بيت النبي وأهل بيته، لا تمتاز بشيء عن بيوت سائر المسلمين، وكانت الحدود الإلهية تطبق دون أي مهادنة أو مداهنة، وكان أقرباء وأرحام مقام الخلافة والمقربون منه عرضة لتطبيق الحدود عليهم مثلهم مثل أي فرد من المسلمين)[25].
الاعتقاد بالمهدي المنتظر :
الاعتقاد بالمهدي المنتظر من أخطر العقائد التي فرقت الطائفة الشيعية وعزلتهم عن الأمة الإسلامية، إذ كيف يصح أن يدخل رجل ما في أحد السراديب، ويعيش قرون طويلة، ثم يُعتقد أنه سيخرج في زمن من الأزمان، بل وصل الأمر إلى أن يعتقد الغلاة منهم بأنه يُسيِّر أمور الكون، وهذا المعتقد شرك بالله في ربوبيته، في حين أن مشركي العرب كانوا يوحدون الله في ربوبيته، ويشركون به في ألوهيته، كما قال الله - تعالى - : (وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) [يونس : 31]. بينما يعتقد الغلاة من الشيعة أن المهدي المنتظر يُسيِّر أمور الكون. ومن فضل الله - تعالى - أن ظهر في الاصلاحيين مِن الشيعة من يفند هذا المعتقد، ومن هؤلاء الأستاذ م. عبد اللهي [26] في رده على الغلاة الذين يزعمون أن المهدي المنتظر هو حجة الله على الناس، فقال : (لماذا يخفي الله تعالى حجته عن الأنظار؟ أليست سنة الله في عباده – كما تبينها آيات القرآن الكريم – أن يتم حجته على الناس بكل وضوح وجلاء؟ وأنه قد بدأ بإتمام حجته بإرسال الأنبياء وانتهت حجته بخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ ثم إنه كيف يعذب الله تعالى الناس إن لم يؤمنوا بهذه الحجة (أي الإمام القائم)؟ أفلا يحق لهم أن يقولوا يوم القيامة: يا رب! لقد كانت حجتك غائبة فمن أين لنا أن نعلم أنها كانت موجودة فعلاً؟!) [27].
ويتهم الغلاة من الشيعة رسولنا - صلى الله عليه وآله وسلم – بأنه يتقي التصريح بالإمامة، فإذا جاء المهدي المنتظر سوف يصرح بها، كما كشف عن هذا الأستاذ علي أكبر حكمي زاده، إذا قال : (فأي معنى لقولكم إنه [أي : الرسول] كان يتَّقى التصريح بقضية الإمامة؟ وتزعمون أيضاً أن القرآن نصَّ في مواضع كثيرة منه على موضوع الإمامة لكن الآخرين أسقطوا تلك الآيات أو حرّفوها فإذا جاء إمام الزمان [المهدي المنتظر] أتى بالقرآن الصحيح! انظروا كيف أنهم في سبيل بقائهم متمسكين بغصن واحد يضحون بالشجرة من جذورها! حسناً، لو كان الأمر كما تزعمون، لما كان هناك فرق بين القرآن والتوراة)[28].
التحذير من الفكر الصفوي (الفارسي) :
منذ أن ظهر العهد الصفوي في إيران في القرن العاشر الهجري، الذي يتخذ من محبة آل البيت ستاراً له، انتشر الفكر الفارسي، وأصبح يُحرف عقائد الطائفة الشيعية لتحقيق أهدافه المرسومة، كما ازداد الغلو في المؤلفات التي كُتبت في العهد الصفوي أضعاف ما كانت عليه من قبل. وقد يسر الله – تعالى - من الطائفة الشيعية من يكشِف عن هذا الغلو، ويوضحه للناس، ومن هؤلاء الأستاذ علي أكبر حكمي زاده إذ قال : (لو قارنَّا بين كتاب أُلِّف قبل عهد الصفويين وكتاب أُلِّف بعد عهدهم، لرأينا أننا كلما تأخرنا في الزمن ازداد غلو الكتب وكَبُرَ حجمُها! قارنوا مثلاً كتاب «مقتل» السيد ابن طاووس بالمجلد العاشر من «بحار الأنوار» للمجلسي وقارنوها بكتاب «أسرار الشهادة» لمؤلفه «الدربندي» واسألوا أنفسكم ما هي علة هذا الاختلاف؟ ومن أين جاء «الدربندي» بكل هذا الكلام في كتابه؟ وما هي المصادر التي حصل عليها مما لم يستطع السيد ابن طاووس ولا المجلسي الحصول عليه؟! الجواب : كانت السياسة تقتضي في فترة من الزمن الماضي أن تتم تعبئة الناس في إيران عن طريق البكاء [على مآتم آل الرسول] والزيارة [لمراقدهم] ولطم الصدور والقباب والقبور، للحفاظ على استقلال إيران أو لأجل صمودها في وجه عَدُوَّيْن قَوِيَّين هما الدولة العثمانية [غرباً] والدولة الأُزبكية [شرقاً]) [29].
نصيحة :
ينبغي لأهل السنة والشيعة أن يتفقوا جميعاً على مبدأ واحد وهو : ليس المهم أن ينتقل الشيعي ليصبح سني أو السني ليصبح شيعي، وإنما الهدف الحقيقي الذي لا يمكن التنازل عنه ولا يقبل النقاش فيه هو تحريم تقديس الأولياء والصالحين وإعطائهم منزلة فوق منزلتهم، على سبيل المثال : كأن يُقال : يا علي أغثني، أو يا جيلاني أنقذني، أو يا حسين أشفني، أو يا بدوي أعنّي، بل يجب أن يُقال : يا رب يا حي يا قيوم برحمتك استغيث، يا رب يا ذوا الجلال والإكرام وفقني.
د. فهد بن ناصر الجديد
المصدر: لجينيات
ــــــــــــــــ
الأعلام والمراجع :
[1] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 1/306، 308.
[2] ولد الشيخ شريعت سنگلجي في مدينة طهران عاصمة إيران في عام (1308هـ - 1890م)، وتلقى علوم الشريعة والفلسفة على يد علماء بلده ثم رحل إلى النجف وتعلم على كبار علماء الحوزة العلمية فيها. ولما عاد إلى بلده واصل تلقيه دروس التفسير على يد آية الله العلامة السيد أسد الله خرقاني– رحمه الله -، وقد تأثر بمنهجه الإصلاحي التوحيدي، كما أكّد على أن التوحيد هو أساس الدين وركيزته، وأنه لا بد من العودة بالدين إلى نقائه الأول. توفي – رحمه الله - في عام (1362هـ - 1943م). انظر كتاب : توحيد العبادة، شريعت سنگلجي، ترجمة : سعد رستم، الطبعة الثالثة، 1430هـ، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[3] توحيد العبادة، ترجمة : سعد رستم، الطبعة الثالثة، 1430هـ، صفحة : 22، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[4] المرجع السابق : 24.
[5] المرجع السابق : 29.
[6] المرجع السابق : 58.
[7] هو علي أكبر حكمي زاده، بدأ حياته طالباً للعلوم الدينية في مدينة قم وقطع في دراستها شوطاً جيِّداً لكنه بدأ شيئاً فشيئاً يتحول عن هذا الاتجاه، ويُعد كتابه (أسرار ألف عام) الذي انتشر في (1363هـ - 1944م) كملحق في العدد 12 من مجلة «پرچم» نصف الشهرية الصادرة في طهران، حلقةً من حلقات السجال الفكري الذي كان دائراً منذ بدايات القرن الماضي، ويرى أن 95% من الأعمال الدينية ليست ديناً حقيقياً وإنما ضلالاً. كانت وفاته في عام (1407هـ - 1987م). انظر كتاب : أسرار ألف عام، لجنة الترجمة، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[8] أسرار ألف عام، لجنة الترجمة، صفحة : 13، 14، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[9] ولد الشيخ أبو الفضل البرقعي في مدينة قم بإيران في عام (1326 هـ - 1908م)، وبعد تعلُّمه الكتابة والقرآن في الكَتَّاب بدأ طلب العلم الشرعيّ وعمره اثنتا عشرة سنة في المدرسة الرضوية إحدى مدارس الحوزة العلمية في قم، وترقى في المراتب العلمية فكان من أشهر أساتذته فى قم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائرى اليزدى وآية الله العظمى حُجَّتْ كُوه كمره اى، وقد أُجيز من كليهما، ثم رحل كعادة الطلاب إلى النجف لإكمال دراسته العلميّة العليا فيها وتتلمذ على أيدي أكابر علمائها حينذاك لا سيما الشيخ عبد النبي النجفي العراقي وآية الله السيد أبو الحسن الأصفهانى فحصل على إجازات الاجتهاد منهما ومن عدد من الآيات الآخرين مثل آية الله أبو القاسم الكاشاني وآغا برزگ الطهراني وغيرهم، تعرض للحبس عدّة أشهر، ثم أمر مرشد الثورة بإطلاق حريته فعاد إلى طهران حتى توفي – رحمه الله - في عام (1412هـ - 1992م). انظر كتاب : الخرافات الوافرة في زيارات القبور، السيد أبو الفضل بن الرضا البُرْقِعِيّ القُمِّيّ، ترجمة : سعد محمود رستم، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[10] الخرافات الوافرة في زيارات القبور، ترجمة : سعد محمود رستم، صحفة 39، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[11] صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر : 374، رقم الحديث (969).
[12] أسرار ألف عام، لجنة الترجمة، صفحة : 15، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[13] سنن الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم –، رقم الحديث (2676).
[14] ولد الشيخ حيدر علي بن إسماعيل قلمداران في قرية "ديزيجان" من أعمال مدينة قـم بإيران في عام (1331هـ - 1913م)، وكان شغوفاً جداً بتعلم الكتابة والقـراءة وإتقانها، وكان يسخِّر قلمه لكتابة المقالات الإسلامية التي يدافع فيها عن تعاليم الدين الحنيف، تأثّر بالمصلح الكبير آيـة اللـه الشيـخ محمد مهدي الخالصي، عمل في سلك التدريس في مدارس قم، خرج عن إجماع الإماميّة في بعض المسائل كقوله بعدم وجوب أداء خمس في عهد الغيبة، وبأن الأئمة الاثني عشر ليس منصوصاً عليهم من قبل الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - بل هم علماء ربانيون وفقهاء مجتهدون، وكذلك قال بأنه لا ثبوت لإمامٍ غائبٍ مستترٍ إلى الآن ولا رجعة ولا عصمة مطلقة لأحد إلا عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ رسالات ربه، ورأى كذلك، من خلال دراسته لتاريخ زيارة القبور في الإسلام، عدم صحة نصب القباب وإقامة المساجد على أضرحة الصالحين، والاستغاثة بأصحابها وأن ذلك مظهراً من مظاهر الإشراك في العبادة، توفي – رحمه الله – في (1409هـ - 1989م). انظر كتاب طـريـق الاتحـــاد، حيدر علي قلمداران القمّي، ترجمة محمود علي زين العابدين، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[15] طـريـق الاتحـــاد، ترجمة محمود علي زين العابدين، صفحة 71، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[16] ولد السيد «أسد الله مير إسلامي الخرقاني» في عام (1254هـ - 1839م)، في قرية «شيزند» جنوب «قزوين» الواقعة شمال غرب إيران، ويعود في أصله إلى قرية «خرقان» شمال مدينة «قزوين»، ابتدأ حياته بدراسة مقدمات اللغة العربية والنحو والصرف في قريته وانتقل في سن الخامسة عشرة إلى مدينة «قزوين» لمواصلة دراساته الدينية فيها، وبعد أن تعلم الفقه وأصوله على أيدي علمائها انتقل في عام (1275هـ - 1859م) إلى طهران وتعلم الفلسفة على يد «ميرزا جلوه»، ثم هاجر مع أسرته إلى النجف واشتغل بتحصيل العلوم الدينية هناك مدة 25 عاماً نال خلالها درجة الاجتهاد ثم عاد إلى طهران وابتدأ بالتدريس والتأليف. انظر كتاب : محو الموهوم وصحو المعلوم، ترجمة : سعد رستم، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[17] محو الموهوم وصحو المعلوم، ترجمة : سعد رستم، صفحة 36، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[18] مقدمة كتاب : طريق الاتحاد، حيدر علي قلمداران القمّي، ترجمة محمود علي زين العابدين، صفحة 10، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[19] المرجع السابق : 48، 49.
[20] المرجع السابق : 193.
[21] بحث عميق في مسألة الخمس، ترجمة سعد رستم، صفحة 31، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[22] مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 1/ 308، 13.
[23] طريق الاتحاد، ترجمة محمود علي زين العابدين، صفحة 55، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[24] المرجع السابق : 12.
[25] محو الموهوم وصحو المعلوم، ترجمة سعد رستم، صفحة 37، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[26] م. عبد اللهي : استاذ معاصر من أهالي طهران، يعمل في إحدى الدوائر وهو من الشيعة المستبصرين للحق المنادين بتصحيح العقائد الذين يطلق عليهم البعض اسم «القرآنيين الشيعة»، المنتمين إلى مدرستهم الإصلاحية الداعية إلى إعادة النظر في بعض العقائد الشيعية الإمامية الموروثة، ولاحظ أن فكرة المهدي الغائب المنتظر كانت قديمة لدى فرق الشيعة، ثم بعد وفاة الإمام الحادي عشر أي الإمام الحسن العسكري، انقسم شيعته إلى فرق عديدة معظمها كان يؤكد أنه لم يخلف أي ولد. وبالتالي رأى المؤلف أن هذه العقيدة الشيعية رغم شهرتها البالغة لا تستند إلى أساس محكم ودليل موثوق، بل هي عقيدة مصطنعة. انظر كتاب : نقـــد و تمحيـــص روايات المهدي (الشيعية)، م. عبد اللهي، ترجمة : سـعد رسـتم، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[27] نقـــد و تمحيـــص روايات المهدي (الشيعية)، ترجمة : سـعد رسـتم، صفحة 23، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[28] أسرار ألف عام، لجنة الترجمة، صفحة : 27، موقع : اجتهادات على الإنترنت.
[29] المرجع السابق : 28.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم