أم المؤمنين عائشة (3) قصة الإفك (دروس وعبر)

إبراهيم الدويش

2011-04-21 - 1432/05/17
عناصر الخطبة
1/ ديمومة الصراع بين الحق والباطل 2/ الإشاعات كسلاح للباطل 3/ دروس قرآنية من حادثة الإفك للتعامل مع الإشاعات
اهداف الخطبة

اقتباس

هكذا هم أصحاب النوايا الصادقة، والنفوس الطيبة الطاهرة، والصدور السليمة النظيفة، يعكسون بسلوكهم طِيبَ ما بداخلهم، وكل إناء بالذي فيه ينضح. أليس حسن ظنهم ناشئ من حسن عملهم؟ أليس الله إذا رأى من عبده حسن العمل رزقه حسن الظن؟ إن الواقع المعاصر يضج بسوسة العصر: سوء الظن، واتهام النيات والمقاصد؛ فأصحاب النفوس المريضة لا يرون في الناس ولا يظنون بهم إلا ما تعكسه نفوسهم الخبيثة، وقلوبهم المريضة ..

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطبيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله! فقد بدأنا بالحديث عن سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في الخطبتين الماضيتين، تحدثنا فيهما عن منشأ قصة الإفك، وسببها الرئيس، وأنها لم تكن معزولة عن سياقها السياسي والتاريخي، بل كانت المؤامرة مدبرة مبيتة، وحلقة في سلسلة حلقات ضمن مشروع انتقامي ثأري تولى كبره ابن أبي ابن سلول.

وذكرنا أن قصة الإفك من أعظم الابتلاءات التي عرفها التاريخ الإسلامي، وفيها ابتلاء للنخب، بدءاً من هرم الدولة، ومروراً برجالاتها، ثم العامة على حد سواء، فسبحان من ابتلى هؤلاء الكرام بهذه المحنة القاسية، والفرية العظيمة! وسبحان من ابتلى حبيبه الكريم وخليله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- حتى يجعل كل ما صدر منه من ثبات وتدبير، ومعالجة للقضية، تشريعًا ونبراسًا للناس، ومنهاجًا يسيرون عليه، ونورًا يستفيدون منه، كلما أظلت بساحتهم مثل هذه الفتنة، واتُّهموا كذبًا وزورًا بمثل هذه الفرية.

فسنة الله الكونية والشرعية معًا جارية على أن الصراع والحروب باقية بقاء الدنيا، وكما أن الصالحين لهم امتداد وأتباع، فكذلك الطالحون والمنافقون لهم امتداد وأتباع في كل عصر ومصر، وفي إثارة الإفك مرة أخرى في مثل هذه الأيام، وبعث خيوط المؤامرة وإشاعتها من جديد، لخير دليل وبرهان على هذا، ثم عرضنا قصة الإفك بأكملها، ومباشرة من فم صاحبتها، فسردناها على مسامعكم بطولها وبكل تفاصيلها، وشجوها وشجونها؛ وذلك نظرًا لأهميتها، ولما تحتوي من إشارات ودلالات، ومن دروس وعبر، ومن فوائد وفرائد.

وها نحن اليوم على موعد مع أهم فوائد هذه القصة، وكيف أنها قدمت علاجًا قرآنيًّا، ووصفة ربانيةً، وحلاًّ جذريًّا لأخطر داء تبتلى به المجتمعات، ولأفتك مرض تكتوي بناره الأسر والأفراد، إنها الإشاعة، أشنع داء، وأبشع مرض موجود بقوة في الساحة، فالآيات باختصار شديد تقول: إن أردتم مجتمعاً صالحاً، متماسكاً متراحمًا متلاحمًا، لا تهزه الإشاعات، ولا تنال منه الوشايات، فلابد من منهج واضح وصريح لكل مسلم في التعامل معها.

ولعلي – إخوة الإيمان- ألخص هذا المنهج بأربع نقاط مستنبطة من هذه الحادثة الأليمة، ترسم طريقاً واضحاً لكل مسلم ومسلمة في تعامله مع أية إشاعة إلى قيام الساعة؛ النقطة الأولى هي أن حسن الظن أولاً، وهو المقدم دائمًا، فالأصل في المسلم العدالة، ولذا فإن على كل واحد منا أن يقدم حسن الظن بأخيه المسلم، أليس الله تعالى في آيات الإفك يقول: (ولوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) [النور:12]، وتعالوا لنتأمل تطبيقات هذه الآية في مجتمع الصحابة، بدءاً بالقدوة، وبالزوج المبتلى؛ فالحبيب –صلى الله عليه وسلم- لم يتعجل، بل إنه أحسن الظن بزوجه فقال: "وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا"، هكذا يقسم –صلى الله عليه وسلم-، ويحسن ظنه بأهله وزوجه عائشة، ثم يُتبع –صلى الله عليه وسلم- ظنه بالدليل والبرهان، فيحسن الظن بصاحبه صفوان بن المعطل -رضي الله عنه- فيقول: "وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي".

وأما الصحابة فقد تبعوا تأسوا بقدوتهم –صلى الله عليه وسلم- فكانوا هم أيضاً أنموذجًا يقتدى، وأمثلة يحتذى بها في تقديم حسن الظن، فعندما استشار النبي –صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه في القضية كانت مشورتهم كلها فيها تقديم حسن الظن، كما قالت عائشة: "فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. وعندما سأل -صلى الله عليه وسلم- بَرِيرَةَ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ".

ومن حسن ظنهم -رضوان الله عليهم- ما دار بين أبي أيوب وزوجه أم أيوب من حوار في شأن هذه القضية، فقد رُوي أن أبا أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال لامرأته: ألا ترين ما يقال في عائشة؟ فقالت: لو كُنْتَ بدل صفوان، أَكُنْتَ تخُون رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: لا، قالت: ولو كنتُ أنا بدل عائشة مَا خُنْتُ رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك. وفي رواية ابن إسحاق قالت زوجة أبي أيوب لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب. أَكُنْتِ فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله! فقال: عائشة خير منك، سبحان الله! هذا بهتان عظيم".

يا الله! يا عباد الله! ما أحسن وأعظم هذا المنهج عند الإشاعات! حسن الظن أولاً، إنه درس عملي ومنهجي وتطبيقي رائع لو كنا نقف ونتدبر ونتعظ، أفلا تفكرون؟! بل العجب -أيها المؤمنون- أن عائشة -رضي الله عنها- عندما خرجت هي وَأُمُّ مِسْطَحٍ -أحد من زلت قدمه في قصة الإفك- إلى الْمُتَبَرَّز، ولدى عودتهما، عَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ! أي دعت على ابنها بالتعاسة، وما ذا كان رد عائشة على أم مسطح؟ هل سكتت عن هذا الاتهام دون أن تعلم دليلها حتى ولو كان صادرًا عن الأم الحنون؟ قالت لها عائشة: "بِئْسَ مَا قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! وفي رواية:"أَيّ أُمٍّ؟ أَتَسُبِّينَ ابْنك؟! فَقَالَتْ أم مسطح: أَيْ هَنْتَاهْ! وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: مَا قَالَ؟! فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ.

فما أروع حسن ظن عائشة بمسطح! وإنكارها حتى على أمه! وما أروع حسن ظن أم مسطح بعائشة! ودفاعها عنها، وتبرئتها لها، وتخليها عن ابنها، واتهامها له! فسبحان الله! حتى ولو كان ولدها وفلذة كبدها فلا محاباة ولا مجاملة، رغم سلطان الأمومة وقوتها وتأثيرها، لكن في مجتمع الصحابة حسن الظن هو الأصل، حسن الظن هو المبدأ الذي لا يمكن تجاوزه حتى ولو كان المتضرر هو القريب، ولو كان الابن فلذة الكبد والروح. ولذا قال ابن حجر: "وَفِي الحديث فَضِيلَة قَوِيَّة لِأُمِّ مِسْطَح؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُحَابِ وَلَدَهَا فِي وُقُوعه فِي حَقِّ عَائِشَة، بَلْ تَعَمَّدَتْ سَبَّهُ عَلَى ذَلِكَ".

هكذا -أيها المؤمنون- هم أصحاب النوايا الصادقة، والنفوس الطيبة الطاهرة، والصدور السليمة النظيفة، يعكسون بسلوكهم طيب ما بداخلهم، وكل إناء بالذي فيه ينضح. أليس حسن ظنهم ناشئ من حسن عملهم؟ أليس الله إذا رأى من عبده حسن العمل رزقه حسن الظن؟ إن الواقع المعاصر يضج بسوسة العصر: سوء الظن، واتهام النيات والمقاصد؛ فأصحاب النفوس المريضة لا يرون في الناس ولا يظنون بهم إلا ما تعكسه نفوسهم الخبيثة، وقلوبهم المريضة، من ظنون وسيئات وأوهام سوداء، كما قرر القرآن، فقال الله: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) [الأعراف:58].

إِذا ساءَ فِعلُ المَرءِ ساءَت ظُنونُهُ *** وَصَدَّقَ ما يَعتادُهُ مِن تَوَهُّمِ
وعادَى مُحِبِّـيهِ بِقَـوْلِ عدَاتِهِ *** وأصْبَحَ في ليلٍ من الشكِّ مُظلِمِ

إي وربي! فسوء الظن شك وريبة وتوجس، وأقاويل وتناجٍ وازدراء وظلم، واتهام وأوهام، وتخيلات وتخرصات، عارية عن التثبُّت والتبيُّن، وخلاصة الأمر وخطورته أنه متى كان سوء الظن أولاً فعلى المجتمع السلام، وأصبح المبدأ القرآني والأخوَّة الإيمانية أصبحت نِسيًا منسيًّا.هذا أولاً لعلاج الإشاعة.

أما الوصفة الثانية لعلاج هذا المرض الاجتماعي هي التثبت والتمحيص، فالأصل في المسلم دوماً أن يطلب الدليل والبرهان على أية إشاعة يسمعها، كما قال الله تعالى: (لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [النــور:13] لاحظوا النص القرآني والتوجيه الرباني: (فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ)، فإذا كان عند ربنا وخالقنا كاذبًا، أفلا نكذبه نحن وخالقنا يكذبه؟!.

ولكنك لو خبرت الواقع، وتأملت فيما هو حاصل الآن بين الناس، لوجدت أن وكالة البث "يقولون" هي الرائجة الشائعة، وأن المروجين لهم الصدارة في المجالس، والآذان لهم سامعة صاغية، والقلوب إليهم واعية، بل كثيرًا ما نساعده، ونشجعه، ونصفق له؛ وأنه صاحب الأخبار والاطلاع! فأين التثبت المأمور به في القرآن؟: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات:6].

ولو أننا عملنا بمقتضى هذه الآية في تثبت الأخبار وتمحيصها لما تركنا مساحة يناور فيها كل كذاب أشر، يلعب بالعقول، ويخلخل الصف ويخرب البيوت والعلاقات، تأملوا هذا التصرف الحكيم من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه اللّه- كيف لقن درسًا لساعٍ أراد السعي لفتنة، فقد ورد أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئًا، فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) [القلم:11]، وإن شئت عفونا عنك؟ فقال: بل العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا".

وأما النقطة الثالثة في علاج الإشاعة كما تُقرره آيات الإفك: إمساك اللسان، ثم التفكير. كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: " لِسَانُ الْعَاقِلِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُ قَوْلٌ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ قَالَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ. وَلِسَانُ الْأَحْمَقِ أَمَامَ قَلْبِهِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُ الْقَوْلُ قَالَ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ"، فالأصل أن لا يتحدث المسلم العاقل بما سمعه ولا ينشره إلا بعد أن يفكر فيه، ويتأكد منه، ويتثبت من صدقه، ويتبين له ثمرة نشره وبثه، قال تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) [النور:12]، لأن عدم الحديث عنها وتركَها وأْدٌ للإشاعات في مهدها.

أليس هذا خلاف الواقع المعاش تمامًا؟ كم نحن بعيدون عن توجيه القرآن لنا! فهل من عودة لتربية النفس وأطرها على منهج القرآن؟ فلهذا أُنزل، ولهذا رُتل، إن من تدبر قول الحق: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) [النور:15]، أيقن أنها دعوة للتفكير والتثبت والتيقن قبل التفوه بالشائعة، فمن البدهي أن الإنسان يتلقى الأخبار بسمعه لا بلسانه، لكن المروجين للخبر لم يستعملوا التفكير، ولم يُمِروا ذلك الخبر على عقولهم ليتدبروا فيه، بل أخبر الله عنهم أنهم يتلقون حادثة الإفك بألسنتهم ثم يتكلمون بها بأفواههم من شدة سرعتهم في نقل الخبر و عدم التفكر فيه. فليكن إذا شعارنا ووصيتنا لبعضنا عند سماع الأخبار: أمسك عليك لسانك إلا من خير.

أما النقطة الرابعة في علاج الإشاعة مما أكدته آيات الإفك فهي أن يُرد الأمر لأهله إن كان خاصاً، وإلى أولي الأمر إن كان عاماً، كما في قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا) [النور:16]، أي: لا يصح لنا أن نتكلم بمثل هذا الأمر الجلل لوحدنا، بل نرده إلى أصحاب العلم والتجارب والآراء السديدة، وقد جاء هذا صريحاً واضحاً في القرآن فقال: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء:83].

قال العلامة السعدي: "هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة، ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها...".

إخوة الإيمان! بهذه الأمور الأربعة جاءت آيات حادثة الإفك، لتكون درساً عملياً واضحاً في التعامل مع الإشاعات وكثرة القيل والقال، لكن الحقيقة المرة أن البون شاسع بين منهج القرآن، وبين منهج أهل هذا الزمان، يا الله! اسمعوا لروعة تعبير القرآن عن الغير بالنفس في قوله: (لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً). يا الله! (بِأَنفُسِهِمْ) نعم! هم كأنفسنا، فهم إخواننا وأخواتنا، يتألمون كما نتألم، ويتوجعون كما نتوجع، فهلاّ أن سمعتم حديث الإفك ظننتم بأنفسكم -أي بعائشة وصفوان- ظـنـاً حسناً جميلاً؟ فالمرء لا يظن بنفسه السوء؛ هذا التعبير (بأنفـسـهم) أرقى وأسمى وسائلِ غرس روح المحبة والمودة بين الناس، أن تشعر بحقيقة الإخاء والإحساس بمشاعر الآخرين؛ حتى لـكـأن الذي يظن السوء بغيره إنما يظنه بنفسه.

سبحان الله! هكذا تفعل رابطة الإسلام، رابطة الاخوة والمحبة فعلها، وتصهر المسلمين في بوتقة واحدة، إلى درجة أن أخا المسلم أصبح كنفسه. حقاً إنه دين عظيم، فما أروع القرآنَ وتعاليمَه! فهذا الأسلوب القرآني، وهذا الخطاب الرباني، يؤكد معنىً عميقًا يُحدِث في النفس أثراً وإحساساً لاحترام حقوق الآخرين، وتقدير مشاعرهم؛ شعورٌ راق، وإحساسٌ رفيع، فكل فرد من أفراد المجتمع يشعر بأن نفسَه نفسُ الآخرين، ودمَه دمُ الآخرين، فلا فرق في المحافظة على الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجري في عروقه، وبين الأرواح والأبدان التي يحيا بها إخوانه، كما قال خالقنا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) [النساء: 1].

ألم يقل المربي الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: "مثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". هكذا -معاشر المسلمين- قرآنكم بقصصه وتوجيهاته يحمل كلَّ هذه المعاني الجميلةِ، فأنتم كنفس واحدة.

ولنسأل أنفسنا بكل صراحة ومكاشفة: هل نفكر بهذا عندما نطلق قذائف ألسنتنا؟! هل نعلم أنها ستصيب إخوةً وأخواتٍ لنا؟! هل ندرك أنها ستفجر في نفوسهم بحوراً من الآلام، وعيوناً لا تنام، وسهرًا وقلقًا على مدار الشهور والأيام؟! هل نتوقع حجم الخراب والفساد الذي نتسبب به للمتهم؟! كم من بيت هدمناه؟ كم من قلب أحرقناه؟ كم ذنب كسبناه؟.

فتعالوا لنقول في إخواننا ما نحبه لأنفسنا، ونكره أن نقول فيهم ما نكرهه لأنفسنا، تعالوا لنتعاهد بوأد الشائعات، فكلما سمعنا خبرَ سوءٍ في مجلسٍ، أو صحيفةٍ، أو إذاعةٍ، أو غيرِها، سواء كان يتعلق بأفراد أو جماعات، فلنمسك ألسنتنا، ولا ننقله لغيرنا، ولندع لأهله بالستر والعافية، وسنجد أثرَ هذا في مجتمعنا، وفي نفوسنا، صفاءً ونقاء، وحبًّا وإخاءً؛ وإلا فاحذروا! فإنَّ الأمرَ دينٌ، وهناك يوم الدين، يوم يُدان للناس بعضِهم من بعض، يوم يؤخذ من الحسنات والسيئات.

وأما في الدنيا فالجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، فالرسول يقول: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِى قَلْبِهِ، لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَبِعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ اتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَفَضَحَهُ وَهُوَ فِى بَيْتِهِ" الحديث صحيح بمجموع طرقه.

أيها المؤمنون: هذه هي الفائدة الأولى والأهم من قصة الإفك، وهي فائدة جليلة عظيمة، والأهم هو أن نجاهد أنفسنا بتطبيقها، مع أفراد أسرتنا ثم مجتمعنا، وهكذا تتسع دائرة الخير وينتشر، ويقطع دابر الشر والإشاعة، نسأل الله أن يحفظنا من شر الإشاعة، وأن يهدي القائمين على سوق هذه البضاعة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

 

المرفقات

أم المؤمنين عائشة (3) قصة الإفك (دروس وعبر).doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات