أم المؤمنين عائشة (9) الواقعية والحياة الزوجية

إبراهيم الدويش

2011-04-21 - 1432/05/17
عناصر الخطبة
1/ الغيرة بين الإفراط والتميُّع 2/ نماذج من غيرة أم المؤمنين عائشة 3/ التعقُّل والإنصاف في غيرتها 4/ ملاطفة وصبر النبي الكريم إزاء تلك الغيرة 5/ على الشباب توطين أنفسهم على الواقعية
اهداف الخطبة

اقتباس

بعد ثمان خطب مضت قلَّبنا فيها صفحات عطرة لسيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تناولت الخطبة الأخيرة منها أسس وفلسفة السعادة في الحياة الزوجية والبيتية لدى أمنا عائشة، وأما عنوان خطبة اليوم فهي: الواقعية في حياة عائشة الزوجية. بعيدًا عن المثالية، والأحلام الوردية؛ وكيفية غيرتها ومعاملتها لضرائرها -رضي الله عنها-؛ فإن غيرة الرجل على زوجته دليل رجولته، وحبه الصادق لها، وكذلك غيرة المرأة على زوجها دليل أنوثتها ..

 

 

 

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته الكرام الذين اهتدوا بهديه، واقتدوا بسنته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 

أما بعد: فنواصل الحديث عن سيرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، التي هي أنموذج ومنهج تربوي وعملي للمرأة المسلمة اليوم، فعائشة -رضي الله عنها- شخصية نسائية فذة، جمعت خصالاً كثيرة، حتى أصبحت قدوة ومعلمة للرجال والأجيال.

بعد ثمان خطب مضت قلَّبنا فيها صفحات عطرة لسيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تناولت الخطبة الأخيرة منها أسس وفلسفة السعادة في الحياة الزوجية والبيتية لدى أمنا عائشة، وأما عنوان خطبة اليوم فهي: الواقعية في حياة عائشة الزوجية. بعيدًا عن المثالية، والأحلام الوردية؛ وكيفية غيرتها ومعاملتها لضرائرها -رضي الله عنها-؛ فإن غيرة الرجل على زوجته دليل رجولته، وحبه الصادق لها، وكذلك غيرة المرأة على زوجها دليل أنوثتها، وحبها الصادق له؛ إذًا فالغيرة ليست مذمومة على الإطلاق كما يتصورها البعض، بل فقدانها مذموم وفقدان للرجولة، وفقدانها في النساء يؤدي إلى برودة المشاعر، وفقدان الأنوثة.

ومن هنا جاءت الشريعة الغراء بتوجيه غريزة الغيرة في الرجال والنساء لوجهتها الصحيحة الرشيدة، وأن تقف عند حدود الدين والأخلاق، وألا تفسد الحياة وتتغلغل إلى الأعماق، فالغلو والإفراط في الغيرة يؤدي إلى التعدي على حقوق الآخرين، وتتحول إلى شكوك واتهامات باطلة، كما أن تهوينها والتقصير فيها يؤدي إلى التميع وإلى الدياثة -لا سمح الله-، ولذا كان المطلوب هو التوسط فيها، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ. فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي رِيبَةٍ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ الرِّيبَةِ".

ومن المعلوم أن عائشة -رضي الله عنها- كانت أكثر نساء الرسول حبًّا له، وكانت تحبه حبًّا جمًّا؛ ولذا كانت تغار عليه أشد الغيرة، كانت تغار عليه من سائر زوجاته، بل لقد كانت تغار ممن ماتت من نسائه، كخديجة -رضي الله عنها-.

والعجيب هو موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذه الغيرة، فقد كان موقفاً حكيماً ونبيلاً، حيث كان -صلى الله عليه وسلم- يراعي أن غيرة المرأة على زوجها هي من طبائع الأنوثة التي فطرها الله عليها، فكان-صلى الله عليه وسلم- يرد على هذه الغيرة مرة بابتسامة، وتارة بتوجية ولين، وتارة بعتاب وزجر، خاصة إذا مست حقوق الآخرين؛ وكان-صلى الله عليه وسلم- لا يلومها فيما يمسه هو، لكنه يردها إلى الصواب فيما يمس الآخرين، فمرة عابت عائشةُ أم المؤمنين صفيةَ -رضي الله عنها- بأنها قصيرة القامة، فبادر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإنكار عليها قائلاً: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته".

ولعائشة -رضي الله عنها- في الغيرة على حبيبها محمد -صلى الله عليه وسلم- حكايات ومواقف وأحوال نسائية عجيبة وطريفة، لكنها لا تتجاوز حدودها، بل كثيراً ما كانت تراجع نفسها، وتتعجب من ظنونها وجرأتها، منها ما أخرجه مسلم وغيره عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: افْتَقَدْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَتَحَسَّسْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ"، فَقُلْتُ: بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى! إِنِّى لَفِى شَأْنٍ وَإِنَّكَ لَفِى آخَرَ".

إنها واقعية عائشة وبشَريَّتُها وبكل شفافية، فقد كانت عائشة تبرر غيرتها، فتقول: كيف لها ألَّا يغار مثلها على مثل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ففي صحيح مسلم ومسند أحمد عن عَائِشَةَ قالت: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ؟ أَغِرْتِ؟!" قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا لِي أَنْ لَا يَغَارَ مِثْلِي عَلَى مِثْلِك؟ فما أجمله من تعبير! وما أحسنها من عبارة معبرة! وما أرقه من رد يفيض مودة وحبًّا! "مَا لِي أَنْ لَا يَغَارَ مِثْلِي عَلَى مِثْلِك؟!"، وحق لها أن يغار مثلها على مثله! هكذا تبرز حكمة عائشة ورقيها في ضبط غيرتها؛ لتظهرها على أنها رسالة حب، وأنها دليل حرص، وعنوان وفاء.

ذات يوم دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عائشة، ودار بينهما الحديث التالي: قالت: أين كنت يا رسول الله منذ اليوم؟ فقال: عند أم سلمة. فقالت: ما تشبع من أم سلمة؟ فتبسم -صلى الله عليه وسلم- من هذه الغيرة، فإذا هي تقول بكل واقعية وبشرية: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَك؟ قَالَ: "فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا"، تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا.

ثم اسمعوا لهذا الموقف الطريف العجيب، فقد روى أحمد ومسلم عن عائشة قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى أَثَرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.


ثُمَّ انْحَرَفَ فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنْ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَاءَ رَائِبَةً- وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه والمحتد في كلامه من ارتفاع النفس وتواتره- قَالَتْ: قُلْتُ لَا شَيْءَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: لَتُخْبِرِنَّنِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَأَخْبَرَتْهُ، قَالَ: فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَلَهَزَنِي فِي ظَهْرِي لَهْزَةً فَأَوْجَعَتْنِي. وَقَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ عَلَيْكِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.


قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَام- أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ خُفْيَتَهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَدْخُلَ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنَّكِ قَدْ رَقَدْتِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ جَلَّ وَعَزَّ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ. قَالَتْ: فَكَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلَاحِقُونَ.

هذا الحديث يوضح كيف كانت حياة عائشة الزوجية، ومدى غيرتها، وأنه يحدث في بيتها كما يحدث في بيوت الكثير؛ لكن مواقفها -رضي الله عنها- توضح بجلاء مدى مجاهدتها وتعقلها في ضبط المشاعر، رغم منزلتها العالية عند رسول الله؛ وأرجو أن تتأملوا هذا المشهد الرائع الذي كان بين عائشة وزينب، كما روى الشيخان عن عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِى إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِى ابْنَةِ أَبِى قُحَافَةَ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا -صلى الله عليه وسلم-: "أَىْ بُنَيَّةُ! أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟". فَقَالَتْ: بَلَى. قَالَ: "فَأَحِبِّى هَذِهِ".

قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِىِّ، فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ وَبِالَّذِى قَالَ لَهَا -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَىْءٍ، فَارْجِعِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُولِى لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِى ابْنَةِ أَبِى قُحَافَةَ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاللَّهِ لاَ أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا.

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-وَهِىَ الَّتِى كَانَتْ تُسَامِينِى مِنْهُنَّ فِى الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِى الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالاً لِنَفْسِهَا فِى الْعَمَلِ الَّذِى تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حَدٍّ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ.

قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-، وَرَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- مَعَ عَائِشَةَ فِى مِرْطِهَا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِى دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِى إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِى ابْنَةِ أَبِى قُحَافَةَ. قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي فَاسْتَطَالَتْ عَلَىَّ وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ هَلْ يَأْذَنُ لِى فِيهَا؟ -قَالَتْ- فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لاَ يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ. -قَالَتْ- فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حِينَ أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا -وفي رواية (لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَفْحَمْتُهَا)- قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَتَبَسَّمَ: "إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِى بَكْرٍ".

فما أروع إيمان عائشة وهي تُثني على زينب وتُنصفها! رغم أنها التي كانت تنافسها على زوجها، ورغم أن الموقف هنا موقف خصومة ومشاجرة، إلا أن عائشة تعلم أن ما حصل منها كان بدافع الغيرة، ولا ضير فيها، كما يحصل منها هي أيضًا؛ وهكذا المرأة العاقلة المؤمنة في الأنموذج الأمثل لإدارة حياتها الزوجية بكل تعقل وواقعية.

تلك الواقعية التي جعلت عائشة تُنصف نفسها من زينب عندما استطالت عليها، مع بيان عظيم أدبها واحترامها الكامل لزوجها، فهي لم تنتصر لنفسها بمجرد ما صدر من زينب من تطاول عليها، بل تريثت وانتظرت رأي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هل يأذن لها بالرد والانتصار؟ وهذا قمة الأخلاق ومراعاة مشاعر الزوج؛ وإلا فيجوز للإنسان أن يدفع عن نفسه وينتصر لها دون إذن من أحد إذا اعتدي عليه، كما قال تعالى:(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة:194].

فلما علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمانع فانتصرت لنفسها، وأفحمت زينب في مدة قصيرة، وهذا يدل على سرعة بديهتها، وقوة حجتها، وحدة فطنتها وذكائها، حتى نالت إعجاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومدحه لها مبتسمًا: "أَمَا إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِى بَكْرٍ".

كما نلحظ في هذا الحديث إقرار النبي-صلى الله عليه وسلم-أن الغيرة طبيعة في النساء، وخاصة بين الضرائر، ولذا تحمل-صلى الله عليه وسلم- قولهن: (إنهن يطلبن العدل)، مع أنه -صلى الله عليه وسلم- أعدل الخلق، وإن لم يعدل هو، فمن يعدل إذًا؟! لكنه كلام النسوة، وغيرتهن، وكيدهن البشري؛ وكما عند أحمد وغيره عن عائشة قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، قَالَتْ: فَغِرْتُ يَوْمًا فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ! قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا؟! فقَالَ: "مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ".

وفي رواية عند الطبراني: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَمُ مِنْ ثَنَاءٍ عَلَيْهَا، وَالاسْتِغْفَارِ لَهَا، فَذَكَرَهَا ذَاتَ يَوْمٍ، وَاحْتَمَلَتْنِي الْغَيْرَةُ، إِلَى أَنْ قُلْتُ: قَدْ عَوَّضَكَ اللَّهُ مِنْ كَبِيرَةِ السِّنِّ. قَالَتْ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غَضِبَ غَضَبًا سَقَطَ فِي جِلْدِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ أَذْهَبْتَ عَنِّي غَضَبَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ أَذْكُرْهَا بِسُوءٍ مَا بَقِيتُ.

وفي رواية: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَغَيُّرًا لَمْ أَرَهُ تَغَيَّرَ عِنْدَ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ، أَوْ عِنْدَ الْمَخِيلَةِ حَتَّى يَعْلَمَ هو رَحْمَةٌ أَوْ عَذَابٌ. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- الَّذِي قَدْ لَقِيتُ، قَالَ: "كَيْفَ قُلْتِ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَرُزِقَتْ مِنِّي الْوَلَدَ إِذْ حُرِمْتِيهِ مِنِّي، فَغَدَا بِهَا عَلَيَّ وَرَاحَ شَهْرًا".

هكذا هي واقعية عائشة وطبيعتها في بيتها وحياتها الزوجية، فقد تحتملها الغيرة كعادة النساء، إلا أنها إذا رأت أن غيرتها تُغضب زوجها فحينئذ تتراجع وتضبط مشاعرها فتكف عن الغيرة؛ لأن غرضها إبداء حبها لزوجها، أما إذا كانت الغيرة ستأتي بنتائج سلبية وعكسية من غضب وخصومة فلتجاهد الغيرة وتُدفع وتضبط؛ وهكذا كان -صلى الله عليه وسلم- معها يُلاطف ويصبر ويغض الطرف كثيراً، لكنه لا يمكن أن يسكت على باطل ومنكر.

فعندما تتعدى الغيرة حدها المعقول، وتمس الآخرين، فإنه يغضب ويوجه ويُحذِّر،كما حصل في الموقف المشهور بين عائشة وبين أم سلمة؛ فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ، وَمَعَهَا فِهْرٌ(حجر بملء الكف)، فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ فِلْقَتَيْ الصَّحْفَةِ وَهو يَقُولُ:"كُلُوا! غَارَتْ أُمُّكُمْ"(مَرَّتَيْنِ). ثُمَّ أَخَـذَ -صلى الله عليه وسلم- صَحْفَةَ عَائِشَةَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَائِشَةَ.

فانظروا لحسنِ تصرُّفِه وعلاجه لهذا الموقفِ بطريقةٍ مُقنِعةٍ، معلِّلاً لهذا الخطأِ من عائشةَ -رضي الله عنها- بقولِه: "غارَت أمُّكم، غارَت أمُّكم". فهو يقدِّرُ نفسيَّةَ عائشةَ، فأم سلمة هي من بعثت الصحفة لبيت عائشة، ولذا لم يذمّها -صلى الله عليه وسلم-، لكنه حملها مسؤولية غضبها وكسرها للصحفة، فتأملوا في حسنِ خُلُقِه -صلى الله عليه وسلم-، وإنصافِه، وحلمِه! وتأملوا في فن احتواء المواقف المتشنجة، فبكل لطفٍ ومرونة وحكمةٍ، قدَّرَ ما يجري عادةً بين الضَّرائرِ من الغيرةِ؛ لمعرفته -صلى الله عليه وسلم- أنَّها مركَّبَةٌ في نفسِ المرأةِ، ولذا قال شُرَّاح الحديث: "فِيه إِشَارَة إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة الْغَيْرَاء بِمَا يَصْدُر مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة يَكُون عَقْلهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضَب الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَة ".

هكذا معاشر المؤمنين والمؤمنات، هكذا أيها الأزواج والزوجات، فلتكن الحياة الزوجية والتعايش، والاقتداء بحسنِ خُلُقِه-صلى الله عليه وسلم- وإنصافِه وحلمِه، وتأملوا في البيوت بهدوء وواقعية، وتوازن وعدل وإنصاف، وإذا كان بيت النبوة شهد مثل هذه الأحداث فغيره من البيوت من باب أولى وأحرى، وعلى الفتيان والفتيات أن يوطنوا أنفسهم على الواقعية، وألا يَحلموا بحياة زوجية مثالية، مليئة برومانسية وأحلام وردية، والتي لا تكون إلا في الخيال والأفلام.

فما أروع سيرة عائشة ومواقفها وقصصها لتكون مدرسة وأنموذجاً تطبيقياً للأسرة اليوم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 

 

 

  

 

المرفقات

أم المؤمنين عائشة (9) الواقعية والحياة الزوجية.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات